الاثنين 28 يونيو 2021 09:20 ص

من الشيخ جراح إلى سلوان.. قصة الصمود العمراني

من اختار أن يكون في المعسكر الصهيوني فهو اشترى لنفسه تذكرة ذهاب دون عودة إلى مزبلة التاريخ.

سياسة الاحتلال الصهيوني تهدف لإفراغ الأحياء القديمة في القدس وغيرها من ساكنيها من الفلسطينيين واستبدالهم بالمستوطنين.

مجزرة ديموغرافية جديدة في حي سلوان المقدسي فمع دخول هذا اليوم تنتهي المهلة التي منحتها سلطات الاحتلال لساكني 12 منزلاً لهدم منازلهم بأيديهم.

لا يصبرك على كل ذلك الأذى إلا إيمان بحقك في الأرض وعقيدة راسخة بمهمة مقدسة للحفاظ عليها وتخيل بعد ذلك أن يأتيك من ينام مطمئناً ببيته ليقول: باع أرضه.

*     *     *

تخيل أن تسكن في بيت والدك الذي ورثه عن جدك الذي ورثه بدوره عن أبيه وهكذا دواليك، ليس هذا البيت قصراً منيفاً يطمع فيه الساكن ولا استثماراً يعود عليك بثروة عظيمة!

وفوق هذا تجد نفسك تقاوم اعتداءات جيرانك الطامحين لطردك، وحكومة تلزمك بدفع ضريبة مجحفة لا يدفعها جارك أو تهدد بهدم بيتك بحجج واهية.

وحتى تصل لبيتك عائداً من مكان عملك تمر على نقاط تفتيش مهينة وربما استشهد أحد أفراد عائلتك أو أصيب عندها برصاصة لا مبرر لها، لا يصبرك على ذلك إلا إيمان بحقك في الأرض وعقيدة راسخة بمهمة مقدسة للحفاظ عليها، وتخيل بعد كل ذلك أن يأتيك من ينام مطمئناً في بيته ليقول "باع أرضه".

الوصف أعلاه نزر يسير من المعاناة اليومية التي يعيشها العديد من أهلنا الصامدين في المدن التي ترزح تحت نير الاحتلال الصهيوني، فسياسة الاحتلال تهدف لإفراغ الأحياء القديمة في القدس وغيرها من ساكنيها من الفلسطينيين واستبدالهم بالمستوطنين.

وفي القدس تحديداً وقبل قرابة العشرين عاماً أطلق مشروع أورشليم أولاً لتهويد المدينة من خلال تدمير الأحياء العربية وإخراج أهلها منها وطمس الآثار غير الصهيونية فيها مثل المقابر والمساجد وتحويلها لحدائق وكُنُس وغير ذلك.

وفي هذا اليوم تحديداً تجري مجزرة ديموغرافية جديدة هناك في حي سلوان المقدسي، فمع دخول هذا اليوم تنتهي المهلة التي منحتها سلطات الاحتلال لساكني 12 منزلاً لهدم منازلهم بأيديهم.

ومع رفض أهل الأرض فعل ذلك لا يعرف متى تقرر سلطات المحتل تنفيذ الهدم من قبلها وبالتالي تغريم أصحاب المنازل تكلفة الهدم بالإضافة إلى ما دفع ظلماً من ضريبة "الأرنونة" المجحفة وخسارة المنزل والأرض.

علماً بأن المغريات سبقت التهديد والوعيد، فالعروض انهمرت عليهم سابقاً لشراء منازل حي سلوان وغيرها في القدس، لكن صمود أهلها ورفضهم السماح للمحتل بشراء ضمائرهم هو ما دفع بالكيان إلى هذه الإجراءات الإجرامية.

في حين تنطلق صيحات التضامن مع هؤلاء الصامدين عبر العالم لا تنفك أصوات نشاز تشرعن فعل الاحتلال عبر حجج تنم عن جهل عميق وجهالة متعمدة.

فالأكاذيب عن بيع الفلسطينيين لأرضهم ومخالفتهم للأنظمة تتكسر على صخرة الواقع الذي يعبر بوضوح عن صمود لا مثيل له أمام مغريات لا تنقطع وتهديد يومي للأملاك والأرواح.

هذه الأصوات سواءً كانت متماهية مع سياسات حكومات وجدت في الاحتلال "شريكاً" في جرائمها، أو كانت معبرة عن فكر منحرف وحقد دفين فهي بلا شك تمثل أقلية عالمية تضم إلى جوارهم مأجوري الكيان في الغرب والصهاينة أنفسهم.

هذه الأقلية تصغر كل يوم ويضيق الخناق عليها بعد أن كانت تتبجح دون أن يردها صوت الحق مع انكشاف الجرائم الصهيونية التي لم يعد ممكناً تغطيتها بغربال.

الحق في فلسطين لا يحتاج لمن يدافع عنه، ففي كل زمان يسخر الله لهذه الأرض من أهلها وغيرهم من يقوم بالمهمة على أتم وجه، ونحن اليوم إذن نناصرهم نرجو أن ننال شرف الوقوف مع هذا الحق والمشاركة في الصمود ولو معنوياً.

أما من اختار أن يكون في المعسكر المقابل فهو اشترى لنفسه تذكرة ذهاب دون عودة إلى مزبلة التاريخ، نسأل الله أن يكافئ الصامدين برؤية أرضهم وقد تحررت في دنياهم وبقصور في جناته عند لقياه.

* د. ماجد محمد الأنصاري أستاذ الاجتماع السياسي المساعد بجامعة قطر

المصدر | الشرق