الأحد 18 يوليو 2021 09:24 م

وصل الوضع السياسي في الكويت إلى مرحلة يرثى لها، لم يشبها الاقتتال البيروقراطي الداخلي بين الفروع الحكومية فحسب، بل أيضا اندلاع اشتباكات داخل قاعة البرلمان.

وفي وقت مبكر من يناير/كانون الثاني 2021، قدمت أول حكومة تحت حكم الأمير "نواف" استقالتها وسط توترات تشريعية تنفيذية تختمر؛ ما دفع الكثيرين إلى التكهن بعودة رئيس الوزراء "صباح الخالد". وبعد تأكيد الثقة الأميرية، أعلن الأخير في وقت لاحق عن تشكيل فريق جديد، بعد أسابيع من المشاورات مع المسؤولين الحكوميين السابقين والحاليين.

وبالرغم من الوجوه الوزارية الجديدة، التي تعكس موقف الحكومة التصالحي، فقد تفاقم المأزق السياسي منذ مارس/آذار، حيث كان نواب المعارضة قاسين في انتقادهم للحكومة. وبالرغم من الدعوة الأميرية لـ "التعاون البناء"، أصر أحد ممثلي المعارضة على أن التشكيلة الجديدة بعيدة كل البعد عن "الإنقاذ" الذي تحتاجه البلاد.

وسرعان ما تطورت الشكوك إلى سياسات شخصية، حيث نما معارضو الحكومة إلى كتلة من 31 رجلا في محاولة لإفشال أي خطط وزارية. وكانت النتيجة سياسة مفككة باستمرار، وجلسات برلمانية معطلة، ودعوات للتدخل الأميري. وتم تمرير مشروع الموازنة الأخير وسط جدل، بينما لا يزال الانسجام بين الوزراء والنواب حقيقة بعيدة.

  • وزارة جديدة بأهداف قديمة

وكان وجود 4 وجوه وزارية جديدة تعني إقالة وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء واستبدال 3 مناصب وزارية أخرى متنازع عليها، وهي العدل والتجارة والصناعة وشؤون الإسكان، بوزراء تكنوقراط.

وتعرض "أنس الصالح" في السابق لانتقادات شديدة عندما كان وزيرا للداخلية، لكن تم الإبقاء عليه في حكومة يناير/كانون الثاني دون حقيبة محددة. وكانت المفاجأة في الحكومة الجديدة هي اختيار المخضرم "عبدالله الرومي"، وهو سياسي معارض سابق يحترمه كلا الجانبين، وقد تم تعيينه الآن وزيرا جديدا للعدل، كما يترأس هيئة مكافحة الفساد "نزاهة"، ويتولى منصب نائب رئيس الوزراء.

وتشير التعديلات الأخرى واختراع حقائب وزارية جديدة إلى رؤية الحكومة، بما في ذلك تسميات مثل "الطاقة المتجددة" و"تكنولوجيا المعلومات" و"التنمية الحضرية". وإلى جانب رئيس الوزراء، يواصل 4 أعضاء آخرين في حكومة "صباح الخالد" رئاسة الداخلية والدفاع والشؤون الخارجية والصحة.

وتجدر الإشارة إلى إضافة حقيبة شؤون مجلس الوزراء "تكتيكيا" إلى المسؤوليات الحالية لوزير الخارجية الشيخ "أحمد ناصر المحمد"، ما جعله الذراع اليمنى لرئيس مجلس الوزراء.

ومع ذلك، وبغض النظر عن النوايا الحسنة للحكومة، كان نواب المعارضة بعيدين عن الرضا، واستمروا في تقصي الأخطاء. على سبيل المثال، مع دخول الكويت في إغلاق جزئي في 7 مارس/آذار، أصبحت السيارات عالقة في شلل مروري، حيث تسابق الكثيرون للتغلب على موعد الحظر.

ودفع ذلك النواب إلى انتقاد وزير الصحة لسوء إدارة الأزمة، وتورط رئيس الوزراء بالتالي. وواصل الناقد الأكثر صراحة، النائب "بدر الداهوم"، استقبال أعداد كبيرة من الجماهير في منزله، بالرغم من تأكيد وزير الداخلية على البروتوكولات الصحية.

ولم تغير الاضطرابات السياسية أهداف المعارضة الرئيسية، أي رئيس الوزراء "صباح الخالد" ورئيس مجلس النواب "مرزوق الغانم". وكانت إعادة انتخاب الأخير لمنصب رئيس مجلس النواب في ديسمبر/كانون الأول الماضي مثيرة للجدل بشكل خاص.

وشهد شهرا مارس/آذار وأبريل/نيسان أحداثا محورية أشعلت فتيل أزمة سياسية. أولا، جاء قرار المحكمة الدستورية منتصف مارس/آذار الماضي بإلغاء عضوية "بدر الداهوم" في مجلس الأمة.

وما كان مثيرا للجدل يكمن في توقيت القانون الذي نص على منع من أهان الأمير من الترشح للمناصب العامة. وبالرغم من أن هذا القانون كان قد صاغه مجلس النواب السابق، ولم يُقر إلا بعد إدانة "الداهوم"، إلا أن إقالته ما زالت قائمة.

وبعد أيام قليلة من قرار المحكمة، تدخلت "القيادة العليا" في البلاد لنزع فتيل التوترات، بإطلاق سراح نشطاء المعارضة المحتجزين بعد تجمع انتهك القيود الصحية. ومع ذلك، فإن إدارة رئيس مجلس الأمة "مرزوق الغانم" اللاحقة لقضية "الداهوم" أعادت الوضع إلى ما كان عليه.

وفي 24 مارس/آذار، طالب 34 نائبا بالتصويت على رفض إسقاط عضوية "الداهوم"، لكن رفض رئيس مجلس النواب بعد ذلك بأسبوع؛ وهو ما أعطى الانطباع بأن القرارات السياسية تم اتخاذها من جانب واحد.

وبحلول نهاية مارس/آذار، تدهور الوضع السياسي أكثر في جلسة المجلس؛ حيث أدت الحكومة الجديدة اليمين. وبالرغم من الشكوك حول استمرار الجلسة، إلا أنها تحققت بصوت واحد فقط على النصاب القانوني؛ ما أحبط تكتيك المقاطعة للمعارضة. وهنا أُعلن رسميا أن عضوية "الداهوم" باطلة، ولكن كان رئيس الوزراء هو الذي تسلطت الأضواء عليه.

وبعد تلقيه طلبا سابقا لعزله بسبب "الانتقائية في التطبيق القانوني" من قبل النائب "محمد المطير" و"الداهوم" قبل عزله، دعا رئيس الوزراء بعد ذلك إلى التصويت لتأجيل أي محاولة لاستجوابه حتى أواخر عام 2022. وتم التصويت، وكانت النتيجة لصالح رئيس الوزراء، وإن كان ذلك مثيرا للجدل.

ومنذ ذلك الحين، أصبح رئيس الوزراء بمعزل عن الرقابة السياسية. وبعد مشادات ساخنة، أصدرت المعارضة بيانا وصفت فيه الأحداث بـ "اليوم الأسود" في الديمقراطية الكويتية.

  • تكتيكات المعارضة والمشاعر العامة

ومع الحصانة المتصورة لرئيس الوزراء، اختارت المعارضة بعد ذلك التكتيكات غير المباشرة، باستهداف الشخصيات عن طريق الارتباط. وفي أوائل أبريل/نيسان، قدم 23 نائبا "اقتراحا غير مسبوق" يطالب بإقالة رئيس مجلس النواب، واقترح أحد النواب من الحركة الدستورية الإسلامية تعديل النظام الداخلي للمجلس من أجل القيام بذلك.

واستمرت السياسة في التحول إلى الأسوأ، حيث ضغطت المعارضة في المزيد من الطلبات لعزل وزراء الخارجية والداخلية والصحة والمالية، و3 منهم من عائلة "الصباح" الحاكمة. وتم استخدام هذه التكتيكات غير المباشرة للضغط على حكومة "الخالد" للاستسلام.

وكان هناك مخطط آخر وهو منع انعقاد أي جلسة عادية للجمعية، على الأقل تلك التي لم يكن على جدول أعمالها عزل رئيس الوزراء. وشرع نواب المعارضة في شغل مقاعد الصف الأول التي يشغلها عادة الوزراء أثناء الإجراءات البرلمانية.

وبالرغم من فشل هذه الاستراتيجية؛ حيث قامت السلطة التنفيذية بمطابقة هذه الخطوة بمقاطعة خاصة بها، إلا أن تأثيرها ظهر في القاعدة الشعبية. ونظرا لأن تعليق الجلسات المنهجية أصبح موضوعا للاستياء الشعبي، فقد تم سماع هذه المظالم على ما يبدو عندما أعلن رئيس مجلس النواب عن جلسات الجمعية الخاصة التي تركز على القضايا. ومنذ ذلك الحين كانت هذه هي القاعدة.

ووسط الفوضى السياسية، يمكن أيضا استخلاص التصور العام من انتخابات فرعية سعت إلى ملء المقعد الشاغر الذي تركه "الداهوم". وأعلن "عبيد الوسمي"، وهو من أشد المنتقدين للحكومة، ترشحه بعد قرابة عقد من مقاطعة الانتخابات النيابية.

ولم يمنع فوزه في أواخر مايو/أيار فقط إضافة نائب جديد موال للحكومة، ولكن أصواته وصلت أيضا إلى مستوى قياسي، حيث تجاوز 43 ألف صوت. ومن خلال هزيمة منافسيه الـ 14، الذين سجلت أصواتهم مجتمعة أقل من 8% من الإجمالي، أشار انتصار "الوسمي" إلى دعم شعبي كبير خلال الكارثة السياسية المستمرة. وجعلت هذه المنافسة الانتخابية في الدائرة الخامسة، المعروفة بمكوناتها القبلية، نجاحه أكثر أهمية؛ فقد تجاوز انتصاره الحاجز القبلي.

  • مشاكل الميزانية

ويحيط الخلاف السياسي الأخير بميزانية الدولة، التي تم إقرارها خلال جلسة خاصة في أواخر يونيو/حزيران، دون أي مناقشة فنية. وكما كتب "عبدالله الخنيني" و"سلمان نقي"، يكمن الجوهر في عدم القدرة على محاسبة الحكومة، عندما يتم عادة الإشراف البرلماني من خلال ديوان المحاسبة.

وتم اتخاذ قرار الميزانية بهامش ضئيل، حيث رفض 30 نائبا التصويت، بينما صوت الوزراء من مدخل قاعة البرلمان، وهو مشهد غير مسبوق. وتتضمن الميزانية السنوية، المرتبطة بالإنفاق الحكومي، قضايا نقدية مرتبطة بالمواطن، بما في ذلك الأجور وإعانات الشركات والضمان الاجتماعي.

ووفقا لتقرير وزارة المالية، من المتوقع حدوث عجز مالي قدره 12.1 مليار دولار للسنة المالية اعتبارا من 1 أبريل/نيسان. ويأتي ذلك بعد تحذير وزير المالية "خليفة حمادة"، في مارس/آذار، من أن التعافي في أسعار النفط لا يزال غير كافٍ؛ حيث يحوم الآن حول 70 دولارا للبرميل، فيما يعد سعر النفط المطلوب لنقطة التعادل في الميزانية الكويتية 90 دولارا للبرميل.

وفي حين أن سد العجز المالي لا يزال يمثل أولوية، فإن أي حل حتى الآن قد ثبت أنه غير مواتٍ، على الأقل للبرلمان. ونظرا لأن صندوق الاحتياطيات العامة أوشك على النفاد، فقد رفضت اللجنة المالية البرلمانية مقترحات السحب من مكون آخر لصندوق الثروة السيادية، وهو "صندوق الأجيال القادمة"، وهو منصة ادخار مشتركة بين الأجيال. وبالمثل، تم رفض المقترحات التي تسمح للحكومة بإصدار سندات العام الماضي.

وسيتطلب الإصلاح المالي وقتا وتنفيذا حاسما، والذي كان أشبه بالمعاناة في هذه الأزمة السياسية التي طال أمدها. وإذا استمرت الكويت في تبني الحلول السريعة، كما جاء في تقرير "بلومبرج"، فإن الدولة ستبني "عجزا تراكميا في الميزانية قدره 184 مليار دولار على مدى الأعوام الـ 5 المقبلة".

  • تدخل من الأعلى

وأصدرت كتلة الـ 31 في 4 يونيو/حزيران، بيانا نددت فيه برئيس مجلس النواب ورئيس الوزراء باعتبارهما متهمين "بالاعتداء المباشر على حقوق الناس وصلاحياتهم". ورافق هذا البيان دعوات لأمير الدولة للتدخل.

واستقبل ولي العهد الشيخ "مشعل الأحمد" في أواخر يونيو/حزيران نواب المعارضة في لقاء وصف بأنه "صريح ويخدم مصالح الكويت". وتبقى الآثار الإيجابية لهذا الاجتماع غير مرئية. ومع دخول مجلس الأمة عطلة الصيف التي تستمر 3 أشهر، يحذر الأمير من تجاوز الحدود، وأن الإجراءات القاسية تظل تحت تصرفه.

ولا يحتاج الكويتيون كل هذا. وتحتاج السياسة الكويتية إلى تجاوز الاختلافات الشخصية والتوصل إلى حل وسط والخروج من "العاصفة الترابية" لاتخاذ قرارات حاسمة بشأن مستقبل الكويت.

المصدر | كليمنس تشاي/المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية - ترجمة وتحرير الخليج الجديد