كان الكثيرون في واشنطن والمنطقة يأملون في أن تهدأ سخونة التطورات في الأراضي الفلسطينية بعد وقف إطلاق النار بين "حماس" وإسرائيل بوساطة مصرية في 20 مايو/أيار، لكن بعد مرور شهر يبدو أن هذا لن يتحقق.

يمكننا أن نبدأ بالضفة الغربية، التي وصل فيها السخط الشعبي ضد الرئيس "محمود عباس" والسلطة الفلسطينية إلى نقطة تحول في أعقاب وفاة "نزار بنات" في حجز الشرطة بعد ضرب وحشي أثناء اعتقاله من منزله في الخليل، في حين لم يرتكب "بنات" أي جريمة سوى انتقاداته المتكررة للسلطة الفلسطينية.

الغضب ضد "عباس"

فرقت قوات الأمن الفلسطينية التظاهرات التي رددت "الشعب يريد إسقاط النظام" أثناء اقترابها من مجمع "عباس" في رام الله في 24 يونيو/حزيران، بينما استمرت الاحتجاجات والمواجهات طوال اليوم.

ودعا "تور وينيسلاند"، منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، إلى تحقيق مستقل في وفاة "بنات"، في ظل عدم الثقة في تحقيقات السلطة الفلسطينية.

وكان "عباس" قد أثار غضب الفلسطينيين عندما قرر إلغاء الانتخابات في 29 أبريل/نيسان بعد أن ظهر تراجع شعبية قائمته في الضفة الغربية.

وواجه "عباس" و"فتح" احتمال الخسارة أمام قياديي "فتح" السابقين الذين اختلفوا مع "عباس" وقاموا بتأسيس أحزاب جديدة، وكذلك أمام "حماس" التي تحكم غزة والتي كان لديها حتى ذلك الوقت دعم محدود في الضفة الغربية.

وبرر "عباس" إلغاء الانتخابات برفض إسرائيل السماح للفلسطينيين الذين يعيشون في القدس بالتصويت، لكن معظم الفلسطينيين لم يبتلعوا هذه الحجة وكان بإمكانهم رؤية الأسباب الحقيقية التي دفعته لهذه الخطوة، رغم حنقهم إزاء الإجراءات الإسرائيلية في القدس.

شعبية "حماس" بعد الحرب

اندلعت بعد ذلك حرب غزة التي شهدت إطلاق "حماس" و"الجهاد الإسلامي" أكثر من 4300 صاروخ من غزة تجاه إسرائيل، مما أسفر عن مقتل 12 إسرائيليا، فيما تسبب القصف الإسرائيلي في مقتل 243 فلسطينيا، من بينهم 66 طفلا.

بالإضافة إلى ذلك، تسببت الضربات الإسرائيلية في أضرار جسيمة في البنية التحتية في مجال الصحة والتعليم والأشغال العامة. لكن الأزمة عززت موقف "حماس"، وأظهرت استطلاعات الرأي الحديثة تراجعا في دعم "عباس" و"فتح"، في مقابل ارتفاع تأييد "حماس".

ويتزايد السخط إزاء فساد السلطة الفلسطينية وإلغاء الانتخابات وسوء الحوكمة وتدهور الاقتصاد وطريقة تعامل "عباس" مع إسرائيل خلال الحرب الأخيرة،حيث اكتفى بدور المتفرج رغم المكالمة التي تلقاها من الرئيس الأمريكي "جو بايدن".

وألقت إدارة "بايدن" ما يشبه طوق إنقاذ لـ"عباس" حيث قالت الإدارة الأمريكية إنها ستنسق المساعدات إلى غزة مع السلطة الفلسطينية، في ظل عدم استعدادها للعمل مع "حماس".

ولكن السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية فاقمت الإحباط الفلسطيني إزاء السلطة الفلسطينية، واعتمد الفلسطينيون تكتيكات "الإرباك الليلي"، المستوحاة من "حماس"، لمضايقة المستوطنين في الضفة الغربية، كما أعادت الاحتجاجات في الشيخ جراح تسليط الضوء على سياسة الاستيطان الإسرائيلية.

معضلة تبادل الأسرى

قبل الأضرار الناجمة عن التصعيد الأخير في غزة، عانى سكان القطاع من تكاليف الحروب السابقة، بالإضافة إلى آثار الإغلاقات الطويلة والقيود المفروضة على الأنشطة الاقتصادية وتأثيرات جائحة "كورونا"، كما عانى 48% من سكان غزة من البطالة، ويعيش نصف السكان في فقر، حتى قبل اندلاع الصراع الأخير.

وأشار وفد رفيع المستوى من البنك الدولي إلى غزة إلى تأثير الصدمة النفسية على الأطفال بعد حملة القصف التي استمرت لمدة 10 أيام، بالإضافة إلى فقدان الأرواح والخسائر الكبيرة في اقتصاد غزة وبنيتها التحتية.

وتتعقد المساعدات إلى غزة بفعل الإصرار الإسرائيلي على مبادلة أسرى مع "حماس" قبل رفع المزيد من القيود.

وتطالب "حماس" بتسهيل وصول المساعدات النقدية للقطاع بما في ذلك المساعدات القطرية، في حين تقول إسرائيل إنها لن تسمح بإعادة الإعمار على نطاق واسع حتى تعيد حماس اثنين من المدنيين الإسرائيليين اللذين تحتجزهما مع رفات جنديين من الجيش الإسرائيلي.

وقال قيادي بارز في "حماس" لموقع "المونيتور" إن رئيس الحركة "إسماعيل هنية" وعد "فدوى البرغوثي"، زوجة القيادي الكبير في فتح "مروان البرغوثي"، أن اسم زوجها سيكون في مقدمة قائمة الأسرى المطلوب الإفراج عنهم في أي صفقة مبادلة بين حماس وإسرائيل.

وتختبر حماس أيضا الحكومة الإسرائيلية الجديدة من خلال إرسال البالونات الحارقة إلى إسرائيل، حيث أشعلت العشرات من الحرائق وأحرقت مئات الفدادين من الأراضي الزراعية والغابات في المجتمعات الإسرائيلية على الحدود المشتركة.

ونتيجة لذلك، قصفت الطائرات الإسرائيلية أهدافًا لـ"حماس" في غزة ليلة 17 يونيو/حزيران، وتستعد لاحتمال استئناف الأعمال العدائية.

مخاوف إدارة "بايدن"

في 24 يونيو/حزيران، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية "نيد برايس" إن "الولايات المتحدة لديها مخاوف جدية بشأن القيود التي تفرضها السلطة الفلسطينية على حق الفلسطينيين في حرية التعبير وكذلك التضييق على ناشطي المجتمع المدني".

وحاليا، يُحاصر الشعب الفلسطيني السلطة الفلسطينية و"عباس" فيما ترتفع أسهم "حماس"، أما الحكومة الإسرائيلية الجديدة فليست مهتمة بالسلام مع الفلسطينيين.

في غضون ذلك، يكثف شركاء الولايات المتحدة (مصر والأردن وقطر على وجه الخصوص) جهودهم لمنع الانهيار الكامل للمؤسسات الفلسطينية ومنع اندلاع جولة جديدة من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

المصدر | المونيتور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد