الجمعة 9 يوليو 2021 05:25 ص

عُمان: هل تُعجل الاحتجاجات والجائحة بإصلاحات اقتصادية جوهرية؟

في ظل الوضع الراهن يبدو الاقتصاد كالمصاب بفيروس كوفيد-19 إما أن يتعافى ويحظى بالشفاء أو أن تتدهور صحته.

ما تراكم عقودا من تذبذب الثقة بين حكومة وقطاع خاص ومجتمع مدني وتوقعات كل طرف لما ستقوم به الأطراف الأخرى يجعل السنوات القادمة صعبة التنبؤ.

قضت خطة التوازن "المعتمدة" بتسريع تطبيق ضريبة الدخل على أصحاب الدخل المرتفع لتكون في 2022 عوضًا عن خطة مقترحة سابقًا لتكون في 2023.

ثمة حاجة لتقييم العلاقة بين أطراف الدولة بشكل جديد رسمه السلطان بينه وبين الحكومة والشعب حيث يتحمل الجميع عبء أوضاع صعبة في علاقة تكافلية لا اتكالية.

أكدت احتجاجات باحثين عن عمل ضرورة الإسراع بإصلاحات اقتصادية هيكلية إذ أن الجائحة أفرزت ضغوطًا كبيرة لإجراءات قاسية تنعش الاقتصاد ضمن خطة متوسطة المدى.

*     *     *

في الأسبوع الأخير من شهر أيار /مايو 2021، شهد عدد من ولايات سلطنة عمان احتجاجات وتجمعات، أغلبها سلمي، لها مطلب رئيس واحد وهو التوظيف، ونتج عنها أوامر سلطانية بالإسراع في إجراءات التوظيف وحزمة لدعم التشغيل في القطاع الخاص بالتحديد، وهي أول تجمعات بهذا الحجم منذ 2011، جاءت لتعكس حالة الضيق التي أفرزتها الضغوط الاقتصادية المختلفة.

من جانب آخر، فإن تزامن الجائحة مع عهد جديد من الحكم في السلطنة يجعل من العام 2020 بداية مرحلة التحول وفرصة لإعادة التوزان بين الحكومة وعلاقتها بالقطاع الخاص والمجتمع المدني: مؤسسات وأفراد.

ولأنّ الحكومة بحاجة ماسة لما يمتلكه القطاع الخاص من موارد للاستثمار وتعظيم الاقتصاد، فهي مطالبة بتقديم تنازلات وضمانات أوسع للقطاع الخاص الذي يُتَوَقع منه حمل عبء التوظيف، والاستثمار والتنويع الاقتصادي، وأن تكون مستعدة لتقديم أضعاف ما كانت تقدمه من تسهيلات، وأن تكبح جماح الشركات الحكومية التي توسعت خلال العقد الماضي ضمن حزمة إصلاحات اقتصادية.

ومن ضمنها الإصلاح المالي الذي كان الدافع الأساس لبدء العمل على خطة التوازن المالي متوسطة المدى في سبتمبر 2019. وأُلقي على عاتق الخطة مهمة التخلص من تحديات تراكمت خلال الخطة الخمسية التاسعة، مثل توسع الجهاز الإداري بالتزامن مع الظروف الصحية التي كان يمر بها السلطان قابوس.

بدأت الجائحة تأثيراتها المباشرة على اقتصاد السلطنة مع نهاية الربع الأول من العام 2020، وغيرت سرعة خطة التوازن المالي متوسطة المدى التي عرضت للمرة الأولى على السلطان هيثم بن طارق في فبراير. ومع ظهور الجائحة، كان على الخطة الجديدة أن تحمل أيضًا وزر تداعيات كورونا، وأن تمتصها بالتوازي مع التخلص من أوزار الماضي.

وأوجدت الجائحة الفرصة المواتية لتحقيق بعض المكاسب؛ ففي خطابه بمناسبة اليوم الوطني الخمسين للسلطنة، قال السلطان هيثم بن طارق أن الأزمة الناتجة عن الظروف الاقتصادية والجائحة "سَرَّعَت من وتيرةِ التحولِ إلى العملِ الرقميِّ وتوظيفِ التقنيةِ، في مجالاتِ العملِ الحكوميِّ والخاص، على نحوٍ لم يكنْ لِيَجِدَ الاستعدادَ اللازمَ، والاستجابةَ المناسبةَ، التي وجَدَهَا في هذهِ الظروف".

كما نتج عنها المباركة السلطانية لمقترح سبق أن طُرِحَ على الحكومة مرتين لكن قوبل بالرفض، قبل أن يقره السلطان الجديد في بداية الربع الثاني من 2020 بالموافقة على إزاحة مصروفات قطاع النفط والغاز من الموازنة الحكومية إلى كيان تجاري جديد يعمل بأسس استثمارية لتمويل المصروفات، وصدور مرسوم سلطاني بتأسيس شركة تنمية طاقة عمان في ديسمبر من العام ذاته.

وبفضل الأزمة التي عمقتها الجائحة، قضت خطة التوازن "المعتمدة" بالتسريع في تطبيق ضريبة الدخل على أصحاب الدخل المرتفع لتكون في عام 2022 عوضًا عن خطة تطبيقها المقترحة سابقًا لتكون في 2023.

وتتوقع الخطة بعد التعجيل في تطبيق الضريبة المذكورة أن تبلغ إيرادات الحكومة في العام الأول 122 مليون ريال عماني (317 مليون دولار أمريكي)، مع مقترح لتوسيع شريحة الخاضعين لها في العام التالي بما يرفع إيراداتها إلى 450 مليون ريال عماني (1.17 مليار دولار أمريكي).

وعوضًا عن توقعات "توازن" للفترة من 2021-2024– قبل احتساب تأثيرات الجائحة– بأن يخفض العجز المالي من 1.7 مليار ريال عماني (4.5 مليار دولار أمريكي) إلى نصف مليار ريال (1.3 مليار دولار)، تم تعديل الخطة لتخفض من عجز متوقع من 3.2 مليار ريال (8 مليار دولار) إلى نصف مليار ريال عماني.

ووفقًا للخطة قبل التعديل، تم تقدير سعر النفط في موازنات الأعوام من 2021-2024 عند 60 دولار للبرميل، لكن اتخذت الحكومة مسارًا أكثر تحفظًا مع تعديل السعر عند 45-50 دولار خلال الفترة ذاتها.

وفي الوقت الذي كانت تأثيرات الجائحة تتسلل إلى أوصال الاقتصاد وتستنزف سيولة القطاع الخاص، ومعنويات القطاع العام، ووظائف الأفراد شهرًا تلو الآخر، كانت الإجراءات مستمرة في وقف امتيازات كبار مسؤولي الدولة، وفي إحالة ذوي الخدمة الطويلة في القطاع الحكومي إلى التقاعد الإلزامي، وإلغاء المجالس التي توسعت، ودمج وزارات تداخلت أو تقاربت اختصاصاتها، وإعادة النظر في العقود الحكومية.

لكن الإجراءات التي أدخلت بنود الإنفاق الحكومي في برنامج حمية قاس، أثرت سلبًا على انسياب الأموال التي كانت تصل إلى عجلة اقتصاد القطاع الخاص بشكل عام، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بشكل خاص، بسبب تأجيل أو إيقاف مشاريع حكومية.

واتسعت الدائرة لتشمل الحرفيين والعاملين لحسابهم الخاص، بسبب الإجراءات الاحترازية لاحتواء الجائحة وما تضمنته من إغلاق متكرر للأنشطة الاقتصادية، الأمر الذي  وضع الدولة أمام تحدي الموازنة: بين الحاجة المُلحة لعدم التوسع في الإنفاق الحكومي، وواقع اعتماد الاقتصاد العماني على هذا الإنفاق.

وهنا كانت الحاجة لتوازن من نوع آخر: بين ضرورة خفض إنفاق الحكومة وتعزيز الإيرادات من جانب، ومد نظام الحماية الاجتماعية لامتصاص جزء من تداعيات الأزمة التي أفرزت شحًا في الوظائف ورفعت عدد الباحثين عن عمل، وتزامن ذلك مع الرفع التدريجي لدعم خدمتي الكهرباء والمياه ودخول ضريبة القيمة المضافة حيز التنفيذ خلال العام الجاري.

ونتيجة لذلك تم الإعلان عن خطة التحفيز الاقتصادي في مارس 2021. التي تمنح الحكومة من خلالها تسهيلات ضريبية وبنكية، وإجراءات تفضيلية للمستثمرين –الذين تتجاوز استثماراتهم مليون دولار أمريكي- في القطاعات المستهدفة للتنويع الاقتصادي في الخطة الخمسية الحالية.

ولكن تبقى تحديات ملف الأمان الاجتماعي المرتبط بالتوظيف، فرغم الوعود الحكومية المرتبطة بالتوظيف وتوفير فرص للتدريب أو التأهيل أو العمل، إلا أن واقع البيانات الرسمية يعكس ارتفاع معدل الباحثين عن عمل كمؤشر لحراك اقتصادي متباطئ.

ومع رغبة الحكومة في ترشيق الهيكل الإداري، فإن عدد العمانيين في القطاع العام المدني في انخفاض، ولن تتجه الحكومة لتعيين أو إحلال العمانيين في الوظائف الحكومية إلا للضرورة القصوى مع تعويلها على القطاع الخاص لخلق فرص العمل.

ومن جانب آخر، فأنه من المبكر ملاحظة تأثير خطة التحفيز الاقتصادي التي تم اعتمادها في مارس 2021، أو مبادرات الحماية الاجتماعية التي تم إعلانها في أبريل على الاقتصاد بشكل عام وعلى سوق العمل بشكل خاص.

حوكمة الأداء والنزاهة

في خطابه الثاني للشعب، تحدث السلطان هيثم بن طارق "حوكمة الأداء والنزاهة والمساءلة والمحاسبة" عند حديثه عن إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة وتحديث التشريعات. حيث يعد ملف محاربة الفساد أحد التحديات الأبرز والأكثر صعوبة في التعامل معها.

ففي الوقت الذي يلاحظ فيه أن السلطان الحالي يستعين على قضاء حوائج البلاد بالكتمان؛ يربط المجتمع المحاسبة بالإشهار وهو الأمر الذي يخلق جدلا بشأن التعامل مع ملف المساءلة والمحاسبة.

ولكي تكتمل مرحلة التغيير وجب تصحيح العلاقة بين أطراف الدولة من حكومة وقطاع خاص ومجتمع مدني. فالقطاع الخاص لا يرغب بأن تكتفي الحكومة بأخذ رأيه في جلسات وحلقات عمل، تقدم للإعلام، باسم الشراكة؛ بل أن يجد تلك الآراء جزءًا من القوانين والتشريعات والقرارات التي تسنها الحكومة.

في عام 2016، أطلقت الحكومة برنامج تعزيز التنويع الاقتصادي (تنفيذ) وجمعت شريحة واسعة من ممثلي القطاع الخاص لتفصيل احتياجات نمو الاقتصاد ضمن سلسلة مختبرات مكثفة، لكن حالة الأمل والتفاؤل التي انتشى بها المشاركون في رسم مبادرات التنويع بدأت تخبو سريعًا مع عدم تنفيذ أغلب ما تم طرحه على طاولات المناقشات.

على الصعيد المجتمعي، ومع تقديم أشكال أكثر من الضرائب إلى المنظومة الاقتصادية للسلطنة، وتحول الفرد في المجتمع لمساهم في تمويل موازنة الدولة بوصفه مستفيدا من الخدمة والمنتج، تتزايد المطالبات المجتمعية سواء من الأفراد أو مؤسسات المجتمع المدني لإشراك أوسع في عملية صنع القرار، حيث أن إشراك المجتمع في رسم السياسات يعزز دور الطبقة المتوسطة والمجتمع المدني كجماعة ضغط على صناع القرار.

وتأتي الحاجة لإعادة تقييم هذه العلاقة بين أطراف الدولة مع الشكل الجديد للعلاقة التي يرسمها السلطان الجديد بينه وبين الحكومة والشعب، والتي تقوم على أن يحمل الجميع عبء الأوضاع الصعبة ضمن علاقة تكافلية لا اتكالية على "الأب".

خلاصة القول، ما تراكم لعقود من تذبذب في الثقة بين الأطراف الثلاثة: الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وما حدده كل طرف من توقعات لما ينبغي ان تقوم به الأطراف الأخرى، يجعل السنوات القليلة القادمة صعبة التنبؤ، ففي ظل الوضع الراهن يبدو الاقتصاد كالمصاب بفيروس كوفيد-19، إما أن يتعافى ويحظى بالشفاء أو أن تتدهور صحته.

* فاطمة العريمي صحفية عمانية، المديرة التنفيذية لشركة المركز الإعلامي.

المصدر | مؤسسة كارنيغي