الأربعاء 14 يوليو 2021 04:05 م

"ليس مجرد خلاف على إنتاج النفط، بل انعكاس لتغيير أوسع في ديناميكيات القوة الإقليمية".. هكذا تواترت تحليلات مراقبي الشأن الخليجي بشأن الخلاف الجاري بين السعودية والإمارات، والذي خرج من كواليس تكتل منظمة الدول المصدرة للبترول وحلفائها (أوبك+)، الأسبوع الماضي، ما أدى إلى تأجيل اجتماع التكتل دون تحديد موعد حتى الآن.

وتعود هذه الديناميكيات لعملية إعادة تقويم رئيسية تجري منذ عام 2019، ويتداخل فيها الاقتصادي والسياسي، ما أسفر عن تناقضات مصالح ظاهرة ومتنامية بين السعودية والإمارات، ما خلق شرخا بين حليفين استراتيجيين جمعتهما الحرب الصارمة على الربيع العربي.

وكان المبدأ غير المعلن وراء عملية إعادة التقييم هو إعطاء الأولوية للمصلحة الوطنية، في ظل منافسة اقتصادية متزايدة في الخليج، تحت وطأة محاولة التعافي من آثار جائحة كورونا وتجاوز الاعتماد الكبير على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات.

وتؤشر أزمة "أوبك+" الأخيرة إلى أن السياسات الانفرادية لدول الخليج ستتخد طابعًا اقتصاديًا وسياسيًا، وهي سياسات مرشحة للاستمرار على خلفية محاولات الدول للتنافس في مشهد إقليمي مزدحم بشكل متزايد.

وإذا لم إذا تتجنب دول الخليج تكرار نماذج التنويع الاقتصادي الخاصة بها دون الكثير من الابتكار، قد يؤدي ذلك إلى أشكال أكثر عدوانية من المنافسة، حسبما يتوقع "بدر السيف" الباحث بمركز كارنيجي.

لكن تصوّر الإمارات لنفسها كقوة إقليمية يعني أنها لن تسمح للآخرين، بما في ذلك السعودية، بتجاوز مصالحها، ومن هنا كان اعتراضها القوي على صفقة "أوبك+"، على عكس الطريقة التقليدية لإدارة الخلافات بين البلدين وراء الكواليس.

ويعزز من واقع المنافسة الجاري، إصرار ولي عهد السعودية، الأمير "محمد بن سلمان"، على الضغط على الشركات الأجنبية كي توقع عقودا تنقل بموجبها مقارها الإقليمية إلى داخل السعودية، في مواجهة واضحة مع الإمارات.

من هنا باتت الأطر المؤسسة للتحالف التقليدي بين السعودية والإمارات غير مؤهلة للتعبير عن حالة التناقض المصلحي الجارية، ومن بينها مجلس التنسيق السعودي الإماراتي، الذي تأسس في عام 2016، ولم يكن له دور يذكر في حل أزمة "أوبك+".

مجلس التعاون الخليجي أيضا لا يعد مرجعية معتبرة لدى أي من الطرفين لحل الخلاف، خاصة في ظل إصرار الإمارات على تشخيص مصالحها بناء على نظرتها لدورها كطرف استراتيجي وازن إقليميا، وليس مجرد عضو في منظمة.

وفي هذا الإطار يمكن قراءة توقيع العاهل السعودي الملك "سلمان بن عبدالعزيز"، وسلطان عُمان "هيثم بن طارق"، الأحد، على مذكرة تفاهم بشأن إنشاء مجلس التنسيق العماني السعودي المشترك بين حكومتي البلدين، في مدينة نيوم السعودية، ما اعتبرته وكالة "بلومبرج" مؤشرا على "تغير التحالفات في المنطقة".

ثمة مؤشرات اقتصادية على اتجاه الرياض للخصم من نفوذ أبوظبي الإقليمي وحصر علاقاتها الخليجية، فقد وصل حجم التبادل التجاري بين السعودية وعمان، خلال الربع الأول من 2021، إلى نحو 2.152 مليار ريال سعودي (570 مليون دولار)، بزيادةٍ بنسبة 6.2% عن الفترة نفسها من العام الماضي. ومن المنتظر أن يفتتح قريباً أول طريق بطول 800 كيلومتر يربط بين السعودية وعُمان، بعد اكتمال إنشاء المرافق اللازمة لتقديم الخدمات لمستخدميه.

كما يشير مراقبون إلى أن السعودية تسعى إلى إحياء مشروع لنقل النفط الخاص بها عبر أنابيب إلى ميناء الدقم في سلطنة عمان، وهو الميناء المطل على المحيط الهندي، من أجل تجنب المخاطر الأمنية التي يشهدها مضيق هرمز، قبالة ساحل إيران، بين وقت وآخر.

في المقابل، تسعى عمان لتحويل الدقم، التي كانت يوما ما مجرد قرية للصيد تبعد 550 كيلومترا إلى الجنوب من العاصمة مسقط، إلى مرفأ ومركز صناعي مهم في منطقة الشرق الأوسط، قد يكون منافسا لإمارة دبي، ورصدت لذلك الغرض عدة مليارات من الدولارات.

هذا المشروع قديم، ويعود للحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، وكان من المخطط أن تشارك الكويت والإمارات فيه أيضا"، بحسب ما نقل موقع قناة "الحرة" الأمريكية عن الباحث العماني في الشؤون الدولية "سالم الجهوري".

ويعني ذلك أن السعودية قررت الاستئثار بالمشروع بينها وبين عمان فقط، في توقيت بالغ الدلالة في تزامنه مع الأزمة الخلاف المستمرة مع الإمارات بشأن مستوى الإنتاج النفطي لدول "أوبك+".

وبينما تؤكد "بلومبرج" أن العلاقة الوثيقة بين مسقط والرياض قد تكون بمثابة نعمة اقتصادية لعُمان، التي تكافح لتنويع اقتصادها بعيد عن الاعتماد على النفط، تلفت أيضا إلى الأهداف السياسية التي تعتمدها السعودية فيما يشبه "نهجا دبلوميا جديدا" تمد يدها فيه لعواصم تربطها علاقات وثيقة مع منافستها الإقليمية إيران.

فالمستوى السياسي بدا حاضرا في تقارب العلاقات السعودية العمانية أيضا، من زاوية سعي الرياض لاستثمار موقع عمان كوسيط مقبول من مختلف أطراف الصراع الإقليمي من جانب، والنأي عن اصطفافات التحالف القديم مع أبوظبي من جانب آخر.

 وفي الوقت الذي تسعى فيه السلطنة لتنويع موارد اقتصادها بعيدا عن صادرات النفط والغاز، فهي تريد أيضا الاحتفاظ بدورها الحيادي في السياسة والدبلوماسية بمنطقة الشرق الأوسط على الطريقة السويسرية، ومن هنا فإن دورا تقوم به مسقط بإسناد الرياض قد يكون وازنا في تسوية سياسية للحرب في اليمن.

وفي محاولة لإنهاء تلك الحرب، استضافت سلطنة عمان عددا من زعماء الحوثيين لتسهيل المفاوضات بينهم وبين التحالف الذي تقوده السعودية، وإذا تم التوصل إلى اتفاق، فسيكون ذلك أول تقدم كبير في الجهود التي تقودها الأمم المتحدة لإنهاء الحرب منذ أن عقدت محادثات السلام المتوقفة آخر مرة في السويد في ديسمبر/كانون الأول 2018.

الاتفاق النووي مع إيران ثاني الملفات السياسية من حيث الأهمية بالنسبة للرياض، حيث يمكن لعمان أن يكون لها دور في الربط بين إيران ودول الخليج في هذا الصدد.

وفي هذا الإطار، يرى "الجهوري" أن "الأطراف (الخليجية) تقترب من توافقات"، بينما تظل الإمارات متمسكة باستراتيجيتها القائمة على معاداة قطر وتركيا والدول المتحالفة معهما، ما يعني تزايد احتمالات اتجاه أبوظبي إلى موقع أقرب إلى "العزلة" تدريجيا. 

من هذا المنظور أيضا يمكن قراءة التقارب بين قطر وعمان، الذي بلغ مداه، الأربعاء، باجتماع رئيس أركان القوات المسلحة القطرية الفريق الركن طيار "غانم بن شاهين الغانم"، مع رئيس أركان قوات السلطان المسلحة بسلطنة عمان الفريق الركن بحري "عبدالله بن خميس الرئيسي"، الذي يزور قطر حاليا.

وترتبط قطر وعُمان بعلاقات متينة أصلا، تجسدت في تعاون مشترك، واستثمارات متبادلة، وتنسيق للجهود والمواقف حيال عدد من الملفات والقضايا، لكن دخول السعودية كطرف داعم لهكذا توجه من شأنه حصر الإمارات في موقع المنبوذ خليجيا.

ولذا يلفت رئيس قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمجموعة أوراسيا الاستشارية "أيهم كامل"، إلى مؤشرات على أن ولي العهد السعودي، الحاكم الفعلي للمملكة، الأمير "محمد بن سلمان"، بات يفكر في الشؤون الإقليمية على نحو مختلف، وأصبح مهمتا أكثر ببناء علاقة متعددة الأوجه تتمحور حول شبكة دول مجلس التعاون الخليجي، وليس حول حليف واحد فقط، كان الإمارات في السابق، حسبما أوردت "بلومبرج".

ويوضح المحلل السياسي "جو معكرون" ذلك بأن "السعودية حاليا تهادن خصومها الإقليميين ومنهم تركيا"، مرجحا استمرارها في هذه المقاربة على المدى المنظور "بغض النظر عن ما يطرأ في علاقاتها مع الإمارات".

ويشير "معكرون" إلى أن "هذا الانفراج في العلاقات بين السعودية وقطر وتركيا أدى إلى رفع مستوى القلق وحالة التأهب في أبوظبي، والتي لا تتوافق بالكامل مع الخيارات السعودية في هذين الملفين".

الخلاصة أن نتائج تراكمات التناقضات المصلحية في العلاقات السعودية-الإماراتية منذ حوالي عامين، بدأت تظهر علنا في المرحلة الأخيرة، في ظل احتدام التنافس الاقتصادي والتناقض بين البلدين في الخيارات الاستراتيجية، ما يعني أن "ربيع" التحالف بين الرياض وأبوظبي يتجه نحو الأفول.

المحلل السياسي السعودي "سليمان العقيلي" عبر عن تلك الخلاصة بتعليق عبر تويتر على زيارة سلطان عمان إلى نيوم، ملمحا إلى الجذر التاريخي لدولة الإمارات، التي كانت تاريخيا تعرف بـ "ساحل عمان" قبل إعلانها دولة مستقلة عام 1971، مغردا: "سفير سعودي (فوق العادة) في سلطنة عمان، وزيارة تاريخية منتظرة للسلطان هيثم بن طارق إلى السعودية خلال أيام، أهلاً بالسلطان والسلطنة والإمبراطورية الضاربة في التاريخ من سواحلها في أفريقيا إلى سواحلها في الخليج".

المصدر | الخليج الجديد + متابعات