الأربعاء 7 يوليو 2021 08:00 م

الجزائر مستهدفة إسرائيلياً فسارعوا إلى المحافظة عليها

الغرب والشرق يحسب حساب الشعوب العربية، ولا يقيم وزناً لمعظم حكوماتنا، لأنها تنشد حمايتهم

لم يكن يحلم دعاة الصهيونية ومنظرّوها بوصولهم إلى أقصى حدود الوطن العربي، الخليج، بتواطؤ من قيادات خليجية.

لا تمكّنوا إسرائيل من إحكام الطوق على الأمة العربية من المشرق والمغرب فإن فعلتم ستكونون من النادمين ولن تجدوا لكم ولياً ولا نصيراً.

*     *     *

لا يزال يشغلنا ما يجري في اليمن من مآسٍ وآلام، ومن تهالك السلطة والهيمنة على مقدّرات البلاد بين قوى متناحرة طائفية مسلّحة مدعومة من خارج الحدود (الحوثي)، وقبلية متصارعة تلعب بها أيادٍ خارجية، وتزودها بالمال والسلاح (يافعي، ضالعي، حضرمي، مهري، تهامي).

والشعب اليمني هو الضحية. إنها دولة تتناهشها القوى الطامعة في الهيمنة على اليمن، والنّيل من سيادته، وحكومة شرعية في المنفى، لا حول لها ولا قوة.

ولم ينفرد أحد من العرب لإنقاذ اليمن، مما هو فيه من آلام وجراح وتجزئة وتفكيك. والسعودية هي الدولة القادرة في المنطقة على إخراج اليمن من أزماته، إذا توفّرت لها الإرادة السياسية.

كذلك يشغلنا ما تعدّه إيران من تقوية مكانتها العسكرية والنووية والتوسع الجغرافي، والتي لا جدال في أنها تهدّد أمن الخليج، ليس عسكرياً فقط، بصواريخها البالستية طويلة ومتوسطة المدى أو طائراتها المسيّرة، وإنما بإقامة مفاعلات نووية، سلمية كانت أو عسكرية، على مقربةٍ من شواطئ الخليج، الأمر الذي يؤثر على الحياه في الجانب الغربي منه، حيث اعتمادنا على مياه الخليج للحياة.

وإقامة مفاعلات نووية (بوشهر) تبعث على القلق للشعب العربي في دول مجلس التعاون الخليجي. ويشغلنا أيضاً لا التطبيع مع الكيان الصهيوني فحسب، وإنما إشراك الأخير، عبر الدول الخليجية المطبّعة، في حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والتعليمية والإعلامية والأمنية والأخلاقية، وهذه كارثة حلّت علينا في الخليج العربي لم نكن مستعدين لها.

ومما يشغلنا ما يجري في العراق الذي ضيّعناه بلا مقابل، وما يجري على صعيده من تعدّد المليشيات المسلحة التي بلا ضابط، والتي ستؤثر على أمننا وسلامتنا في الخليج. والقمة الثلاثية التي جمعت العراق والأردن ومصر، قبل أيام، لم تزدنا إلا حسرة، فالثالوث مأزوم، فساد وفتن وديون وإرادة مسلوبة ولا تبعث على الاطمئنان.

(2)

على الرغم من تلك الهموم آنفة الذكر، وأكثر منها، إلا أنها لم تشغلنا عما يجري في دول المغرب العربي. هذه تونس العزيزة، أم الربيع العربي، تتناهشها أيادي الشر من الداخل والخارج، للنيْل منها، ومن شعبها صاحب التاريخ العريق في مقاومة الاستعمار والفاسدين والطغاة والظالمين.

لكنها ستكون الجبل الشامخ الذي تتحطم على صخوره كل المؤامرات، ولو أنفق المتآمرون كل عائدات النفط العربي، فلن ينالوا من تونس وشعبها ما يريدون، حتى ولو وجدوا بين الشعب التونسي من يغريه المال وبريق الإعلام، إلا أن تونس ستبقي أبيةً عصية على كل العملاء والدخلاء ومحبي الشهرة والمال.

وما هو حال أهلنا في ليبيا؟ كنا نتابع، على مدى أربعة أيام، أعمال مؤتمر الحوار السياسي الليبي في جنيف برعاية الأمم المتحدة، والأمل يحدونا أن يخرج المؤتمرون الليبيون برأي وموقف موحّد في سبيل الخروج بليبيا من حالها الراهن الذي لا يسرّ صديقاً للشعب الليبي أحفاد المجاهد عمر المختار.

لم نخف فرحتنا عندما تم انتقال السلطة في ليبيا في 16 مارس/ آذار الماضي سلمياً من حكومة الوفاق إلى سلطة انتخبها المجلس النيابي، تضم حكومة وحدة وطنية ومجلساً رئاسياً، لتقود البلاد إلى إجراء انتخابات موعودة في ديسمبر/ كانون الأول المقبل، وبنتائجها يتم إسدال الستار على ماضٍ لم يحبّه الشعب الليبي العريق.

لكن الحاقدين والعابثين والطامعين في ليبيا، موقعاً وثروة، لن يدّخروا جهداً في الحيلولة دون استقرارها، ولكن حري بالشعب الليبي وقياداته الوطنية ألا يمكّنوا تلك العصبة من العبث بالسيادة الليبية، وكبرياء ذلك الشعب الذي يذكره التاريخ بكل اعتزاز، ومقاومته كل الغزاة والطغاة والمرتزقة وأعوانهم في الداخل أو من الخارج.

(3)

لقد تمدّد الكيان الصهيوني، ووصل نفوذه إلى الحدود الشرقية للوطن العربي، لم يكن يحلم دعاة الصهيونية ومنظرّوها بوصولهم إلى أقصى حدود الوطن العربي، الخليج، بتواطؤ من قيادات خليجية، اعتقاداً منها بأن دولة الاحتلال ستقرّبهم إلى قلب الثقافة الغربية والأميركية، وستثبّت سلطانهم على شعوبهم.

وهذا لن يحدث في الأجل المنظور، لأن هناك ثقافتين مختلفتين متضادّتين لن تلتقيا، الإسلام والعروبة واليهودية الصهيونية. بعد ذلك "الإنجاز" الصهيوني في المشرق.

ولكي يُحكِم الطوق على الوطن العربي، التفتوا نحو المغرب العربي، وجعلوا نقطة البدء من ليبيا عبر قوى خليجية وروسية وفرنسية وأميركية، أداتهم ضابط متقاعد برتبة عقيد ليبي، ومليشيات مسلحّة متعدّدة الجنسيات، بقيادته وبتمويلٍ من بعض دول الخليج، وتسليح وتدريب فرنسي وروسي وأميركي.

والغرض، بعد إضعاف ليبيا وتفتيت وحدتها، والهيمنة على مقدّراتها، خلخلة المجتمع التونسي، كي لا يحقق أهداف ثورته البيضاء، وانتقالها إلى حياة ديمقراطية تكون نموذجاً عربياً مشرّفاً، امتدت أبصارهم ومؤامراتهم نحو الجزائر، بلد المليون شهيد، للنيْل منها، لأنها ترفض التطبيع مع إسرائيل وسياسة المطبّعين العرب، وترفض صفقة القرن ومشروع الشرق الأوسط الجديد، ولا تعترف بـ"السلام الإبراهيمي" الذي تقوده أبوظبي.

وجدت هذه القوى ضالتها في العقيد الليبي المتقاعد، خليفة حفتر، المهووس بالسلطة، ودفعت به إلى اتخاذ إجراءات عسكرية استفزازية للجزائر، وأمر بإغلاق الحدود بين الجزائر وليبيا، واعتبارها منطقة عسكرية يحظر التحرّك فيها، بعد أن سيطرت قواته على معبر حدودي بين الدولتين، ليبيا والجزائر.

وقبل ثلاث سنوات، هدّد بتحويل الحرب من ليبيا إلى الجزائر التي لم تعر بالاً لتصريحات حفتر في تلك الفترة. أما اليوم، وقد اتخذ خطوة تنفيذية نحو الجزائر، بإغلاق الحدود بين الدولتين، وتدابير عسكرية بمساعدات دول أجنبية تترصّد الجزائر وتسعى إلى محاصرتها.

كان ردّ الجزائر العملي لمواجهة تلك المؤامرات إجراء الجيش الجزائري مناورات عسكرية، وتحشيد عسكري لا سابق له على الحدود مع ليبيا أو تونس، لمواجهة أي أخطاء في الحساب قد يرتكبها حفتر، ومن يحرّضه على استفزاز الجزائر.

في هذه الأجواء العدائية، زار رئيس الأركان الجزائري، الفريق السعيد شنقريحة، موسكو، ونتج عن الزيارة التوقيع على صفقات تسلّح ضخمة، منها أنواع متطوّرة من الرادارات بالغة الدقة، وغواصات وطائرات سوخوي 35 وسوخوي 57 الشبحية، تحت شعار "وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ترهبون به عدو الله وعدوكم"، مع إمكانية رفع موسكو يدها عن عميلها المؤقت خليفه حفتر.

المعروف عند العامة والخاصة أن حلفاء العقيد المتقاعد كلهم حلفاء إسرائيل، وهو بالضرورة حليف لإسرائيل. ومن هنا ندعو الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، بعد أن فقدنا الثقة بالأمن القومي العربي على مستوى الدول، إلى نصرة الجزائر والوقوف معها ضد كل من تسوّل له نفسه أن يمسّ أمنها وشعبها المناضل ولو بكلمة.

ارفعوا أصواتكم نصرة للجزائر، فالغرب والشرق يحسب حساب الشعوب العربية، ولا يقيم وزناً لمعظم حكوماتنا، لأنها تنشد حمايتهم.

آخر القول: يا عرب، لا تمكّنوا إسرائيل من إحكام الطوق على الأمة العربية من المشرق والمغرب، إن فعلتم ستكونون من النادمين، ولن تجدوا لكم ولياً ولا نصيراً.

* د. محمد صالح المسفر أستاذ العلوم السياسية بجامعة قطر

المصدر | العربي الجديد