حملة مشبوهة على الأيديولوجية القومية

محاولة مشبوهة لإيقاف مسيرة الأمة لاستعادة كيانها وحيويتها والنضال لأجل آمالها وأحلامها الواقعية المشروعة.

من المؤكد أن مبادئ القيم والأخلاق والسمو الروحي الإسلامية ستكون معينا لهذه الأيديولوجية القومية العربية.

هناك اختلافات حول تفاصيل كثيرة تتعلق بالتنمية والديمقراطية والتجديد الحضاري مختلف حولها حتى في مواطنها الأصلية.

لا مبرر لاستبدال الأيديولوجية القومية العروبية الوحدوية بأيديولوجيات أخرى لا ترتبط بعمق وجودي مع حاجات الواقع العربي!

طرحت الأحزاب القومية أيديولوجية قومية عربية تكونت من ثلاثة شعارات كبرى: الوحدة العربية والحرية والاشتراكية (أو العدالة الاجتماعية).

انتهت المراجعة إلى إضافة ثلاثة مرتكزات إلى الأيديولوجية القومية العربية: الديمقراطية والتنمية الشاملة المستدامة والتجديد الحضاري.

هل مقومات العروبة من تاريخ مشترك ولغة وحضارة وأهداف نبيلة قابل لوصفه بأنه أوهام وأحلام يقظة، وأن الأيديولوجية المنبثقة منه غير قابلة للتحقق؟

حملة هجوم على ذاكرة الأمة وفكرها الوحدوي وتطلعاتها المستقبلية تحت مسمى الابتعاد عن الأيديولوجيات حتى لو كانت إنسانية سلمية منفتحة.

*     *     *

عودة لموضوع الأيديولوجية القومية العربية، فقد بينا في مقال سابق توفر التاريخ العربي ـ الإسلامي المشترك المتفاعل المتشابك، أثناء فترات العديد من أشكال وأسماء أنظمة الحكم في بلاد العرب، عبر ما لا يقل عن ثمانية قرون متواصلة، ومعه انتشار وترسخ اللغة الواحدة العربية، وفي قلبه بناء وتجذر أشكال كثيرة من مكونات الثقافة العربية الواحدة، وبالتالي الهوية العروبية الواحدة.

ثم بينا انقطاع أو تعثر ذلك أثناء الحكم العثماني لقسم كبير من أرض العرب، حتى إذا وصل ذلك الحكم إلى نهايته منذ قرن من الزمن.

وتأثرا بقيام الأيديولوجيات والهويات القومية والدول في أوروبا على الأخص، وكرد على نتائج معاهدة سايكس ـ بيكو التجزيئية الاستعمارية، طرح حزبا البعث العربي الاشتراكي والاتحاد الاشتراكي العربي (الناصري) وحركة القوميين العرب أيديولوجية قومية عربية، تكونت من ثلاثة شعارات كبرى: الوحدة العربية والحرية والاشتراكية (أو العدالة الاجتماعية).

لكن تلك الأيديولوجية، بأشكالها وظلالها المختلفة، تعثرت لأسباب كثيرة، بما فيها وجود بعض النواقص في فكرها وأهدافها. من هنا جاءت المراجعة التي انتهت إلى إضافة ثلاثة مرتكزات أخرى إلى تلك الأيديولوجية هي: الديمقراطية والتنمية الشاملة المستدامة والتجديد الحضاري.

هل إن تلك الخلفية الموغلة في تاريخ مسيرة عربية مشتركة كبرى، وتلك الأهداف النبيلة القادرة، على أن تحقق ولو جزءاً منها، على إنقاذ هذه الأمة من تخلفها التاريخي، وهوية العروبة التي بنيت عبر قرون، وكانت أساس لغة واحدة وثقافة وعادات وعقائد وسلوكيات متشابهة إلى أقصى حدود التماثل، وارتباط المصالح عبر تلك المسيرة؟

هل كل ذلك قابل لوصفه من قبل البعض بأنه أوهام وأحلام يقظة، وأن الأيديولوجية المنبثقة منه غير قابلة للتحقق؟

قد نختلف حول أسلوب تحقيق تلك الأهداف، فالبعض يريده في شكل ثورات جذرية، والبعض الآخر يريده كخطوات تدريجية، وعن طريق نضال ديمقراطي سلمي.

قد نختلف حول أولويات شعارات تلك الأيديولوجية، فالبعض يعطي الأولوية للانتقال إلى الديمقراطية في كل قطر عربي قبل أي خطوة أخرى، والبعض يرى أن كثرة وشدة بأس الأعداء، يتطلب إعطاء الأولوية لنوع من توحد جهود وإمكانيات كل الأقطار العربية، في شكل شبكة وحدوية متماسكة للتعامل مع الأعداء بندية وبقدرات ذاتية.

وهناك حتما خلافات حول تفاصيل كثيرة تتعلق بالتنمية والديمقراطية والتجديد الحضاري. وهي مواضيع حديثة ومختلف حولها حتى في مواطنها الأصلية.

من المؤكد أن مبادئ القيم والأخلاق والسمو الروحي الإسلامية ستكون معينا لهذه الأيديولوجية، في عدم السماح للجوانب البراغماتية أن تنقلب إلى انتهازية، وللجوانب المادية أن تتحكم في وتعلو على توازنها مع الروحي، ولمنطلقات الحق والعدالة والميزان أن لا تبتذل، وتقبل بوجود أي امتيازات سياسية واقتصادية أو اجتماعية غير مستحقة لهذه الجماعة أو تلك، وهذا أيضا سيكون محل جدال.

لكن كل ذلك لا يبرر استبدال الأيديولوجية القومية العروبية الوحدوية، بأيديولوجيات أخرى لا ترتبط بعمق وجودي مع حاجات الواقع العربي.

فمثلا من المؤكد أن استعارة وتبيئة أجزاء من الأيديولوجية الليبرالية الغربية الكلاسيكية والأيديولوجية الاشتراكية الماركسية، سيكون ضروريا لإغناء أيديولوجيتنا ولتحديثها وعصرنتها. لكن ذلك شيء والمساس بالجوانب الوجودية المفصلية في الأيديولوجية القومية، كوحدة الأمة العربية والوطن العربي الكبير، شيء آخر.

ما يهم بالدرجة الأولى هو أن يدرك شباب وشابات هذه الأمة، من الملتزمين بالنضال الجماهيري والمنخرطين فيه، أن الحملة الثقافية الاستعمارية والصهيونية ومن بعض الدوائر الرجعية، من خلال أبواقهم الإعلامية وكتبتهم وبعض مثقفي الردة وتبديل الجلود حسب الحاجة، هي محاولة مشبوهة لإيقاف مسيرة هذه الأمة لاستعادة كيانها وحيويتها والنضال من أجل آمالها وأحلامها الواقعية المشروعة.

إنها حملة هجوم على ذاكرة الأمة، وفكرها الوحدوي، وتطلعاتها المستقبلية تحت مسمى الابتعاد عن الأيديولوجيات، حتى لو كانت إنسانية سلمية منفتحة.

* د. علي محمد فخرو سياسي ومفكر بحريني

المصدر | الشروق