السبت 15 مايو 2021 08:20 ص

فرنسا في لبنان و«الباشا» منتهي الصلاحية

بلغ لبنان مرحلة الحضيض فيما لم توجه أي دولة عينها على البلد الذي احتضن أيام العز جميع العرب.

بعد تراجعها عقب الحرب العالمية الثانية وبتقدم الثقافة واللغة الأنكلوسكسونية تكاد فرنسا تفقد كل «معاقلها» الثقافية ولبنان أحد آخر هذه القلاع.

إن كانت فرنسا تريد العودة للمنطقة من بوابة لبنان فعليها إعادة النظر بما تقوم به واستعادة «إتيكيت» الدبلوماسية التي حققت سابقا نجاحات واضحة.

في لحظة تنافس تركي- فرنسي شرق المتوسط جاء ماكرون بيروت مجتمعا بالسياسيين اللبنانيين مؤنبا ومقرعا بل مهددا بضرورة تشكيل حكومة إصلاح.

*     *     *

لنعترف بأن عدداً كبيراً من دول العالم يتعاطى مع لبنان بنظرة «فوقية». وهذه حال الدول التي تتخلى عن الحد الأدنى من سيادتها، وتمتنع عن التعامل بندية، ولو شكلية، مع الآخرين.

وفي التاريخ الحديث للبنان أن الولايات المتحدة كانت تتعامل مع لبنان بهذه الطريقة. فهي القوة العظمى على امتداد الحرب الباردة، ولها في لبنان أذرع مستعدة للتواطؤ معها ضد القوى الأخرى، سواء مؤيدة للشيوعية، أو الناصرية، على قاعدة «يحق لأمريكا ما لا يحق لغيرها».

وقد توجب الضرورة أحكامها، لكن لبنان أيضاً كان يصنّف على أنه أيضاً أحد آخر الأعشاش الفرنكوفونية. وفرنسا ما بعد تراجعها بعد الحرب العالمية الثانية، ومع تقدم الثقافة واللغة الأنكلوسكسونية تكاد تفقد كل «معاقلها» الثقافية، ولبنان هو أحد آخر هذه القلاع.

ففي لبنان إمبراطورية ثقافية فرنسية من المدارس والمراكز الثقافية، ومن انعكاساتها على الإعلام اللبناني الفرنكوفوني. ورغم أهمية الثقافة كأداة تستخدمها الدول الاستعمارية لبسط نفوذها، فهي وحدها لم تعد كافية. ومن دون أنياب قاطعة لا معنى زائداً لنفوذ ثقافي.

فها هو لبنان معقل الفرنكوفونية بالكاد تجد اليوم من يرغب في المدارس غير التابعة لفرنسا والكاثوليكية، في تعلم الفرنسية، فيما الجميع يريد تعلم الانكليزية.

 وبعد انتهاء الحرب الأهلية في عام 1990 انفردت الولايات المتحدة بالسيطرة والهيمنة على لبنان، وبالكاد كان يسمع أن لفرنسا دوراً في توقيع اتفاق الطائف، وبدء مرحلة جديدة من تاريخ لبنان قوامها الهيمنة السورية بتغطية أميركية- عربية.

 واليوم، وبعد الانهيار السياسي والاقتصادي والمالي، وبعد الانفجار المشبوه لمرفأ بيروت في الرابع من أغسطس/ آب من العام الماضي، بلغ لبنان مرحلة الحضيض، فيما لم توجه أي دولة عينها على البلد الذي احتضن أيام العز جميع العرب.

وفي لحظة التنافس التركي- الفرنسي في شرقي المتوسط جاء الرئيس الفرنسي، ايمانويل ماكرون، إلى بيروت، مجتمعاً مع السياسيين اللبنانيين، مؤنباً ومقرعاً، بل مهدداً بضرورة تشكيل حكومة، وإصلاح البلاد.

 ربما كانت صحوة انفعال من بلد طالما اعتبره بعض اللبنانيين «الأم الحنون». لكن ما ظهر تبين أنه ربما مجرد وكالة عن الأمريكيين لتسيير الوضع في لبنان. واستغلها الفرنسي لاحتكار فرض الحل. أما اللبنانيون فلم يكونوا يأبهون بمن يفرض الحل، بل المهم العثور على حل وانتشال البلاد من القاع الذي سقطت فيه.

 وقبل أيام كان وزير الخارجية الفرنسية، جان ايف لودريان، يقصد لبنان في زيارة، وبصراحة لم يعرف أحد حتى الآن لماذا حصلت، وعلى ماذا انتهت.

جاء لودريان تسبقه تهديدات بأن فرنسا ستفرض عقوبات على من يعرقل تشكيل الحكومة، وبأن زيارته ستقتصر على رئيسي الجمهورية والبرلمان، باعتبار أن الآخرين معرقلين للحل.

لكن الوزير الفرنسي حاول أن يظهر بمظهر الفرنسي الأخير الذي يستحضر المندوب السامي الفرنسي خلال الانتداب الفرنسي على لبنان.

جاء لودريان محاطاً بوهم كبير أنه قادر على أن يحسم، بتهديداته، الأزمة السياسية والاقتصادية في لبنان. فصنّف على هواه من يعرقل، ومن لا يعرقل، فبدا كهاو في السياسة اللبنانية، وهذا غير مقبول من دولة كبيرة مثل فرنسا.

فهو لم يكتف بعدم الاجتماع بمعظم الشخصيات المؤثرة في السياسة اللبنانية، بل اجتمع، في فضيحة أخرى، مع شخصيات أقل ما يمكن وصفها بأنها من «عظام رقبة» النظام السياسي اللبناني، مثل حزب الكتائب اللبنانية، وأشباهه.

 أراد لودريان أن يظهر للبنانيين «الوجه العابس» انعكاساً لما يعتقده جدية يحملها، لكنها لم تكن سوى التيقن مسبقاً من أن مهمته مصيرها الاستهجان والفشل المثير للسخرية.

فإذا كانت فرنسا تريد العودة إلى المنطقة ومن البوابة اللبنانية فإن على باريس أن تعيد النظر في كل ما تقوم به، وأن تتعلم تقاليد الدبلوماسية الفرنسية التي تعرف «الإتيكيت»، وحققت سابقاً نجاحات واضحة.

لكن العودة إلى لبنان بعقلية المندوب السامي فليست أشبه سوى بشخصية «الباشا» (رشيد عساف) في جزئه الثالث، الذي لا يزال يتصرف في المدينة كما لو انه الباشا، رغم أنه فقد اللقب والنفوذ منذ وقت طويل.

* محمد نور الدين كاتب وباحث في الشؤون التركية

المصدر | الخليج