السبت 29 مايو 2021 03:54 م

لذا يخاف الأوغاد!

فلسطين عادت فلسطين فخاطبتهم باعتبارها "بديهية".. وهذا ثمين بقدر ما هو هش.

في الأسبوعين الفائتين في فلسطين متغيرات على كل صعيد وهو ما أقرت به كل الأطراف ومعها المعلقون من كل نوع.

هناك من ينحاز لما يمكن تسميته هنا "النموذج الأمريكي" وقيمه ومفاهيمه ويريده أن ينتصر والسلام عسانا نقفل هذا الباب ونرتاح.

وهم في كل مرة يكتشفون مقدار تعقيد الواقع، ومقدار عناد الوقائع التي تخالف رغباتهم، يصابون بالهلع، ويحنقون على مقدار "تخلفنا"!

لماذا يشعر الأميركيون من السود والبيض أبناءُ حركة "حياة السود تهم" مثلاً، وهي الهائلة، بأن فلسطين تشبههم رغم كل الاختلافات والفوارق؟!

ستلجأ سلطات إسرائيل لكل وسائل استعادة السيطرة ومحو كل ما سجله الفلسطينيون وكسر شوكتهم ولو تطلب ذلك قمعاً بشعا ومتواصلا بل ومجازر!

*     *     *

في هذا الذي جرى في الأسبوعين الفائتين في فلسطين، قدرٌ من المتغيرات على كل الصعد، وهو ما أقرت به كل الأطراف، ومعها المعلقين من كل نوع.

هي ظواهر جرى تلخيصها بفكرة استعادة لحمة أجزاء فلسطين التي عملت إسرائيل على "تمييزها" أو على تمزيقها عن بعضها البعض، وحتى في داخل كل واحد منها.

وجاراها كل حلفائها وحُماتها – وما أكثرهم. بل وبعض من المتحفظين على دخول غزة على خط الاشتباك، من فئة حسني النية، الحريصين على تحقيق منجزات للنضال الوطني الفلسطيني!

لكنهم عادوا فأدركوا أن غزة لم يكن من الممكن أن تبقى نائيةً بنفسها عن التحام القدس والضفة والداخل معاً، بدءاً من معركة ساحة باب العامود، مروراً بأمان المسجد الأقصى، وبصمود أهالي الشيخ جرّاح بوجه اقتلاعهم من بيوتهم، انتهاءً بانفجار المظاهرات في كل مكان من تلك "الأجزاء". فهل كانت غزة ستبقى خارج فلسطين؟

يضاف إلى ذلك، أن غزة أظهرت في تقديمها لمساهمتها، وإقدامها عليها، استعداداً للتضحية بالنفس، وهي الخبيرة باستشراس إسرائيل عليها مرات ومرات...

وهذا ذكّر اللبنانيين، وبالأخص منهم أبناء الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، بما جرى خلال عدوان إسرائيل على لبنان في 2006، حيث امتزج في نفوسهم ذلك الخوف البشري من هول القصف والقتل المريعين، مع الشعور، البشري هو الآخر، بالاعتزاز بأنفسهم، وبنوع من الرضا.

ولا نناقش هنا كيف وظّف حزب الله فيما بعد هذه المعركة في موقعه من السياسة اللبنانية والإقليمية؟ وكيف ساهمت (هي، ومعها بالطبع مستجداتٌ أخرى في المنطقة) في التأثير على خياراته، وحتى على خطابه؟

فهذا جانب آخر من المسألة، بالغُ الأهمية بالطبع. ولكن هذا الوجه للأمر لا يلغي ذاك الأول، وكلاهما، على تناقضهما، منغرسان في الواقع وفي تطوراته.

ما يمكن تسميته "موضوع غزة" ما زال مفتوحاً أمام كل الاحتمالات، ومنها ما يبدو أنه عودة أطراف "مقبولة" للعب دورها في استيعاب القطاع ومشكلاته و"حلحلتها".

وأبرز هؤلاء مصر السيسي الذي أعلن بصخب، خلال المعركة، عن تخصيص مشافي مدينة العريش المصرية ووضعها بتصرف جرحى غزة، وأوصل قوافل المؤن والإسعافات، ونشط على مستوى الوفود المرسلة والوساطات.

وهو ما لا يمكن لعاقل إنكارُ أهميته... وإن كان وراءه ما قد يعني التذكير بالقدرة على لعب دور احتوائي بات ضرورياً، باعتبار أن غض الطرف عنه كان يستند إلى الاستنفار المجنون لدونالد ترامب وفريقه لصالح إسرائيل، والمراهنة ربما على فعالية السحق الإسرائيلي.. الذي فشل!

ما زالت مواقف الأطراف الإقليمية والدولية مرتبكةً حيال هذا الذي جرى في فلسطين، ولم يكن متوقعاً. من دول الخليج على تنوعها، إلى الأمريكان والأوروبيين والروس والأتراك، إلى سوريا والأردن، إلى السلطة الفلسطينية البائسة بالطبع..

لعلهم جميعاً وكلٌّ من موقعه، يحاول "التطنيش"، أو التجاهل، فعسى الأيام تمحو ما هو غير مستحب منهم، وعسى قوانين "المألوف" تستعيد سطوتها، بمساعدة كل أنواع الضغوط والمخططات التي يمكن تخيلها.

لكن أصعب الإشكالات سيكون في التعامل مع الاعتقاد العام السائد، وربما أيضاً مع الذات وحدود قدراتها.

أما الاعتقاد العام السائد، فيستند إلى افتراض عميق بأننا بالضرورة ودائماً مهزومون. هناك من يتألم لهذه الهزيمة، ويتمنى دائماً أن يكون الخروج منها ممكناً، ويتمسك في كل مرة بهذا الأمل، وغالباً ما يواجه الإحباط.

وهذه فئة ليست بالقليلة بل لعلها الأوسع، مع تدرج في حالتها تلك. وهي بعدما خافت مع بداية معركة فلسطين، انتشت حين ظهرت علامات الصمود والإصرار والتلاحم، وراحت تعبّر عن تضامنها وفرحها.

لكن هؤلاء يعتريهم شعور بضرورة تحقيق المنجز التام، ربما من فرط ما تعاقب الأمل واليأس في نفوسهم، ولأسباب أخرى متشعبة. لكن فلسطين عادت فلسطين فخاطبتهم باعتبارها "بديهية". وهذا ثمين بقدر ما هو هش.

وهناك "العقلاء" الذين "يؤمنون" بالهزيمة أو يستبقونها دوماً، وبينهم من يقيس على قَدر ثوبه!

من لديه مشكلة مع الإسلام السياسي مثلاً، ويريدها معركةً مختلفة وعلى ذوقه، ومن لديه مشكلة مع حزب الله في لبنان، أو مع بشار الأسد في سوريا، أو مع الفصائل الخادمة لإيران التي تستبيح العراق الخ الخ..

فيعيد كلَّ شيء يجري في هذه البقعة من العالم إلى شيطانه ذاك، في عملية قياس ومقارنة مسطّحة. مع أنهم يرون أمام أعينهم أن فلسطين قضية تخص الإنسانية عامة.

وإلا فلماذا يشعر الأميركيون من السود خصوصاً، والبيض، أبناءُ حركة "حياة السود تهم" مثلاً، وهي الهائلة، بأن فلسطين تشبههم رغم كل الاختلافات والفوارق؟ لماذا هم يتلقون هذا البعد، ويلمسونه، وبعض أبناء منطقتنا يعجزون عن رؤية فلسطين خارج معايير "حارتهم".

وهناك من بيت هؤلاء من هو منحازٌ لما يمكن تسميته هنا اختصاراً "النموذج الأمريكي" وقيمه ومفاهيمه، ويريده أن ينتصر والسلام، عسانا نقفل هذا الباب ونرتاح.

وهم، في كل مرة يكتشفون مقدار تعقيد الواقع، ومقدار عناد الوقائع التي تخالف رغباتهم، يصابون بالهلع، ويحنقون على مقدار "تخلفنا"!

ولكن فوق كل تلك الفئات، هناك إسرائيل. وقد أرسل لي صديق مناضل يوناني من الذين نظّموا سنةً بعد أخرى حملات السفن العالمية إلى غزة، يشير إلى أن اليونان أصبحت مستعمرةً إسرائيلية لفرط ما يشتري الإسرائيليون شققاً في مدنها وجزرها.

وأن هناك هذه الأيام طفرةً ملحوظة بوضوح في ذلك! وهم بهذا يوفرون بدائل يمكن اللجوء إليها في حال فشل مشروع استيطانهم الاستعماري لفلسطين. سواء أكانوا مدركين أنه كذلك، وتلك هي صفته وتوصيفه، أو كانوا مؤمنين بالأساطير الصهيونية المؤسِّسة لهذه المغامرة.

وستلجأ سلطات إسرائيل كائناً من كان على رأسها إلى اتباع كل الوسائل لاستعادة السيطرة على الموقف، ولمحو كل ما سجله الفلسطينيون، ولكسر شوكتهم.

ولو تطلب ذلك قمعاً بشعاً ومتواصلاً بل ومجازر، ولو تطلب في الوقت نفسه تغلغلاً غير مسبوق في الواقع الفلسطيني، يستثمر في بؤسه وخوف أبنائه وتعبهم وكذلك الطموحات التسلقية لبعضهم، وأفكار الواقعية أو الوصولية الخ..

ويبقى موضوع "التدبر" للنقاش العام. ولعله قد آن أوانه لمن يهمه الأمر ويشعر أنه معنيٌّ به، ولا يملك إجابات جاهزة وبديهية، ولا صيغاً ووصفات شافية. وهو ربما الأهم من بين كل هذا. فهل نستطيع؟ والنون التي تشير الى الجماعة هنا مقصودة بذاتها ولذاتها.

وهو - هذا النقاش - ما سيحدد الممكنات، وحتى الإجابات على النقاط السالفة... بعيداً عن الخطابية المتحدية و/أو الانفعالية التي قد يلجأ إليها البعض ممن يشغلهم الأمر، والتي تبقى التفافاً سهلاً على "الحفر" المطلوب.

* نهلة الشهال كاتبة وناشطة لبنانية رئيسة تحرير "السفير العربي".

المصدر | السفير العربي