الاثنين 28 يونيو 2021 08:24 ص

بعد فترة طويلة من ملاحقة الانتقادات الدولية لسجلها الحقوقي المتدهور، تستعد الحكومة المصرية للرد بإطلاق استراتيجية وطنية جديدة لحقوق الإنسان. ويبدو أن الاستراتيجية لا تهدف إلى تحسين سجل النظام وممارساته؛ لكنها بدلا من ذلك، تم تصميمها لحماية النظام من النقد الداخلي والخارجي مع فرض قيود جديدة على الحريات التي يمكن أن يأمل المصريون في التمتع بها.

وفي الوقت نفسه، أطلقت عدة منظمات حقوقية مصرية مستقلة حملة تظهر ما تتطلبه التحسينات الحقيقية. وحثوا الأطراف المحلية والدولية على حد سواء على استخدام أفكارهم كنقطة انطلاق لأي مناقشة جادة مع الحكومة المصرية. ويجب على الولايات المتحدة، من بين دول أخرى، أن تنتهز الفرصة لاستخدام هذه المعايير الحيوية لإطلاق حوار حقيقي مع النظام حول ما يجب القيام به لتحسين أوضاع حقوق الإنسان في البلاد.

حقوق الإنسان في مصر.. سيئة وتزداد سوءا

ويسير وضع حقوق الإنسان في مصر في مسار هبوطي حاد منذ انقلاب 2013 الذي أطاح بالرئيس المنتخب "محمد مرسي" على يد وزير الدفاع آنذاك والرئيس الحالي "عبدالفتاح السيسي".

وتم سجن عشرات الآلاف من السجناء السياسيين منذ ذلك الحين، وتعرضوا للتعذيب المنهجي والحرمان من العلاج الطبي. ويُحتجز الكثيرون بتهم غامضة ويحتجزون لفترة طويلة قبل المحاكمة، في كثير من الأحيان دون اللجوء إلى التمثيل القانوني أو الإجراءات القانونية الواجبة.

ويواجه ناشطو المجتمع المدني وحقوق الإنسان حملة قمع متصاعدة على أنشطتهم وجمعياتهم بموجب القانون وفي المحاكم، حيث مُنع العديد من السفر وخضعوا لتجميد الأصول بموجب القضية 173 طويلة الأمد، المسماة بقضية "التمويل الأجنبي"، سيئة السمعة، بينما يُتهم آخرون بـ"نشر معلومات كاذبة" أو "إهانة القضاء"، وهي عبارات مطاطة ومخففة لانتقاد الدولة. ولا يزال استخدام القوة المفرطة من قبل العناصر الأمنية المنخرطة في عمليات مكافحة الإرهاب مصدر قلق خطير؛ حيث أصبحت عمليات القتل خارج نطاق القضاء والاختفاء القسري هي القاعدة. وقد حدت القيود الصارمة المفروضة على حرية التجمع والتعبير بشدة من الحياة المدنية، بما في ذلك في وسائل الإعلام.

وقوبل الانتقاد الدولي للوضع المتدهور في مصر بمزيج من الازدراء والتعتيم والاتهامات المضادة. وعندما اتخذت 31 دولة، معظمها دول أوروبية ديمقراطية بالإضافة إلى الولايات المتحدة وأستراليا وكندا، خطوة غير عادية في مارس/آذار بتقديم خطاب إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة يوجه انتقادات حادة لسجل مصر في مجال حقوق الإنسان، كان رد فعل القاهرة سريعا. واستنكر وزير الخارجية "سامح شكري" الخطوة، فيما استنكر مجلس النواب المصري الخطاب ووصفه بأنه "مسيس للغاية وغير متوازن ومتحيز ومدمر"، مضيفا أنه "يقوم على أكاذيب وادعاءات لا أساس لها واتهامات مضللة". وفي مصر يتم اتهام المنظمات الدولية لحقوق الإنسان بشكل روتيني بالتحيز السياسي والافتراء والاعتماد على مصادر غير دقيقة في تقاريرها النقدية.

وقد يبدو من المدهش إذن أن الحكومة المصرية بصدد تطوير استراتيجية وطنية لحقوق الإنسان تهدف ظاهريا إلى تحسين حقوق وحريات جميع المصريين، كجزء من نهج شامل لاستكمال استراتيجية التنمية الشاملة لمصر.

وقد استعرض البرلمان المصري مؤخرا المسودة الأولى للخطة، التي من المتوقع أن يتم طرحها قريبا وتغطي فترة 5 أعوام، من منتصف 2021 إلى منتصف 2026.

لكن الأمور ليست كما تبدو تماما. ولم يتم تصميم الاستراتيجية الناشئة لتوسيع حقوق الإنسان وحمايتها بقدر ما تهدف إلى تضييقها وتقليص تعريفها بحيث تظل الدولة هي الحكم الذي لا جدال فيه المسيطر على ماهية هذه الحقوق ومن يتمتع بها ومن لا يتمتع بها.

المفهوم والعملية والعيوب

وفي عام 2018، أعلنت الحكومة عن تشكيل اللجنة الدائمة العليا لحقوق الإنسان، التي تضم ممثلين عن 25 جهة حكومية ومجلسا ومنظمات أخرى ويرأسها وزير الخارجية "سامح شكري". وكانت مهمتها الرئيسية إعداد استراتيجية جديدة لحقوق الإنسان في البلاد والتي، وفقا لـ"مايا مرسي"، رئيسة المجلس القومي للمرأة التابع للدولة في مصر، تتمثل في "تعزيز واحترام وتفعيل جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية، بما في ذلك الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي تشمل الجميع دون تمييز".

وترتبط الاستراتيجية ارتباطا وثيقا بـ"رؤية مصر 2030"، وهي مجموعة من مبادئ التنمية مستوحاة على ما يبدو من "رؤية السعودية 2030". وتهدف رؤية مصر، التي انطلقت في عام 2016، إلى تحقيق "تنمية مستدامة شاملة" جزئيا من خلال "العدالة والاندماج الاجتماعي ومشاركة جميع المواطنين في الحياة السياسية والاجتماعية".

وعلنا، الفكرة عبارة عن تسخير للأجندة الوطنية لحقوق الإنسان لاستراتيجية تنمية أوسع لتعظيم إمكانات رأس المال البشري في مصر، والمساهمة في استراتيجية اقتصادية مستدامة للمضي قدما للأمام. وقالت "هبة هجرس"، عضو البرلمان وعضو اللجنة الدائمة العليا لحقوق الإنسان، لـ"المصري اليوم": "تكمن قوة هذه الاستراتيجية في ربطها برؤية مصر 2030 للتنمية المستدامة. وكلما تم ابتكار استراتيجيات مرتبطة ببعضها البعض، زاد تعزيز بعضها البعض، ويضيف هذا قوة لها ويسهل إعدادها على الأرض".

وهذا النهج سليم من حيث المبدأ من وجهة نظر حقوق الإنسان والاقتصاد. وتعتبر معالجة النواقص في الحرية والمواطنة الواردة بالتفصيل في تقارير التنمية البشرية العربية عنصرا أساسيا في وضع أهداف التنمية المستدامة وتنفيذها.

ومع ذلك، فإن إلقاء نظرة فاحصة على ما هو معروف أو يمكن استنتاجه من مضمون مسودة خطة حقوق الإنسان، حيث تم الإفصاح عن القليل من التفاصيل علنا، نرى أن هناك وراء ما تراه العين.

وبالرغم من الإشارة إلى الحريات المدنية والسياسية بشكل متكرر كمكونات أساسية للاستراتيجية، إلا أنها تظل غير محددة في خطة تركز على التنمية الاقتصادية على حساب الأهداف الأخرى. على سبيل المثال، تركز المحاور الـ4 المذكورة، إلى حد كبير، على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بما في ذلك حقوق المرأة والشباب والأطفال وكبار السن. وكما قال "عصام شيحة"، رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان الصديقة للحكومة، لـ"الأهرام"، فإن "المنظمات الغربية تركز فقط على الأبعاد السياسية، وهذا خطأ. يتصدر النهوض بالحياة الاقتصادية للمواطنين جدول أعمال منظمات حقوق الإنسان المحلية".

واتخذ الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" نفسه نهجا مماثلا. وقد كان حريصا عادة على التأكيد على منظوره "الشامل" لحقوق الإنسان، الذي يقلل من الحريات السياسية لصالح الاهتمامات الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية.

بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن عملية التداول لم تنتج شيئا مهما. وقد عُقدت اجتماعات مختلفة على المستوى الوطني مع اقتراب بدء تنفيذ الاستراتيجية، لكن النتائج لم تكن حاسمة. وأسفر اجتماع برلماني في مايو/أيار لمراجعة المسودة الأولى لاستراتيجية اللجنة عن عدد قليل من المقترحات المحددة. وبدلا من ذلك، ركز المشاركون على العملية على توصيات لمزيد من الدراسة للمعايير الدولية، والمناقشات داخل الحكومة، والندوات مع الجمهور حول أولويات المواطنين.

وفي اجتماع مماثل بين اللجنة وجماعات المجتمع المدني، تبادل المشاركون التهاني على تطوير الاستراتيجية والوعود بمزيد من التشاور، ولكن ليس أكثر من ذلك.

وكانت أحد النقاط المضيئة التي ظهرت على ما يبدو من كل هذا هو الإحساس العام بين المشاركين في العملية بضرورة تقليص فترات الحبس الاحتياطي المطولة، التي بموجب القانون المصري يجب ألا تزيد عن 18 شهرا لمعظم الجرائم، ولكن في الممارسة العملية غالبا ما تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. وذلك عبر الحيل المختلفة. ومع ذلك، لم يتحقق أي إصلاح محدد، أو جدول زمني للإصلاحات.

البعد الدولي.. الدبلوماسية الأدائية

ومن الجدير بالذكر أن وزير الخارجية يرأس المفوضية العليا لحقوق الإنسان، بينما يشغل دبلوماسيون كبار آخرون مناصب عليا في اللجان. والأمين العام للجنة مساعد لوزير الخارجية، بينما رئيس أمانتها الفنية بالإنابة هو نائب وزير الخارجية. والغرض الدولي للجنة واضح، وهو توفير درع للدبلوماسية المصرية في الوقت الذي تتصدى فيه الحكومة لاتهامات انتهاكات حقوق الإنسان.

وطالما كانت الحكومة تفتقر إلى استراتيجية شاملة لحقوق الإنسان يمكن اعتبارها علامة على التقدم، فإن ردودها على المنتقدين كانت دفاعية وعدائية وبدون مصداقية. والآن، فإن مجرد وجود عملية استراتيجية لحقوق الإنسان سيساعد الممثلين المصريين على تجنب الاتهامات وتأجيل الإجراءات. على وجه الخصوص، من المرجح أن يكون هذا مفيدا خلال الاستعراض الدوري الشامل القادم لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لصورة حقوق الإنسان في مصر، والمقرر إجراؤه في عام 2024.

وخلال دورة الاستعراض الدوري الشامل الأخيرة في عام 2019، تعرضت مصر لانتقادات شديدة لتجاهلها أو رفضها للعديد من توصيات التقرير. وبوجود استراتيجية وطنية لحقوق الإنسان في متناول اليد سيمكن ذلك القاهرة من مواجهة النقاد بشكل أكثر حذاقة.

كيف ستبدو استراتيجية حقوق الإنسان الحقيقية؟

وهناك شيء واحد واضح، لا يقترب أي من مجالات التركيز المقترحة لمسودة الاستراتيجية مما ينبغي للحكومة المصرية أن تقترب منه إذا كانت جادة في وقف تآكل حقوق الإنسان، ناهيك عن عكس مسارها المظلم في الأعوام العديدة الماضية. وإذا كان الأمر جادا، فلا يوجد نقص في الأفكار حول من أين نبدأ.

وفي مايو/أيار، أصدرت 5 مجموعات حقوقية مصرية محترمة ومستقلة قائمة بـ7 "إجراءات ضرورية ومحددة وعاجلة" لمعالجة أزمة حقوق الإنسان. وشملت:

1- إطلاق سراح السجناء السياسيين

2- وقف الاعتقالات إلى أجل غير مسمى قبل المحاكمة

3 - رفع حالة الطوارئ، السارية منذ عام 2017، التي تستغلها السلطات للحد من الحقوق القانونية، بما في ذلك الإجراءات القانونية الواجبة

4- وقف تنفيذ جميع أحكام الإعدام في القضايا السياسية والجنائية إلى حين مراجعتها من قبل مجلس رئاسي لإصدار عفو محتمل

5- إنهاء الملاحقات الجنائية لنشطاء حقوق الإنسان وإغلاق القضية رقم 173 التي لا نهاية لها على ما يبدو لعام 2011، أو ما يسمى بقضية "التمويل الأجنبي"، التي تستهدف منظمات المجتمع المدني

6- سحب مشروع قانون الأحوال الشخصية، الذي من شأنه أن يعكس أعواما من التقدم في مجال حقوق المرأة، مع بدء نقاش وطني حول قانون أسرة جديد يضمن حقوقا متساوية للمرأة

7- إلغاء حجب المواقع، المفروض بدون أوامر قضائية، لفرض رقابة على النقد الإعلامي والمحتوى غير المرغوب فيه.

وستكون هذه الخطوات نقطة انطلاق مقنعة، ويوصي الموقعون جميع الأطراف المعنية بحقوق الإنسان في مصر وخارجها بالإصرار على تلك الإجراءات في أي نقاش حول حقوق الإنسان مع الحكومة المصرية.

ولكي يحدث تغيير شامل وطويل الأمد، يجب أن يكون هذا مصحوبا بالعديد من الإجراءات القانونية الأخرى، مثل حماية حريات التجمع والتعبير وتكوين الجمعيات، وحظر التعذيب وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز، ووضع حد لحالات الاختفاء القسري والعقاب الجماعي لأفراد الأسرة، وحماية جديدة للمجتمع المدني، وتحقيق ضمانات المحاكمة العادلة، ووضع حد لاستخدام المحاكم العسكرية لمحاكمة المدنيين، على سبيل المثال لا الحصر.

أجندة مصر الحقيقية لحقوق الإنسان

ولا يبدو أن أيا من الخطوات الـ7 ولا أي من التغييرات الشاملة الأخرى تحظى بقبول من مسودة استراتيجية حقوق الإنسان. وهذا ليس مفاجئا، نظرا لأن اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان تتألف من ممثلين حكوميين ومنظمات المجتمع المدني التي ترعاها الحكومة، التي تفتقر إلى أي أصوات مستقلة أو انتقادية.

وأبعد من ذلك تكمن عقبة أكثر أهمية أمام استراتيجية وطنية لحقوق الإنسان ذات مصداقية في مصر؛ فلا توجد إرادة سياسية واضحة أو رغبة في إجراء تحسينات دراماتيكية في الحقوق المدنية والسياسية أو غيرها من الحريات الأساسية. ولم يأتِ أي جهد كبير من القيادة لدفع الاستراتيجية إلى الأمام. ولم يقل "السيسي" شيئا أو لا شيء علنا عن ذلك الجهد.

وبإلقاء نظرة فاحصة على قبضة النظام المشددة منذ أواخر عام 2018، عندما تم إنشاء اللجنة وبدأت العمل على استراتيجية حقوق الإنسان بقوة، نرى أين تكمن الأولويات الحقيقية للحكومة. وفي ذلك العام، أعيد انتخاب "السيسي" في انتخابات غير تنافسية أجبر فيها العديد من المنافسين المحتملين على ترك السباق. وفي العام التالي 2019، أقر مجلس النواب حزمة من التعديلات الدستورية التي تمت الموافقة عليها في استفتاء متسرع.

ومن بين أمور أخرى، وسعت التعديلات حدود الولاية للسماح لـ"السيسي" بالبقاء في السلطة إلى أجل غير مسمى تقريبا، كما عززت دور الجيش في الحياة المدنية وسلطته على المدنيين، وأضعفت استقلال القضاء.

ووفقا لمعهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط، عملت التعديلات على "إضفاء الطابع الرسمي على الاتجاهات الملحوظة في جميع أنحاء مصر اليوم، المجال العام الضيق، وتدهور سيادة القانون، ومحو الفصل بين السلطات".

وبعد تفشي فيروس "كوفيد -19" في عام 2020، عدلت الحكومة قانون الطوارئ لمنح سلطات جديدة واسعة للرئيس والأجهزة الأمنية، وسط حملة قمع على الصحفيين والأطباء وغيرهم ممن انتقدوا طريقة تعامل الحكومة مع الوباء.

وطوال هذه الفترة، استمر قمع النظام وانتهاكاته في التصاعد. وهذا هو عكس ما ينبغي توقعه من بلد وحكومة تسعى إلى تحسين الصورة العامة لحقوق الإنسان. ومع ذلك، فمن المتوقع جدا أن يحاول النظام جاهدا القضاء على أي تحديات حقيقية أو محتملة لسلطته.

وإلى جانب جهود الحكومة لتقوية وترسيخ سلطتها، والتدهور في حالة حقوق الإنسان الموثق من قبل العديد من مجموعات المراقبة المصرية والدولية، فإن طبيعة النظام المصري نفسه تجعل الإصلاح الحقيقي شبه مستحيل، حتى لو كانت الإرادة موجودة.

ولا يمكن أن تزدهر حقوق الإنسان في نظام مُدار يكون فيه الجيش هو الحكم الأخير في الحياة السياسية، كما هو الحال في مصر، والذي يظل فيه الجيش غير مسؤول أمام القانون حتى مع توسع سلطاته باطراد. وما لم يكن نطاق السلطة العسكرية محدودا، بما في ذلك الدور العسكري الضخم في الاقتصاد الوطني، فلن تنجح أي استراتيجية حقيقية وشاملة لحقوق الإنسان، لا سيما تلك التي تهدف إلى تشجيع التنمية المستدامة.

واشنطن تنادي وما من مجيب

وأعلنت الولايات المتحدة مؤخرا أنها تخطط لبدء "حوار بناء" آخر مع الحكومة المصرية يركز على مخاوف حقوق الإنسان التي دفعت الرئيس الأمريكي "جو بايدن" إلى التعهد بأنه "لن يكون هناك المزيد من الشيكات الفارغة لـ"الديكتاتور المفضل لدى ترامب" بمجرد أن يصبح رئيسا.

وكان الواقع مختلفا إلى حد ما. واتخذ "بايدن" موقفا أكثر ميوعة فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان في مصر، وبدا أنه يشعر بالدفء تجاه الرئيس المصري، حيث أعرب مؤخرا عن "امتنانه الصادق" لـ"السيسي" للعب "مثل هذا الدور الحاسم في هذه الدبلوماسية" التي ساعدت في إنهاء الحرب الأخيرة في غزة.

وإذا أردنا أن يكون "الحوار البناء" الأخير فعالا في مجال حقوق الإنسان، على عكس المبادرات السابقة لنفس المفهوم، فسيتعين على واشنطن تجربة نهج جديد.

وبادئ ذي بدء، يجب ألا تسمح للنظام باستخدام استراتيجية حقوق الإنسان لحماية نفسه من الانتقاد. ويجب أن تظهر أن المصداقية والتنفيذ الفعلي لتلك الاستراتيجية أهم بكثير من مجرد وجودها. وقد تميل الإدارة إلى الوقوف جنبا إلى جنب مع الحكومة المصرية، حيث تثني عليها لمجرد وجود خطة قيد الإعداد واختيار تأجيل الانتقادات كما يحدث، مقتنعة بأن القاهرة على الأقل تتظاهر بأخذ مخاوف الولايات المتحدة على محمل الجد.

لكن على الولايات المتحدة أن تقاوم هذا الإغراء. ويجب أن تصر واشنطن على معايير ونتائج قابلة للقياس. وهنا تقدم الخطوات الـ7 الأساسية التي أوصت بها جماعات حقوق الإنسان المصرية المستقلة إطارا جيدا.

ثانيا، يجب أن تكون واشنطن مستعدة لفرض تكاليف إذا استمرت صورة حقوق الإنسان في التدهور. وفي الأسابيع المقبلة، يتعين على وزارة الخارجية أن تقرر ما إذا كانت ستفرج عن 300 مليون دولار من المساعدات العسكرية الخاضعة حاليا لظروف حقوق الإنسان. وهذه لحظة جيدة لمساءلة مصر، وستوفر اختبارا مهما لما إذا كان "بايدن" سيتعامل مع حقوق الإنسان كجزء أساسي من العلاقة الثنائية.

باختصار، ينبغي لإدارة "بايدن" أن تستفيد من الافتتاح الذي قدمته استراتيجية مصر لحقوق الإنسان لتأكيد اهتمام أمريكا بالتغيير الحقيقي. ويجب أن تستغل هذه الفرصة للسماح لكل من النظام والشعب المصري بمعرفة أن واشنطن تأخذ الاستراتيجية على الأقل بجدية كما تدعي الحكومة المصرية أنها تفعل ذلك.

المصدر | تشارلز دان - المركز العربي واشنطن دي سي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد