الأحد 27 يونيو 2021 07:21 م

منذ أوائل أبريل/نيسان، عززت الإمارات علاقاتها مع حكومة الوحدة الوطنية الليبية. وطلب رئيس الوزراء الليبي "عبدالحميد الدبيبة" الدعم الإماراتي للحكومة المؤقتة خلال زيارة إلى أبوظبي في 6 أبريل/نيسان.

وقبلها بيوم، التقى ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" برئيس المجلس الرئاسي الليبي "محمد المنفي". وعقب اللقاء، تعهد "بن زايد" برفع مستوى العلاقات الدبلوماسية بين الإمارات وليبيا.

ويمكن تفسير تحول الإمارات من كونها الداعم الأساسي للجنرال "خليفة حفتر" إلى مؤيد صريح لحكومة الوحدة الوطنية من خلال 3 أمور.

أولا: أثارت الانتكاسات العسكرية التي ارتكبها "حفتر" في النصف الأول من عام 2020 قلق الإمارات؛ ما جعلها تخشى أن يؤدي الاعتماد حصريا على "حفتر" إلى تهميش نفوذها في ليبيا.

وأدى انسحاب "حفتر" في مايو/أيار 2020 من قاعدة "الوطية" الجوية ذات الأهمية الاستراتيجية والتي تقع على مشارف طرابلس، إلى تسريع تحول سياسة الإمارات. وردا على هذه الانتكاسة وإعلان "حفتر" السابق للحكم الذاتي، أعرب وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية آنذاك "أنور قرقاش" عن إحباطه من اتخاذ "حفتر" ما أسماه بـ "قرارات أحادية". ويعد تواصل الإمارات مع "الدبيبة" نتيجة طبيعية لتغير الاستراتيجية الإماراتية في ليبيا.

ثانيا: واجهت الإمارات ضغوطا متزايدة من الولايات المتحدة لتقليص دعمها العسكري لـ "حفتر". وفي سبتمبر/أيلول 2020، حظي انتهاك الإمارات لحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على ليبيا، عبر 150 رحلة جوية سرية إلى المناطق التي يسيطر عليها "حفتر"، باهتمام واسع في الولايات المتحدة.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2020، اتهم "البنتاجون" الإمارات بتمويل أنشطة روسيا عبر مرتزقة "فاجنر". وفي 29 يناير/كانون الثاني 2021، حث القائم بأعمال المبعوث الأمريكي لدى الأمم المتحدة، "ريتشارد ميلز"، الإمارات على "احترام السيادة الليبية والوقف الفوري لجميع أشكال التدخل العسكري في ليبيا".

وردت الإمارات بسرعة على هذه الانتقادات، حيث تعهدت سفيرة الإمارات لدى الأمم المتحدة "لانا نسيبة" بالعمل مع إدارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" من أجل السلام في ليبيا. ولإرضاء الولايات المتحدة والتأكد من استمرار صفقة الأسلحة التي تقدر قيمتها بـ 23 مليار دولار، أوضحت أبوظبي التزامها باستقرار ليبيا.

ثالثا: تساور الإمارات شكوك بشأن شراكاتها مع الدول الصديقة في ليبيا. وبالرغم من نفوذ الإمارات على سياسة الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" تجاه ليبيا، اتبعت فرنسا مسارا متباينا في الأشهر الأخيرة. وأثار تعامل فرنسا مع وزير الداخلية في حكومة الوفاق الوطني "فتحي باشاغا"، وإقامة علاقات ودية مع "الدبيبة"، وتهدئة التوترات مع تركيا في ليبيا، شكوكا حول قوة الشراكة الفرنسية الإماراتية في ليبيا.

وكشفت العراقيل الإماراتية لمحادثات السلام في موسكو، في يناير/كانون الثاني 2020، عن حدود التعاون بين موسكو وأبوظبي في ليبيا. وأدى انخراط مصر مع حكومة الوفاق الوطني في شهورها الأخيرة، والذي حدث دون مشاورات مع الإمارات، إلى حدوث احتكاكات بين القاهرة وأبوظبي.

وبسبب هذه التوترات، ترى الإمارات أن إقامة علاقات وثيقة مع حكومة الوحدة الوطنية هي الوسيلة الأكثر فعالية للتنافس مع روسيا وفرنسا ومصر في مرحلة إعادة إعمار ليبيا.

  • مستقبل سياسة الإمارات في ليبيا

ومن المرجح أن تواصل الإمارات تعزيز العلاقات مع حكومة الوحدة الوطنية وأن تدعم رسميا انتخابات ديسمبر/كانون الأول 2021، إلا أن قدرتها على تحويل نفوذها في زمن الحرب إلى نفوذ وقت السلم لا تزال غير واضحة.

ونظرا لأن الإمارات تقوم بدور الوسيط في نزاعات دولية مختلفة مثل نزاع الهند وباكستان بشأن كشمير ونزاع سد النهضة بين مصر والسودان وإثيوبيا، فمن المرجح أن تجرب القيام بدور في الدبلوماسية الليبية الداخلية.

ومنذ عام 2017 إلى عام 2019، استضافت الإمارات بانتظام محادثات بين "حفتر" ورئيس وزراء حكومة الوفاق الوطني "فايز السراج"، وأسفرت تلك المحادثات عن اتفاق فبراير/شباط 2019 بين الطرفين لإجراء الانتخابات الليبية. وفي حين أن الأجندة الدبلوماسية لدولة الإمارات خرجت عن مسارها بسبب هجوم "حفتر" على طرابلس في أبريل/نيسان 2019، فإن قدرتها على الموازنة بين العلاقات الإيجابية مع "حفتر" ورئيس مجلس النواب "عقيلة صالح" و"الدبيبة" يمكن أن يعيد إحياء دورها في الوساطة.

ويمكن للإمارات أيضا الاستفادة من انتخابها مؤخرا كعضو غير دائم في مجلس الأمن الدولي لتعزيز دبلوماسيتها بين الليبيين.

وقد يشكل تحويل دورها الدبلوماسي إلى عقود مربحة لإعادة الإعمار تحديا أكثر صعوبة. وأدت تصريحات المؤسسة الوطنية للنفط بأن أبوظبي كانت وراء حصار النفط الذي فرضه "حفتر" إلى تعقيد علاقة الإمارات مع شركة النفط الوطنية الليبية. ويمكن أن تقوض المنافسة الخارجية أيضا قدرة الإمارات على ممارسة النفوذ الاقتصادي.

وقد تمكنت تركيا بالفعل من تحقيق نفوذ هائل في قطاع البناء في ليبيا. وتخطط عدة عواصم لمشروع الطريق البري الأفريقي الذي يربط مصر مع 9 دول بداية من ليبيا، كما أن هناك مشروع السكك الحديدية الروسي المحتمل من بنغازي إلى سرت، ويمكن أن يؤدي كل ذلك إلى إخراج الإمارات من قطاع البنية التحتية.

وتدرك الإمارات بروز الصين كأحد المساهمين الاقتصاديين الرئيسيين في ليبيا، حيث تعد المنطقة المغاربية نقطة عبور مهمة ضمن مبادرة "الحزام والطريق" الصينية.

وإذا فشلت الجهود الدبلوماسية للإمارات أو كانت عقود إعادة الإعمار أقل من التوقعات، يمكن لأبوظبي إحياء دورها السابق كراعي حرب في ليبيا. وقد يكون هذا السيناريو مرجحا إذا أدت التوترات المتزايدة بين "حفتر" و"الدبيبة" إلى إعادة إشعال الصراع أو تأخير الانتخابات الرئاسية الليبية المقبلة.

وهناك مؤشرات على أن الإمارات تستعد لهذا السيناريو. وفي حين ورد أن الإمارات تسحب مرتزقتها السودانيين والتشاديين من ليبيا منذ أوائل مارس/آذار، فقد أقامت أبوظبي روابط مباشرة مع القادة العسكريين في دارفور. 

وما تزال مجموعة "فاجنر" الروسية تدعم طموحات أبوظبي في ليبيا بسبب اعتمادها على تمويل الإمارات. وقد أرسلت "فاجنر" بالفعل 300 سوري إضافي إلى ليبيا في أواخر أبريل/نيسان.

وحتى لو تمت الانتخابات كما هو مخطط لها، فقد تتدخل الإمارات في الانتخابات نيابة عن "حفتر"، الذي يشاع أن لديه تطلعات رئاسية ويقوم بتجنيس القبائل المصرية والتشادية في شرق ليبيا لتوسيع قاعدته الانتخابية.

وفي حين أن هناك تحول ملحوظ في سياسة الإمارات تجاه ليبيا، إلا أنها يمكن أن تعود بسهولة إلى تكتيكاتها القديمة المزعزعة للاستقرار إذا كانت الظروف على الأرض تعني أن هذا النهج أفضل لمصالحها.

وقبل 6 أشهر من الانتخابات الرئاسية الليبية، تقف سياسة الإمارات تجاه الدولة الواقعة في شمال أفريقيا على مفترق طرق. وبينما يبدو أن مصالحها قد تم تعظيمها من خلال استراتيجية تركز على الدبلوماسية واستثمارات إعادة الإعمار والقوة الناعمة، فإن رغبة أبوظبي في مزاحمة المنافسين الأجانب قد تدفعها إلى العودة لدور المخرب في الأشهر المقبلة.

المصدر | صامويل راماني/منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد