الخميس 10 يونيو 2021 04:10 م

التضخم العالي.. لما يخشاه العالم؟

التضخم خطر على المواطن والاقتصاد والدول والبنوك المركزية فزيادته تؤدي لقفزات بأسعار السلع وزيادة تكلفة الإنتاج وتفاقم الدين العام.

التضخم العالي يؤدّي لانفجار فقاعة سوق العقارات والقروض الاستهلاكية وقروض السيارات كما حدث أميركيًا في 2008 وأدى للأزمة المالية العالمية.

قد تسمح البنوك المركزية بدول المنطقة  بخفض عملتها الوطنية وزيادة أسعار الفائدة بمعدلات كبيرة لحماية العملة من خطر "الدولرة" وتخلي المودعين عنها.

*     *     *

العالم مقبل على موجة تضخم عالية، تضخم في كل شيء، زيادات في أسعار السلع والمحاصيل والأصول والمعادن والنفط ومنتجات الطاقة والديون الحكومية والفائدة وصرف العملات.

وهذه الموجة تخيف الأسواق والتجار وترعب المستهلكين وتثير قلق المستثمرين وأسواق المال على حد سواء، إذ إن مخاطرها تطاول الجميع في شكل خسائر عالية وتكاليف إضافية.

وما يخشاه العالم، أن تكون موجة التضخم المقبلة سريعة وقوية ومستدامة، وبالتالي توجه الحكومات والبنوك المركزية صعوبات لكبحها والتعامل معها بالطرق التقليدية ومنها زيادة سعر الفائدة وسحب السيولة من الأسواق وتعطيشها.

كل التوقعات تشير إلى أن الموجة المقبلة للتضخم ستصيب معظم دول العالم خلال الفترة المقبلة، وربما خلال هذا الصيف، وأن انتعاش الاقتصادات الكبرى، وفي مقدمتها الاقتصاد الأميركي، ورغبة الدول في العودة بالإنتاج والأنشطة الاقتصادية المتنوعة وحركة السفر والطيران والتجارة إلى حالة ما قبل كورونا تدعم قفزة التضخم تلك.

تدعمها أيضاً رغبة محمومة من قبل الصين في قيادة الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة، وبالتالي إقبالها الشديد على تخزين السلع والمواد الخام والسلع الوسيطة والنفط والمحاصيل وغيرها قبل زيادة سعرها، ورغبة لا تقل من قبل مئات الملايين حول العالم في السفر والتسوق والشراء وزيادة الإنفاق.

يصاحب ذلك أيضاً الإقبال الكبير على شراء السلع والمواد الخام والأصول، سواء من قبل الدول، كما يحدث حالياً في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، أو الأفراد الذين يخشون على مدخراتهم من التآكل بسبب التضخم القادم.

موجة التضخم المرتقبة تلك خطر على المواطن والاقتصادات والدول والبنوك المركزية معاً، فزيادة التضخم تؤدي إلى حدوث قفزات في أسعار السلع، وزيادة في تكلفة الإنتاج، وتفاقم في الدين العام للدول.

والتضخم يعني تآكلاً في المدخرات والدخول، وضعفاً في القدرة الشرائية للمواطن، فما يملكه المواطن لشراء كرتونة من البيض قد لا يكفي لشراء نصف هذه الكرتونة في حال زيادة الأسعار.

والراتب الذي لا يكاد راتبه يكفي لتغطية الاحتياجات الشهرية قد لا يكفي هذا الدخل الثابت لتغطية 3 أسابيع من الشهر وربما أسبوعين فقط، ويتكرر الحال مع رغيف الخبز الذي قد تلجأ الحكومات إما لتحريره ووقف الدعم عنه، أو زيادة سعره، أو إنقاص وزنه في حال التضخم العالي، وهو ما قد يثير اضطرابات في بعض الدول الديموقراطية، أما الدول السلطوية فستواجه ذلك بتشديد القبضة الحديدية واعتقال المعارض لأي قرار حكومي برفع الأسعار.

وربما يؤدي التضخم في النهاية إلى حدوث ركود شديد في الأسواق قد يصل إلى حالة الكساد، وهو ما يعني إغلاق مزيد من المصانع وتسريح العمال وتراجع إيرادات الدولة من الضرائب والتأمينات وغيرها.

كذلك يؤدّي التضخم العالي إلى انفجار فقاعة سوق العقارات والقروض الاستهلاكية وقروض السيارات كما حدث في الولايات المتحدة عام 2008 وأدى إلى حدوث الأزمة المالية العالمية، وكذا إلى تعميق الفجوة في الدخول داخل الدول، وزيادة الأغنياء غنى والفقراء فقراً، وزيادة فجوة النمو غير المتوازن بين الاقتصادات الغنية والفقيرة.

إزاء هذا الوضع المعقد تقف بعض الحكومات محتارة وربما عاجزة أمام التعامل مع خطر التضخم، فليس من السهل عليها أن ترفع أسعار السلع والخدمات من بنزين وسولار وكهرباء ومياه وغاز طهي وغيرها لمعالجة الخلل في مركز الدولة المالي، وذلك في ظل المعاناة المعيشية التي عانى منها المواطن طوال أكثر من عام والنصف عام منذ تفشي وباء كورونا.

وإذا كانت الدول الفقيرة أكثر تضرراً من مخاطر التضخم، فلن تكون الدول الغنية أيضاً في مأمن من هذه المخاطر، ولذا ستتردد هذه الدول كثيراً في زيادة الأسعار، كما حدث مؤخراً مع حكومة بريطانيا التي تراجعت عن زيادة ضريبة البنزين حتى لا تثير غضب السائقين المنهكين من إجراءات الإغلاق والقيود.

مع زيادة التضخم باتت البنوك المركزية مجبرة على التخلي عن تشديد سياساتها النقدية كما حدث خلال معالجة أزمة وباء كورونا، والتخلي عن سياسة سعر الفائدة الصفرية كما حدث مع الدولار.

وقد تسمح بعض البنوك المركزية في دول المنطقة  بخفض عملتها الوطنية وزيادة أسعار الفائدة بمعدلات كبيرة لحماية العملة من خطر "الدولرة" وتخلي المودعين عنها، وهو ما يعني في النهاية زيادة كلفة الاقتراض والدين العام الحكومي الذي تكافح الحكومات للجمه بعد أن شهد انفلاتاً كبيراً في ظل تفشي كورونا وتراجع إيرادات الدولة، سواء بالسيولة المحلية أو النقد الأجنبي.

ولعلنا نذكر أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي " البنك المركزي الأميركي" بول فولكر اضطر إلى رفع سعر الفائدة في الولايات المتحدة حتى 20%، في محاولة لوقف ارتفاع معدلات التضخم في نهاية سبعينيات القرن الماضي عقب الارتفاع الكبير والسريع في الأسعار، ومعدل التضخم. كما رفعت بعض الدول سعر الفائدة إلى 50% كما حدث في الأرجنتين للحيلولة دون انهيار عملتها.

الاحتفاظ بالعملات الأجنبية وشراء الأصول من أراضٍ وعقارات وذهب وأدوات كهربائية وسيارات وأسهم في الشركات وأدوات دين حكومية "سندات وأذون خزانة"، قد تكون الحل الأمثل لمواجهة موجة التضخم بالنسبة للمدخر الصغير.

* مصطفى عبد السلام كاتب صحفي اقتصادي

المصدر | العربي الجديد