الأحد 16 مايو 2021 06:46 م

متى يحصي الاحتلال خسائره؟

التصعيد يدعم تناميا مخيفا في عجز الموازنة الإسرائيلية والذي تجاوز 50 مليار دولار في عام 2020.

دولة الاحتلال باتت غير مستقرة وليست  قليلة المخاطر أو محمية من صواريخ المقاومة بفضل القبة الحديدية.

أنهت ضربات المقاومة صورة إسرائيل الذهنية كدولة قليلة المخاطر يمكن ممارسة الأعمال فيها وضخ مليارات الدولارات بها.

اقتصاد الاحتلال خسر مليارات الدولارات خلال أيام، والخسائر تفوق نحو نصف خسائر عملية الجرف الصامد العدوانية تجاه غزة التي امتدت 51 يوما عام 2014.

*     *     *

بالأرقام، فإن الاقتصاد الإسرائيلي هو الخاسر الأكبر من الحرب الهمجية التي تشنها دولة الاحتلال على الشعب الفلسطيني، خاصة على قطاع غزة، أما الاقتصاد الفلسطيني فهو الأقل خسارة.

ذلك لأن اقتصاد الاحتلال هو الأكثر انفتاحا على العالم، خاصة في قطاعات مدرة للنقد الأجنبي مثل الصادرات والسياحة والاستثمارات المباشرة والتكنولوجيا الفائقة وإنتاج الأدوية والتحويلات والمساعدات، وبالتالي فإن خسائره هي الأكبر نتيجة هذا الارتباط الشديد مع الخارج، واعتماد الموازنة العامة على جزء مهم من الإيرادات الخارجية.

في حين يتسم الاقتصاد الفلسطيني بأنه منغلق إلى حد كبير بسبب الحصار والتضييق الذي يفرضه عليه الاحتلال، ولذا فإن تأثيرات الحرب تظل أقل عليه إذا ما تمت مقارنتها بخسائر إسرائيل، خاصة اقتصاد قطاع غزة الذي يفرض عليه الاحتلال حصارا شديدا منذ سنوات.

ومنذ اندلاع الحرب الحالية على غزة، تلقت دولة الاحتلال ضربات اقتصادية موجعة، زادت كلفتها مع انطلاق الهجمات الصاروخية للمقاومة الفلسطينية على تل أبيب وغيرها، وعلى مفاصل الاقتصاد الإسرائيلي من مطارات ومصانع ومواقع إنتاج غاز ومنشآت عامة وغيرها.

وكان من أخطر تلك الضربات اهتزاز ثقة المستثمرين الدوليين في مناخ الاستثمار داخل إسرائيل، وسقوط أسطورة أن دولة الاحتلال هي الموقع الأفضل لفوائض الأموال من حيث توفير فرص الاستثمار الآمنة والمربحة، وتوافر القوانين المشجعة على الاستثمار، وتدني كلفة الإنتاج ورخص الأيدي العاملة وتوافر مقومات الصناعة وغيرها.

كما أنهت ضربات المقاومة صورة إسرائيل الذهنية كدولة قليلة المخاطر يمكن ممارسة الأعمال فيها وضخ استثمارات بمليارات الدولارات بها.

تتعمق تلك الضربة القوية لدى المستثمرين الأجانب حيال مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي في حال فشل جيش الاحتلال في تحقيق نصر قوي وسريع على المقاومة الفلسطينية، واستمرار رشقات صواريخ المقاومة على الأراضي المحتلة داخل فلسطين 1948، وفشل القبة الحديدية في التصدي لها، وفشل جيش الاحتلال في تبرير الحرب على غزة لهؤلاء المستثمرين.

كما تتعمق الضربة مع زيادة مستوى الضبابية السياسية داخل دولة الاحتلال، وفشل الأحزاب المستمر في تشكيل حكومة قادرة على الصمود لسنوات، واحتمال الذهاب إلى انتخابات برلمانية جديدة.

وكذا مع كشف وسائل الإعلام العالمية عن بشاعة الممارسات التي يرتكبها جيش الاحتلال بحق المدنيين الفلسطينيين والتي ترقى إلى جرائم حرب، ذلك لأن تلك الممارسات تكشف زيف ومزاعم الاحتلال المتعلقة باحترامه حقوق الإنسان ومراعاة قوانين الحرب، وبالتالي تتشوه صورة دولة الاحتلال الذهنية أكثر فأكثر.

وعلى الرغم من قيام مؤسسات إسرائيلية بحصر الخسائر التي تكبدها الاقتصاد منذ اندلاع الحرب الحالية، وتأكيد هيئات رسمية أن اقتصاد الاحتلال خسر مليارات الدولارات خلال أيام، وأن تلك الخسائر تفوق نحو نصف خسائر عملية "الجرف الصامد" العدوانية تجاه القطاع التي امتدت 51 يوما عام 2014، وفقا لصحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، إلا أن عملية الحصر تلك لا تزال مبكرة.

فالأضرار الاقتصادية التي تكبدها الاحتلال لن تكون قاصرة فقط على الخسائر المباشرة الناتجة عن توقف حركة الطيران والسفر وضرب المطارات ووقف الرحلات الجوية، وتهديد حلم حكومة الاحتلال بعودة السياحة خلال الصيف المقبل وهدم الممتلكات العامة، إضافة إلى خسائر أخرى طاولت قطاعات الاستثمارات المباشرة وسوق المال والبورصة والعملة المحلية وصادرات تكنولوجيا المعلومات.

لكن التداعيات الأخطر ستكون على المدى البعيد والمتوسط، خاصة فيما يتعلق باحتمال خفض التصنيف الائتماني لدولة الاحتلال، إذ أن الضغوط قد تتزايد على التصنيف إذا طال أمد المخاطر الأمنية والسياسية المرتبطة بالحرب الدائرة حالياً، بما يؤثر سلبا على الاقتصاد والوضع المالي للبلاد وميزان المدفوعات، كما ذكرت وكالة "ستاندرد أند بورز"، في تقرير لها مساء يوم الجمعة.

كما أن استمرار سقوط صواريخ المقاومة على مناطق حساسة داخل تل أبيب وغيرها يضر بالصورة الذهنية التي حاولت دولة الاحتلال رسمها طوال السنوات الطويلة الماضية وتصديرها للعالم الخارجي، وهي أنها دولة مستقرة قليلة المخاطر محمية من صواريخ المقاومة بفضل القبة الحديدية، وتتلقى مساعدات مالية ضخمة من دول العالم، وينظر لها المستثمرون على أنها فرصة استثمار واعدة، ولديها فرص جذابة في قطاعات مثل السياحة وتكنولوجيا المعلومات والأدوية والزراعة والخدمات وإنتاج الطاقة خاصة الغاز، وقدرة على تنفيذ مشروعات استراتيجية تهدد مشروعات كبرى في دول الجوار مثل قناة السويس وخط سوميد لنقل النفط الخليجي إلى دول العالم.

وعلى المدى المتوسط، فإن التصعيد يدعم تناميا مخيفا في عجز الموازنة الإسرائيلية والذي تجاوز 50 مليار دولار في عام 2020.

ومن المتوقع أن يزيد عجز العام الجاري عن ذلك الرقم، في ظل هروب الاستثمارات الأجنبية، وتهاوي إيرادات قطاع السياحة، وتراجع الصادرات، وتهديد استثمارات قطاعات حيوية منها المنصات الرئيسية لإنتاج الغاز الطبيعي وأنابيب لنقل الوقود، وتوقف العمل في منطقة استخراج الغاز الطبيعي من البحر المتوسط.

* مصطفى عبد السلام كاتب صحفي اقتصادي

المصدر | العربي الجديد