الخميس 20 مايو 2021 07:23 ص

عن أي أيديولوجيا قومية عربية نتحدث؟

أما وسيلة الوصول إلى تلك الأهداف فكل الأيديولوجيات القومية اقترحت النضال الشعبي الثوري.

ما لم تتحرر الأيديولوجيات السياسية العربية من هيمنة الآخرين وتتفاعل ندّيا معهم فإننا سندور في حلقة أيديولوجيا هامشية عربية.

الأيديولوجيا تملك نقدا عقلياً وموضوعياً لحالة المجتمع وأهداف استراتيجية كبرى تريد تحقيقها وتحدد بوضوح وسائل المجتمع إلى تلك الأهداف.

الوحدة العربية، الاستقلال القومي والوطني، الديمقراطية، التنمية المستدامة، العدالة الاجتماعية، والتجديد الحضاري. وهي مكونات تهدف إلى سد النواقص السابقة.

*     *     *

من أجل أن لا نتيه في المماحكات الكثيرة حول الأيديولوجيا، دعنا نؤكد من البدء على أن الأيديولوجيا التي تعنينا في هذا المقام هي السياسية.

- وهي التي أولاً تملك نقدا عقلياً وموضوعياً للحالة التي يعيشها المجتمع،

- ثانياً لديها أهداف استراتيجية كبرى تريد تحقيقها،

- ثالثاً تحدد بصورة واضحة الوسائل التي ستوصل المجتمع إلى تلك الأهداف.

وفي هذه الحالة ستوجد عدة أيديولوجيات سياسية، متنافسة سلمياً، وتأخذ بممارسة الأخذ والعطاء الديمقراطي المتسامح، وتملك مرجعيات قيمية أخلاقية وإنسانية تضبط الساحة السياسية وتضبط نشاطاتها.

نحن إذن لا نتكلم عن أيديولوجيا استعلائية، أو عرقية، أو مدعية بامتلاكها تاريخاً متخيلاً مليئاً بالكذب، كما كان الحال مع النازية أو مع الصهيونية حالياً.

ولا عن أيديولوجيا تهتم بجانب سياسي محدود، أو آني كحركات الخضر مثلاً، ولا عن أحلام وتمنيات غير مربوطة بإحكام بالواقع المعيشي، وبحركات اجتماعية كبرى، أو أحزاب سياسية مناضلة موجودة في كل مكان.

وأخيراٌ يجب الإصرار على أن تهيئ الأيديولوجيات السياسية العربية نفسها لمواجهة ما طرحته ثقافة وشعارات وممارسة الحداثة الأوروبية عبر القرون الثلاثة الماضية.

وادعت أنه يصلح لكل أمة ولكل زمن، وأنه نهاية التاريخ، وما تطرحه الآن ثقافة وشعارات وممارسات ما بعد الحداثة، من رفض نقدي سلبي لبعض ما طرحته الحداثة سابقاً، ومن محاولة للادعاء أيضاً اعتبار ما تطرحه صالحاً لكل أمة ولكل زمان.

وما لم تتحرر الأيديولوجيات السياسية العربية من هيمنة الآخرين، ومن الانشغال العبثي بمشاكلهم وخلافاتهم، ولكن بالتفاعل الندّي معهم، فإننا سندور في حلقة أيديولوجيا هامشية عربية، تماماً كما فعل بعضنا في السابق.

ضمن تلك المحددات، وذلك الفهم لموضوع الأيديولوجيا، دعنا نرد على من يعتبرون أن تذكيرنا الدائم لشابات ولشباب الأمة العربية، بأهمية أن يكون نضالهم السياسي ضمن نظرة أيديولوجية قومية عروبية هو من قبيل الأوهام والأحلام.

فأي مراجعة للحركات القومية العربية عبر المئة سنة السابقة، تظهر أنها طرحت نفسها كأيديولوجيات سياسية موضوعية واقعية، تنطبق عليها كل متطلبات الأيديولوجيا التي تعكس حاجات الأمة العربية في العصر الحديث.

فهي أيديولوجيات درست واقع الأمة العربية التاريخي المتخلف، والمليء بإشكالات كبرى، درساً تحليلياً نقدياً جزئياً، كما تفعل كل الأيديولوجيات.

وعلى ضوء تلك الدراسات وصلت إلى قناعة بأن أكبر إشكاليات الواقع العربي هي في تجزئة الأمة، وفي وقوعها جميعها تحت أشكال من هيمنة واستباحة القوى الإستعمارية والصهيونية، وفي تخلفها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعلمي ـ التكنولوجي عن مقاييس العصر الحديث.

من هنا وضعت كل الأيديولوجيات القومية العربية أهدافها الكبرى، كرد على ذلك الواقع. فهدف الوحدة العربية هو رد على واقع ومصائب التجزئة، وهدف الحرية هو رد على تواجد الاستعمار في بلاد العرب، وعلى هيمنة الاستبداد الداخلي التاريخي، والاشتراكية (أو العدالة الإجتماعية) هو رد على ظاهرتي الإقطاع والرأسمالية الجشعة والفقر المدقع، والامتيازات الاجتماعية غير الشرعية.

أما وسيلة الوصول إلى تلك الأهداف فكل الأيديولوجيات القومية اقترحت النضال الشعبي الثوري.

تلك كانت الصورة، بصورة عامة، بدءاً من أربعينيات القرن الماضي وحتى نهايته. لكن فشل تحقق أي من الأهداف، وتراجع قوى كل الأحزاب القومية طرح ضرورة المراجعة وإعادة النظر. من هنا الجهد الكبير الذي بذله مركز دراسات الوحدة العربية عندما جيّش ثلاثمئة من مفكري الأمة لوضع مشروع أيديولوجي قومي عروبي بأفكار وأهداف جديدة تحت مسمى «المشروع النهضوي العربي» وبأهدافه الستة:

الوحدة العربية، الاستقلال القومي والوطني، الديمقراطية، التنمية المستدامة، العدالة الاجتماعية، والتجديد الحضاري. وهي مكونات تهدف إلى سد النواقص السابقة. وهذا ما سنحاول إبرازه في مقال مقبل.

* د. علي محمد فخرو سياسي ومفكر بحريني

المصدر | الشروق