الثلاثاء 13 يوليو 2021 10:08 ص

ماذا بعد حسم الإيرانيين حرب اليمن؟

وحدة الأرض والموقف في مناطق الحوثيين لا تقارَن أبداً بواقع مناطق الشرعية، ولا مساحتها في المهجر الكبير.

الشرعية اليمنية اليوم مُعرضة لكي تُسحب من المشهد السياسي وعبر الاعتراف الغربي المتواصل بالهيمنة الإيرانية.

روح النقد التي تملأ كل نواحي اليأس للنخبة الثقافية في اليمن هي ذاتها لسان حالها يقول: ليت الرياض تتغير، وليتها تسمع موقف الغضب اليمني.

أقصى حد لمفاوضات مسقط التي انتقلت لأدوار عملية بعد رجوع الرياض إلى الدبلوماسية العُمانية هو ضمان وقف إطلاق النار على الحدود السعودية اليمنية!

حسم إيران العسكري سيجتاح ما تبقى من كيانية إنسانية وحضارية لأهل اليمن وهي مهمة تسعى فيها طهران لإبقاء مسميات الجمهورية والدولة لكن دون قيمة تذكر.

*     *     *

يتحرّك المسرح مركزياً اليوم، وبتواتر متصاعد، نحو حسم إيران حرب اليمن لصالحها. وبالتالي، نحن على مقربة من إعلان اليمن العربي جزءًا من منظومة الإمبراطورية الإيرانية الطائفية.

نلاحظ هنا مسألة مهمة، أن أقصى حد لمفاوضات مسقط التي انتقلت إلى أدوار عملية، بعد رجوع الرياض إلى الدبلوماسية العُمانية، هو ضمان وقف إطلاق النار، على الحدود السعودية اليمنية.

لكن التشدّد الحوثي الذي تركت له إيران المدار عن عمد يفاوض بقوة، هو على حجم التعويض الذي يلزم أن تسدّده السعودية. وهناك تكتّم على العرض السعودي، فيما رفع الحوثيون الفواتير بصورة كبيرة.

مجمل الأمر هنا أن الحسابات الأخرى، لحصول اختراق نوعي في الجبهات، أو تمرّد قَبلي يُنسّق مع الجيش الشرعي تراجعت فرصه كثيراً، وبات ضغط الحوثي على محاور الصراع الحربية يتزايد، ويعود بدورات جديدة تُنهَكُ فيها خطوط الجيش والمقاومة المتمرّدة على الهيمنة الإيرانية. ذلك كله يجري مع فراغ كبير في جسم القيادة الشرعية في اليمن ورمزيتها، وضعف هزيل للغاية.

ويلاحظ هنا أن وحدة الأرض والموقف في مناطق الحوثيين لا تقارَن أبداً بواقع مناطق الشرعية، ولا مساحتها في المهجر الكبير، كما أن المراقب يلاحظ مستوى الصراع بين هذه الأطياف، وأن تنافس الكتل القبلية والتيارات الدينية والسياسية تضخّمت أزماتها الذاتية، وتفاقمت معها قدرات المواجهة مع قوة الحوثي وولايته الإمامية الجديدة، وهو ليس خلاف تقدير مواقف سياسية، بل صراع مصالح، يصل أحياناً إلى حد التنافس في التصفية.

ولعل ما يلفت النظر هنا أن الإحباط والغضب لم يتحولا فيما أراه، كمراقب، إلى صناعة أرضية فكرية تؤسّس لإصلاح ما يمكن إصلاحه في هذا الواقع الخطير، وتستبق إعلان الجمهورية الطائفية الجديدة، ووضع منبر إنساني فكري ليمن عربي يستقل مستقبلاً عن كارثة النسخة العراقية.

وهنا قضية تُشير إلى أزمة العقل اليمني المعاصر، أن الكل، في السر أو العلن، يُحمّل التحالف السعودي الإماراتي المسؤولية. وهذا صحيح، لكنْ هناك، في الوقت ذاته، اعتماد كلي على الرياض، يتوسّل أن يتغير موقفها، وهي لا تبدي أي استعدادٍ لذلك.

روح النقد التي تملأ كل نواحي اليأس للنخبة الثقافية في اليمن هي ذاتها لسان حالها يقول: ليت الرياض تتغير، وليتها تسمع موقف الغضب اليمني .. وهذا لا أرضية له إطلاقاً، فضلاً عن ضعف قاعدة التحرّر والتجديد داخل البنية الفكرية لليمن، المواجه للإيرانيين وذراعهم الحوثي.

تبدو أهمية هذه الصورة اليوم لفهم الواقع الذي يتدحرج إليه اليمن، وأن هناك تفتتا واسعا في جبهة الشرعية، وأن إرث الصراع الوظيفي داخل البنية السياسية والقبلية في اليمن يلتهم كلياً مبادئ الثورة وروحها، بل مبادئ الجمهورية في معنى استقلالها القومي والحضاري والإنساني الذي ظلت الفكرة الإسلامية وروحها العروبية تعيش فيه زمناً طويلا.

ورغم كل التضحيات وعشرات الآلاف من الشهداء والجرحى والأسرى والمشرّدين الذين رابطت أرواحهم ضد سقوط اليمن في حضن الاحتلال الطائفي الإيراني.

أزمة لها إرث عميق في طبيعة فرض التبعية على إنسان اليمن، وتحويله إلى حديقة خلفية تنتقل من الرياض إلى طهران، غير أن هذا الإرث لا يَعذُر تلك النخبة، في بدء بعث الفكرة الحرّة لمهمة الإنقاذ المستقبلية لليمن.

تكمن خطورة هذا الأمر في أن حسم الإيرانيين العسكري سيجتاح ما تبقى من كيانية إنسانية وحضارية لأهل اليمن، وهي مهمة تسعى فيها طهران إلى إبقاء مسميات الجمهورية والدولة، لكن دون قيمة تذكر أمام حكومة الظل الطائفي التي ستتبع لها عبر الحوثي، كما جرى مع المليشيات الطائفية في العراق ولبنان.

إذن، تتجه كل المسارات اليوم، وبسعي حثيث من الرياض، لكي تنجز مهمة إنهاء الحرب، وتغطية مساحة الهزيمة بصورة اتفاق سلام، لا علاقة للشرعية به إطلاقاً.

فالشرعية اليوم مهيأة لكي تُسحب من المشهد السياسي، وعبر الاعتراف الغربي المتواصل بالهيمنة الإيرانية، ستخلق شرعية انتقالية ما بعد اتفاق الأطراف، في الوقت نفسه لم تُعلم بعد بنود الاتفاق بين أبوظبي وطهران في تحديد مسارات ما بعد وقف إطلاق النار والإعلان الحوثي عن نصره.

غير أن الفكرة هنا أن كل السياقات تخدم الإيرانيين، أخذاً في الاعتبار اهتمام الغرب، وبالذات واشنطن بتحييد إيران، بل وكسبها موسميا، في مقابل الملفات المعقدة الجديدة في لعبة الأمم، وخصوصا مع بكين وموسكو، وهذا يعني، بالضرورة، أن المشرق العربي، وبالذات الخليج العربي، سيصبح على انتكاس مرير.

وتبرز لنا هنا مواقف مختلفة كلياً عن تعبير السعوديين الرسمي، فلا عُمان ولا الإمارات ولا قطر، وحتى الكويت، ترغب أي منهم في دورات تصعيد أخرى مع الإيرانيين، بل العكس، فبيانات مجلس التعاون الخليجي لا تمثل إلا الورق الذي كتبت به، والرغبة في بقاء السقف الإعلامي في حدّته مع طهران باعتباره موقفا يخصّ الرياض والمنامة.

أما بقية الدول، فإن التكيّف مع الزمن الإيراني للخليج العربي يتقدّم بصورة متصاعدة عندها، وتشير لهزال المجلس الخليجي، وتفضح إرث الأزمة وكل خطط عرب الخليج الفاشلة، في وقف هذا التغوّل الإيراني.

وهناك أسئلة أخرى قد تطرح في مستقبل النصر الإيراني في اليمن، وخصوصا في ظل التمرّد الشعبي في العراق ولبنان، غير أن هذه المواسم التي تعكس أزمة الإنسان العربي تحت نفوذ الهيمنة الإيرانية، عَبرَتها طهران أكثر من مرة.

كما هو موقف الحركات الإصلاحية والمقاومة المدنية للإيرانيين، الذين يرجون الخلاص من نظام الخرافة الذي عزّز الانقسام بين مسلمي الشرق، وأشعل الطائفية، وأسقط فكر الحرية والمدنية في إضاءات فلسفة شريعتي وكفاح مصدق والميراث الإنساني المدني للقومية الفارسية التي كنا كعرب، ولا نزال، نرجو أن تُصلح معها الرابطة الأممية بمفهوم الإسلام الرسالي والشرقي، لا الصراع الطائفي.

* مهنا الحبيل باحث عربي مستقل، مدير المركز الكندي للاستشارات الفكرية

المصدر | العربي الجديد