الاثنين 3 مايو 2021 04:33 م

يشارك الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان، في افتتاح المسجد الذي بدأ العمل على إنشائه عام 2017 في ميدان تقسيم، الذي يعد من أبرز المعالم السياحية في تركيا.

ويعد افتتاح المسجد بمثابة رمزية تاريخية، إذ يوجد في ميدان تقسيم نصب تاريخي ضخم لمؤسس الجمهورية التركية الحديثة "مصطفى كمال أتاتورك"، كما يوجد فيه مركز "أتاتورك" الثقافي.

صُمِّم المسجد على مساحة تقارب 1500 متر مربع، ويتسع لنحو 950 شخصاً، ويضم قاعةً للمؤتمرات ومكتبة، فيما صممت المآذن على ارتفاع 30 متراً وهو الارتفاع المساوي لارتفاع كنيسة تاريخية مجاورة، وطوال السنوات الماضية حرص "أردوغان" على زيارة المسجد وتفقد أعمال البناء مراراً لإظهار مدى اهتمامه بالمشروع الذي يوصف في تركيا على أنه كان "حلماً كبيراً تحول إلى حقيقة".

ويعتبر بناء مسجد تقسيم أبرز خطوات "أردوغان" في هذا الاتجاه، بعد الخطوة الكبرى التي أقدم عليها العام الماضي بإعادة فتح مسجد آيا صوفيا للعبادة بعد عقود من تحويله إلى متحف، وبناء مسجد "تشامليجيا الكبير"، قبل نحو عامين، على أعلى مرتفع على الجانب الآسيوي المطل على مضيق البوسفور، وهو المسجد الأكبر في البلاد الذي يتسع لعشرات آلاف المصلين ويمكن رؤيته من معظم أحياء المدينة.

وإلى جانب الجدل السياسي والقضائي، تحول مشروع بناء مسجد تقسيم طوال السنوات الماضية إلى مادة للجدل على المستوى الشعبي ومن خلال مواقع التواصل الاجتماعي بين المؤيدين والمعارضين، حيث يقول المؤيدون إن المنطقة السياحية الهامة لا يوجد بها أماكن عبادة كافية للمسلمين، ويضطر الكثير من المواطنين والسياح لأداء الصلوات لا سيما صلاة الجمعة في أزقة المنطقة السياحية.

في المقابل، يرى المعارضون أن مشروع المسجد هو محاول لإضفاء صبغة دينية أكبر على إسطنبول وميدانها المركزي، إلى جانب إضعاف مكانة نصب أتاتورك التذكاري الأبرز في الميدان وضمن خطة متكاملة يهدف من خلالها أردوغان إلى نزع مكانة أتاتورك من الشعب التركي، بحسبهم.

وفي محاولة من "أردوغان" لامتصاص غضب المعارضين ومنع إثارتهم، تجنب إطلاق أي تصريحات حول المسجد واكتفى بزياراته المتكررة له، كما أمر بالتزامن مع بداية بناء المسجد بإعادة بناء مركز أتاتورك الثقافي المقابل له ليتحول إلى مركز ثقافي ضخم وبتصميم عالمي نادر يضم دارا للأوبرا.

ويجمع المؤيدون والمعارضون على أن مسجد تقسيم يعتبر مثالاً كبيراً لسياسة "أردوغان" التي ترتكز على تمرير ما يريد تدريجياً وتجنب الصدام مع الإرث السياسي والاجتماعي الصعب في البلاد، حيث استطاع الرئيس التركي أن يغير شكل البلاد تدريجياً بدءاً من بلدية إسطنبول عام 1994 وصولاً لتولي حكم البلاد عام 2003 وصولاً للنظام الرئاسي عام 2018، فيما يواصل مساعيه لتحقيق ما أطلق عليها "رؤية 2023".

وتعود فكرة إنشاء المسجد إلى 72 عاما مضت، ففي مقطع فيديو قديم ونادر يعود لعام 1994 ظهر "أردوغان"، الذي كان قد استلم لتوه منصب رئيس بلدية إسطنبول آنذاك، وهو يجري لقاء صحفياً من على سطح إحدى البنايات قرب ميدان تقسيم السياحي وسط إسطنبول، وقبل نهاية اللقاء أشر بيده اتجاه إحدى زوايا الميدان قائلا للصحفيين: "سأبني مسجداً هناك".

وبقي هذا المقطع لسنوات طويلة بعد تصويره مثاراً للسخرية والانتقادات من قبل شريحة واسعة من العلمانيين الكماليين في تركيا الذين كانوا يتمتعون بقوة أكبر في الدولة في ذلك الوقت وكانوا يعارضون هذا المشروع بقوة، ووصفوا كلام "أردوغان" على أنه "أحلام غير واقعية لن تتحقق على الإطلاق".

وبالفعل وعلى مدار عقود، عملت جهات مختلفة من خلال وزارة الثقافة والجمعيات والنقابات وبتساهل من القضاء التركي على إفشال عشرات المحاولات لبناء المسجد، وأصدر القضاء أكثر من مرة قرارات تمنع بناء المسجد وتحظر أي عمل في هذا الاتجاه.

وجاب ملف "مسجد تقسيم" العديد من المحاكم لسنوات طويلة وصولاً لمحكمة التمييز، وسيقت العديد من المبررات لمنع هذا المشروع منها ما يتعلق بأسس الجمهورية والعلمانية والسياحة والثقافة والتاريخ والآثار وغيرها.

وبين عام 1994 تاريخ وصول "أردوغان" للمرة الأولى إلى رئاسة بلدية إسطنبول وعام 2021 شهدت تركيا تحولات سياسية واجتماعية كبرى كان أبرزها تراجع التيار العلماني واليساري في البلاد مقابل صعود التيار المحافظ والقومي بزعامة "أردوغان" بشكل تدريجي.

ولذا يرى أنصار حزب العدالة والتنمية الحاكم والعديد من أتباع الأحزاب المحافظة والجماعات الدينية في تركيا أن بناء المسجد في تقسيم يعتبر بمثابة انتصار يحمل رمزية كبيرة، فيما ينظر كثيرون لنجاح "أردوغان" في بناء المسجد رغم التحديات الضخمة التي واجهته في هذا المشروع على أنه "تعبير عن حجم الإرادة السياسية التي يتمتع بها، وإيمانه بمشروعه السياسي، ونجاح أسلوبه في تمرير جميع ما يريده من خلال التدرج".

المصدر | الخليج الجديد + القدس العربي