إضافة إلى عدم استجابتها لمطالب جزائرية رسمية وشعبية بشأن الاعتراف بجرائمها النووية وتعويض الضحايا، ترفض فرنسا تسليم الجزائر خرائط التفجيرات.

والأحد، قال وزير المجاهدين الجزائري "الطيب زيتوني"، إن "فرنسا ترفض تسليم بلاده خرائط تفجيرات نووية أجرتها في صحرائها، خلال ستينات القرن الماضي".

واحتلت فرنسا الجزائر بين عامي 1830 و1962.

وأفاد "زيتوني"، في مقابلة مع وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية، أن "الطرف الفرنسي يرفض تسليم الخرائط الطبوغرافية، التي قد تسمح بتحديد مناطق دفن النفايات الملوثة، المشعة أو الكيماوية غير المكتشفة لغاية اليوم".

وأضاف: "كما أن فرنسا لم تقم بأية مبادرة لتطهير المواقع الملوثة من الناحية التقنية أو بأدنى عمل إنساني لتعويض المتضررين".

وتابع أن "التفجيرات النووية الاستعمارية تعتبر من الأدلة الدامغة على الجرائم المقترفة التي لا تزال إشعاعاتها تؤثر على الإنسان والبيئة والمحيط".

ومطلع يونيو/ حزيران الماضي، قال الرئيس الجزائري "عبدالمجيد تبون"، في مقابلة مع صحيفة "لوبوان" الفرنسية: "نطلب من فرنسا تنظيف مواقع التجارب النووية، ونأمل منها معالجة ملف ضحاياها".

17 أم 57 تفجيرا نوويا؟

وبين 1960و1966، أجرت السلطات الاستعمارية الفرنسية سلسلة تفجيرات نووية في الصحراء الجزائرية، 4 فوق الأرض و13 تحتها، وفق مؤرخين.

وأُجريت بعض التفجيرات بعد الاستقلال، في 1962، وغير معروف إن كان ذلك تم في إطار اتفاق أم أن فرنسا استغلت ضعف الدولة آنذاك.‎

بينما ذكرت مجلة "مصادر تاريخ الجزائر المعاصر" (حكومية)، في عدد 2019، أن "الصحراء الجزائرية استُعملت بين 13 فبراير/ شباط 1960، و16 فبراير 1966، مسرحا لـ57 تفجيرا وتجربة واختبارا نوويا".

و"مصادر تاريخ الجزائر المعاصر" مجلة علمية محكّمة، يصدرها المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر/ تشرين الثاني 1954، وهو تابع تابع لوزارة المجاهدين (قدامى المحاربين).

وأوضحت المجلة أن "4 تجارب جوية بحمودية رقان (جنوبي البلاد)، كانت ملوثة للغاية و13 باطنية (تحت الأرض) في تاوريرت تان أفال، إين أكر، وكانت فاشلة".

وأخطر حادث نووي هو "بريل ـ Béryl في أول مـايو/ أيار 1962، إضافة إلى 35 اختبارا نوويا للسلامة على مستوى آبار بحمودية و5 تجارب نووية في موقع تاوريرت تان أترام (محافظة تمنراست) في الهواء الطلق باستعمال مواد انشطارية كالبلوتونيوم"، بحسب المجلة.

السيادة العلمية

قال المؤرخ الجزائري عامر رخيلة، للأناضول، إن "موضوع التفجيرات النووية كان مسكوتا عنه طوال عقود من الزمن، ولما استرجعت الجزائر أنفاسها بدأت تطرح هذه القضية".

وتابع أن "هذا الملف طُرح سابقا على مستوى فعاليات ثقافية ونشطات إعلامية، فقط، لكن رسميا لم تكن هناك إرادة سياسية كافية لجعل فرنسا تستجيب لمطلب كهذا".

وأردف أن "نفايات التفجيرات والأجهزة المستخدمة فيها مجهولة المكان، وفرنسا اختارت أماكن معزولة عن السكان وبعيدة عن الأعين، وهي أصلا منطقة عسكرية للقيام بالتفجيرات".

وأوضح رخيلة أن "الطرف الفرنسي لم يتجاوب مع طلب الجزائر، وليست لديه نية لحل الملف بتسليم الخرائط أو تنظيف مناطق التفجيرات ومخلفاتها".

واستطرد: "هذه القضية تعتبرها فرنسا ضمن ملف الذاكرة، ولا ترتبط فقط بالخرائط، بل أيضا بضحايا التفجيرات وآثارها على البيئة والإنسان، لكونها تمت وفقا لبحوث علمية مسبقة ومخطط هندسي جوا وبرا".

وأرجع عدم تسليم فرنسا الخرائط للجزائر إلى أن باريس ترى أن ذلك "يدخل ضمن سيادتها العلمية وتجاربها، لذلك لا تريد تسليمها".

وتساءل: "إذا رفضت فرنسا تسليم الخرائط، فما موقف الجزائر؟" داعيا سلطات بلاده إلى "وضع ملف التفجيرات ضمن أولوياتها لتطوير العلاقة الثنائية بين البلدين".

أسرار الجيش

أما الباحث والأكاديمي "رابح لونيسي"، فقال للأناضول، إن "رفض فرنسا تسليم خرائط التفجيرات النووية يرتبط بكونه من الأسرار التامة للجيش الفرنسي".

واستطرد: "التفجيرات النووية تدخل في إطار الأسرار التامة للجيش الفرنسي، وبالتالي باريس تريد إخفاء هذه الأسرار".

وأضاف أن "فرنسا لو كشفت وسلّمت خرائط هذه التفجيرات معناه ستفتح الكثير من الأمور حول مختلف الجرائم البشعة التي ارتكبتها في حق الجزائريين، وقد تصل حد إدانتها عالميا".

ورأى "لونيسي"، وهو أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة وهران (غربي الجزائر)، أن "فرنسا تستعمل ملف التفجيرات والخرائط ورقة ضغط في مفاوضاتها مع الجزائر".

وأردف: "يبدو أن باريس لا تريد كشف كل الأوراق في إطار مسألة المفاوضات حول ملف الذاكرة لتبقي بيدها ورقة ضغط تستطيع أن تخدمها".

وتابع أنه "لو أظهرت فرنسا كل أوراقها، فسينجر عن ذلك المطالبة بتعويض ضحايا التفجيرات النووية وإدانة باريس في العالم".

مفاوضات عسكرية

واعتبر "لونيسي"، أن "مماطلة باريس في تسليم خرائط التفجيرات، جعل قائد أركان الجيش الجزائري سعيد شنقريحة، يتدخل ويطلب من نظيره الفرنسي خرائط أماكن التجارب النووية التي أجريت بصحراء بلاده في ستينيات القرن الماضي، لتطهير المنطقة من الإشعاعات".

وفي 8 أبريل/ نيسان الماضي، استقبل رئيس أركان الجيش الجزائري نظيره الفرنسي "فرانسوا لوكوانتر"، في إطار زيارته للبلاد.

وقال "شنقريحة"، في كلمة آنذاك: "أنتظر دعمكم خلال انعقاد الدورة 17 للفوج المختلط الجزائري ـ الفرنسي (حول ملف التفجيرات)، المزمع عقدها خلال مايو (أيار) 2021".

وليس معروفا إن كان الاجتماع عُقد فعلا أم تأجل.

وأوضح أن انعقاد الدورة 17 يهدف إلى "التكفل النهائي بعمليات إعادة تأهيل موقعي رڨان وإين أكر (جرت بهما تجارب)، وكذلك مساندتكم في هذا الإطار، بموافاتنا بالخرائط الطبوغرافية، لتمكيننا من تحديد مناطق دفن النفايات الملوثة، المشعة أو الكيماوية غير المكتشفة لحد اليوم".

ووفق "لونيسي"، فإن "طرح شنقريحة القضية أمام نظيره الفرنسي يعني أن المسألة عسكرية بحتة لخصوصيتها، وأن السياسيين وصلوا إلى طريق مسدود بشأنها".

وظل ملف التفجيرات النووية الفرنسية موضع مطالب جزائرية رسمية وأخرى من منظمات أهلية، للكشف عن أماكن النفايات وتعويض الضحايا من قتلى وآخرين تعرضوا لعاهات مستدامة بسبب الإشعاعات.

وتقول السلطات الجزائرية ومؤرخون، إن فترة الاستعمار الفرنسي شهدت قتلا بحق قرابة 5 ملايين شخص، إلى جانب حملات تهجير ونهب للثروات.

المصدر | الأناضول