الخميس 1 يوليو 2021 08:15 م

ستكون المناطق الحرة في طليعة النشاط التجاري مع تسارع جهود التعافي الاقتصادي في دول الخليج العربي بعد انحسار تهديد "كورونا". وتشمل الأهداف التقليدية المرتبطة بالمناطق الحرة تعزيز الصادرات في القطاعات الاستراتيجية وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر وخلق فرص العمل. وتوفر المناطق الحرة مجموعة من الحوافز التجارية للشركات والمستثمرين العالميين.

ونظرا للركود الاقتصادي الناجم عن فيروس كورونا، والتخفيضات واسعة النطاق في الميزانية، وأجندات الإصلاح الاقتصادي المستمرة في جميع أنحاء المنطقة، فقد يبدو أن الركائز التجارية التي تدعم المناطق الحرة تستند إلى أرضية متزعزعة. ومع ذلك، من المرجح أن تتغلب أنظمة المناطق الحرة في الخليج على مثل هذه التحديات وتكتسب مرونة جديدة.

وعززت الصدمات الأخيرة أهمية المناطق الحرة كأدوات للسياسة الاقتصادية. وتكشف التطورات الإقليمية عن كيفية استخدام الحكومات للمناطق الحرة لتحقيق أهداف السياسة الداخلية والخارجية.

وعملت المناطق الحرة كمكونات رئيسية لاستراتيجيات التنمية في جميع أنحاء دولة الإمارات لعقود. وتفتخر المنطقة الحرة في "جبل علي"، الكيان الرائد في دبي، بالحفاظ على أكثر من 135 ألف وظيفة، وأنها تمثل ما يقرب من 28% من الناتج المحلي الإجمالي للإمارة.

وتدرس "موانئ دبي العالمية"، التي تمتلك المنطقة الحرة في جبل علي، إمكانية بيع حصة في المنطقة الحرة لخفض ديونها، وهو ما يعكس المنفعة الاقتصادية الواسعة المرتبطة بالمناطق الحرة الخليجية. وبالإضافة إلى المنطقة الحرة بجبل علي، هناك أكثر من 40 منطقة حرة عاملة في الإمارات وحدها. ويوجد في دول الخليج العربية الأخرى أيضا مناطق حرة ولكن أنظمتها أصغر حجما.

ما هي المناطق الحرة؟

تعتبر المناطق الحرة من السمات البارزة لدول الخليج العربية واقتصاداتها، ولكن غالبا ما يتم فهم هذه المراكز التجارية والاستثمارية بمعنى ضيق للغاية. وترتبط ندرة المعرفة بأنظمة المناطق الحرة في المنطقة إلى حد كبير بصعوبة تحديد هذه الكيانات. وبالرغم من وجود المناطق الحرة في جميع أنحاء العالم، فلا يوجد تعريف عالمي لها.

وفي منطقة الخليج، تدور السمات الرئيسية الثلاثة المحددة للمناطق الحرة حول الملكية الأجنبية، وأنظمة العمل، والضرائب والرسوم الأخرى.

أولا، تستطيع شركات المناطق الحرة الاحتفاظ بملكية أجنبية بنسبة 100% لمشروعاتها. ويعتبر العديد من المستثمرين الأجانب هذه السياسة، التي تتحايل رسميا على قيود الملكية الأجنبية الأكثر صرامة خارج المناطق الحرة، أهم فائدة للتسجيل في المناطق حرة.

ثانيا، تضع المناطق الحرة لوائح أقل على العمالة الأجنبية، ما يسمح للشركات الأجنبية بتجنب الحصص الحكومية المقيدة في كثير من الأحيان والتي يفرضها القانون لتوظيف العمالة المحلية. وبينما يعمل المواطنون المحليون عادة كموظفين داخل بيروقراطيات المنطقة الحرة، يشكل المغتربون الغالبية العظمى من القوى العاملة في شركات المنطقة الحرة.

ثالثا، توفر المناطق الحرة إعفاءات من الضرائب والرسوم الأخرى، مثل الرسوم الجمركية.

وأدى التطبيق البطيء وغير المتكافئ لضريبة القيمة المضافة في جميع أنحاء المنطقة إلى عملية تفاوض معقدة مع المناطق الحرة. وتشير مبادرة إصلاح ضرائب الشركات العالمية التي أطلقتها مجموعة الـ7 إلى مزيد من التعقيدات للمناطق الحرة في الخليج. 

وتروج حكومات دول الخليج للمناطق الحرة باعتبارها ركائز رئيسية لجهود التنويع الاقتصادي. لكن جهود التنويع الاقتصادي ذاتها تشهد تعثرا مستمرا وخاصة منذ ظهور الوباء.

وفي وقت مبكر، مالت الحكومات الخليجية في البلدان التي تفتقر إلى موارد هيدروكربونية كبيرة إلى إنشاء مناطق حرة. وأطلقت دبي والإمارات الشمالية الأخرى مناطق حرة في الثمانينات، وما تزال تلك الكيانات تعمل اليوم. وفي هذه الإمارات التي تعاني من ندرة الهيدروكربون ودول مثل عُمان، أصبحت المناطق الحرة كيانات مفيدة لتعزيز الأنشطة الاقتصادية غير النفطية وتسويق التجارة وفرص الاستثمار. ومن الصعب تخيل النمو السريع والنجاح في الخدمات اللوجستية وتجارة السلع وصناعة الإعلام في دبي بدون المناطق الحرة التي احتضنتها ودعمتها.

وأنشأت الحكومات التي لديها موارد هيدروكربونية أكبر، مثل قطر وأبوظبي، مناطق حرة في وقت لاحق، في العقد الأول من القرن الـ21. وبالرغم أن التنويع الاقتصادي يظل هدفا رئيسيا معلنا لتلك المشاريع، إلا أن هذه الحكومات غالبا ما تستخدم المناطق الحرة بمعنى ضيق.

ويعتبر العديد من المراقبين أنظمة المناطق الحرة في الخليج دليلا على ازدهار القطاع الخاص. وفي حين أن غالبية عملاء المناطق الحرة في الخليج من شركات القطاع الخاص، فإن تلك المناطق نفسها مملوكة بالكامل للحكومة تقريبا. ويتناقض هذا مع نظيراتها خارج منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ حيث أن غالبية المناطق الحرة فيها هي كيانات خاصة. ولم تحقق الحالات المحدودة التي سعت فيها حكومات دول الخليج العربية إلى زيادة الملكية الخاصة في المناطق الحرة، كما هو الحال في الكويت وعُمان، نجاحا كبيرا.

أوجه المنافسة والتعاون

كانت الحاجة إلى مركز إعلامي في أبوظبي مبررا مقنعا لتأسيس "تو فور 54" (وهي منطقة إعلامية حرة ذات تمويل كبير) وإطلاقها عام 2007، لكن المسؤولين من الإمارات الأخرى كانوا قلقين من المنافسة.

وأدى الافتقار إلى التعاون بين المناطق الحرة في المنطقة إلى زيادة صعوبة إدارة الديناميكيات التنافسية. على سبيل المثال، ضمن نظام المناطق الحرة في الإمارات، تتسابق الإمارات المختلفة للحصول على ميزة تنافسية في القطاع الذي تهيمن عليه دبي.

وسعت كل إمارة إلى تحسين التعاون بين مناطقها الحرة. ويعد مجلس المناطق الحرة في دبي أحد الأمثلة على آلية تعاونية للمناطق الحرة الواقعة في إمارة دبي، وكان المجلس مسؤولا عن طرح حزمة إغاثة من فيروس كورونا في عام 2020.

وفي 11 مايو/أيار، أعلنت أبوظبي أيضا عن إنشاء مجلس لمراجعة لوائح المناطق الحرة وإنشاء قاعدة بيانات لشركات المناطق الحرة في أبوظبي.

وكثيرا ما قامت الحكومات في دول الخليج الأخرى بتغيير تبعية المناطق الحرة بين مختلف الهيئات والإدارات الحكومية. وفي كثير من الحالات، تأتي هذه التغييرات في أعقاب وصول قيادة سياسية جديدة.

وبعد توليه السلطة في عُمان، أنشأ السلطان "هيثم بن طارق آل سعيد" الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة، التي استوعبت هيئة المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، وهي واحدة من المشاريع العملاقة في البلاد.

وأنشأت الحكومة القطرية سلطة المنطقة الحرة في قطر عام 2018، ونقلت كيانين متجاورين مع الميناء والمطار الجديدين، تحت السلطة الجديدة.

ووسع الأمر الملكي لعام 2019 نطاق سلطة المدن الاقتصادية والمناطق الخاصة في السعودية، والتي تم إنشاؤها في الأصل عام 2010 للإشراف على المدن الاقتصادية، وأصبحت تشمل المناطق الاقتصادية الحرة. وأعلنت وزارة الاستثمار السعودية، التي تأسست بموجب مرسوم ملكي في فبراير/شباط 2020، عن خطط لـ20 منطقة اقتصادية خاصة جديدة مع بيئات تنظيمية صديقة للمستثمرين في قمة "مبادرة مستقبل الاستثمار" في يناير/كانون الثاني 2021 في الرياض.

ويمكن للمسؤولين الحكوميين توظيف أوضاع المناطق الحرة لتعزيز جاذبية المبادرات الحالية والمستقبلية. ويتمتع مشروع "نيوم" في شمال غرب السعودية بخصائص المنطقة الحرة. وبالرغم أن مشاريع تطوير "مدينة الحرير" في الكويت والجزر الشمالية ذات الصلة ما تزال في المراحل التمهيدية، إلا أنها تشمل أيضا عناصر المنطقة الحرة.

الأبعاد السياسية والخارجية

واستفاد المسؤولون الخليجيون كذلك من المناطق الحرة لتعزيز أهداف السياسة الخارجية. وفي أعقاب اتفق التطبيع بين الإمارات وإسرائيل، نشأت العديد من الروابط التجارية الرسمية الجديدة مع المناطق الخليجية الحرة وفيما بينها. وتشمل اتفاقية التعاون الاستراتيجي بين الصين وإيران التي مدتها 25 عاما، الموقعة في 26 مارس/آذار، خططا للاستثمار الصيني في المناطق الحرة الإيرانية.

وتشمل المشاريع السعودية دمج أراضي مصرية وأردنية في منطقة اقتصادية عبر وطنية أوسع تحت مشروع "نيوم". ومع ذلك، فإن أبعاد المشروع التي تتجاوز الحدود الإقليمية لم تتحقق بعد بطريقة موضوعية.

وتبقى هناك مخاوف من أن المناطق الحرة تتيح أشكالا مختلفة من الأنشطة غير المشروعة. ووجد تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن إدخال "مناطق معالجة الصادرات"، وهو نوع من المناطق الحرة، أدى إلى زيادة التقليد بنسبة 5.9%. علاوة على ذلك، يمكن للمناطق الحرة ذات السلطات التنظيمية المستقلة أن تجعل الموقع وجهة جذابة لغسيل الأموال.

وبدلا من النظر إلى المناطق الحرة على أنها إشكالية بطبيعتها، يعتبر العديد من المسؤولين الخليجيين وغيرهم من المهنيين العاملين في هذا المجال أن هذه الكيانات تمثل جبهة مهمة لمواجهة مثل هذه الأنشطة غير المشروعة.

وروج المؤتمر السنوي لمنظمة المناطق الحرة العالمية ومقرها دبي في يونيو/حزيران للمناطق الحرة باعتبارها "محركا للسلامة والامتثال". وأشار المؤتمر إلى أن "نشاط المنظمين وصانعي السياسات يمنح المناطق الحرة فرصة استثنائية لقيادة نموذج السلامة والامتثال". وبمرور الوقت، يمكن أن يساعد توافر المزيد من البيانات والدراسات الجديدة في توضيح مدى تمكين المناطق الحرة للسلوك غير المشروع أو تثبيطه.

وتهدد إصلاحات قواعد الملكية الأجنبية وأنظمة العمل المحلية والضرائب بتقليل تأثير الحوافز التجارية التي تقدمها المناطق الحرة تقليديا. ويعد تنفيذ اللوائح القانونية الجديدة التي توسع من إمكانية التملك الأجنبي في دولة الإمارات مثالا على ذلك. ولكن المناطق الحرة تمنح الحكومات المرونة والقدرة على المناورة للتنقل بأمان في عملية الإصلاح الاقتصادي الفوضوية. على سبيل المثال، يمكن تعويض متطلبات توطين القوى العاملة الأكثر صرامة في الاقتصاد التقليدي من خلال لوائح العمل المتساهلة داخل المناطق الحرة.

وخلال الأعوام المقبلة، من المحتمل أن يكون هناك اختلاف في مسارات التنمية للمناطق الحرة في المنطقة. ويمكن للمناطق الحرة في الإمارات وقطر (حيث تشرف الحكومات على موارد مالية كبيرة وحيث نسب أقل من المواطنين إلى إجمالي السكان) أن تقدم للمستثمرين العالميين مقترحات جذابة وتدعم بنشاط تطوير مختلف الصناعات الاستراتيجية.

وقد تركز المناطق الحرة في دول الخليج الأخرى على عدد أقل من الصناعات المتخصصة. لكن في جميع أنحاء المنطقة، ستكون المرونة والمرافق متعددة الأغراض هي السمات الرئيسية للمناطق الحرة الناجحة.

المصدر | روبرت موغلنسكي/معهد دول الخليج في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد