الخميس 29 أبريل 2021 06:47 ص

ليلى .. وذئاب الكاميرا!

ما الطريف في برامج تتخذ من السخرية من الآخرين بغض النظر عن أعمارهم، مادّة لها؟

أما وقد صدف أن كان هؤلاء الأخرون أطفالا فالمسألة تتحول إلى نوع من الجريمة الحقيقية.

لم تتعرّض تلك الصغيرة للتنمر فقط بل تعرّضت لعنف لفظي حقيقي سيترُك أثره العميق في نفسها وطريقة تعاملها مع ذاتها وجسدها أيضا.

ما هو شعور أولئك المحتاجين عندما يصادفون تلك المقاطع الفيديو لاحقا أو يراها أبناؤهم وقد أصبحوا يعيشون ظروفا أفضل مثلا؟

ذئاب روعوا ليلى في المقطع: من اشترك بالبرنامج ووافق على فكرته وسهّل تصويره حتى بعد إزالة المحتوى بعد عرضه على يوتيوب بدقائق لأنه خالف قواعدها.

*     *     *

لا نعرف ما يمكن أن تتركه كلماتنا الموجهة إلى الأطفال في نفوسهم من أثر سلبي أو إيجابي إلا عندما نتذكّر ما قيل لنا في طفولتنا ورافقنا طوال أعمارنا لاحقا. قبل أيام، انتشر مقطعٌ مقتبسٌ من برنامج كويتي على "يوتيوب"، لفتاتين تجريان مقابلة خاصة مع طفلة، في الثانية عشرة من عمرها، اسمها ليلى!

فقامتا بتوجيه أسئلة قاسية لها عن شكلها ووزنها الذي اعتبرتاه زائدا، وكمية طعامها وعدد وجباتها، حتى أوصلتاها في نهاية الأمر الى الحشرجة بدموعها، قبل أن تكشفا عن سر الأسئلة، باعتبارها مقلبا أو نوعا من برامج الكاميرا الخفية!

ما الطريف في هذا النوع من البرامج التي تتخذ من السخرية على الآخرين، بغض النظر عن أعمارهم، مادّة لها. أما وقد صدف أن كان هؤلاء الأخرون أطفالا فالمسألة تتحول إلى نوع من الجريمة الحقيقية.

لم تتعرّض تلك الصغيرة للتنمر، وفقا للمصطلح الشائع هذه الأيام وحسب، بل تعرّضت لعنف لفظي حقيقي، لا بد أنه سيترُك أثره العميق في نفسها، وسيؤثر على طريقتها مع التعامل مع ذاتها ومع جسدها أيضا.

وأما قد حرصت تلك المذيعتان على تصوير ذلك كله، وتوثيقه وبثه على الملأ، مشفوعا بالضحك، واستدراج الجمهور نحو الإعجاب عبر زيادة المشاهدات والإعجابات، فهذا مما يمكن إدراجه تحت بند الجريمة الحقيقية.

لا أعرف ظروف تصوير ذلك المقطع، ولست متأكدة من صحة ما يقال عن موافقة ذوي الطفلة على تصويرها بهذا الشكل، ولكن هذا كله لا يهم. ولن نحتاج لموافقة والدة الطفلة ووالدتها، حتى نعتبر الجريمة التي ارتكبت بحقها أمرا مشروعا!

فموافقتهما، أو حتى موافقتها، وهي في هذا العمر غير المدرك، لا تعني إلا أنهما شريكان في الجريمة، وأن طفلتهما ستعرف ذلك لاحقا، وستدرك أنهما شاركا في محاولة تشويهها نفسيا، وإن فعلوا ذلك بحسن نية، أو بهدف الشهرة المبكّرة لطفلتهما كما يبدو، وإنْ من الصعب تماما أن نصف تلك النية بأنها حسنة!

منذ انتشار المقطع في وسائل التواصل الاجتماعي، تداعى كثيرون في الكويت، وخارج الكويت أيضا، إلى محاسبة كل الذئاب الذين ساهموا بترويع ليلى في المقطع، أي من اشترك بالبرنامج كله، ومن وافق على فكرته، ومن سهّل تصويره، حتى بعد أن أزيل المحتوى، بعد دقائق من عرضه، من على منصة يوتيوب، لأنه يخالف قوانينها.

لكن هذا كله لا يكفي، ولا بد من حملة أو حملات تقاوم تلك الأفكار القاتلة التي أصبحت وسيلة للشهرة السريعة بكل أشكالها وأنواعها.

وإذا كان التعاطف الذي حصدته الطفلة الضحية في ذلك البرنامج قد يسهم، ولو قليلا، في رفع الأذى النفسي عنها، ومسح دموعها التي لم ترحمها عدسة الكاميرا، وهي تنقلها إلى المشاهدين، فإن هناك من الضحايا الكبار من لم يلتفت الى معاناتهم أحد للأسف، باعتبارهم وافقوا على التصوير وعلى البث.

وما ينطبق على برامج الكاميرا الخفية ينطبق أيضا على البرامج التي تستغل حاجة بعض الناس للمال تحت وطأة الفقر، فتصوّرهم وهم يستلمون جوائز أو هبات أو أعطيات أو صدقات تلفزيونية، ويكيلون الأدعية للواهبين أمام العدسات، بأعين منكسرة غارقة بدموعها، وعلينا نحن المشاهدين أن نعدها دموع الفرح!

أصبحت أتجنب تلك البرامج الخيرية، حتى لا أواجه تلك الأعين يوما ما خارج الشاشة، فما هو شعور أولئك المحتاجين، عندما يصادفون تلك المقاطع لاحقا أو يراها أبناؤهم، وقد أصبحوا يعيشون في ظروف أفضل على سبيل المثال؟

* سعدية مفرح كاتبة وصحفية وشاعرة كويتية

المصدر | العربي الجديد