الثلاثاء 27 يوليو 2021 01:42 ص

في الوقت الذي شهدت فيه البنوك الغربية انخفاضًا في تقييماتها بشكل كبير خلال الأشهر الـ 18 الأولى من وباء "كورونا"، كان أداء البنوك السعودية مفاجئا حيث انخفضت تقييماتها بمعدلات أقل وسرعان ما استعادت تقييمها في الفترة التي سبقت الوباء.

ومن خلال التعرف على محركات هذه الظاهرة، يمكن فهم التحولات داخل القطاع المصرفي السعودي والآثار المتزايدة التي أحدثتها السياسات المتعلقة بـ"رؤية 2030".

ازدهار القطاع المصرفي السعودي

وكان 2020، أكثر عام مربح حتى الآن لبنك "NCB" الأكبر في السعودية، حيث حقق صافي إيرادات تشغيلية قدرها 21.5 مليار ريال سعودي (5.3 مليار دولار).

وكان ذلك مدفوعا بزيادة قدرها 99% في محفظة التمويل العقاري التابعة للبنك، مما أدى إلى زيادة صافية في الدخل قدرها 7% في خدمات التجزئة المصرفية، فيما ارتفعت عمليات الخزانة بنسبة 20% مدفوعة بإصدار الصكوك الحكومية السعودية، وهي سندات متوافقة مع الشريعة الإسلامية.

ويمكن رصد توجهات مماثلة في جميع أنحاء القطاع المصرفي السعودي، حيث تمثلت المجالات الرئيسية للنمو في القروض السكنية وإقراض الشركات والحكومة.

وشهد بنك "الراجحي" زيادة في القروض العقارية بنسبة 90% في عام 2020، في حين أكد "البنك السعودي للاستثمار" على أهمية خفض الضرائب من 15% إلى 5% لمشتري العقارات بالتجزئة لتحفيز الطلب على الإسكان.

وتظهر أرقام البنك المركزي السعودي أن عقود تمويل الرهن العقاري السكني (المنازل والشقق والأراضي) قد زادت 17 مرة منذ عام 2016.

وجاء هذا النمو الاستثنائي مدفوعا بمبادرات من وزارة الإسكان وصندوق التنمية العقاري، وهي أولوية لـ"رؤية 2030" التي تستهدف ضمان ملكية 70% من المنازل بحلول 2030.

الرقمنة وتمويل المشاريع

وإلى جانب الإسكان، تركز بنوك المملكة على نقطتين أخريين، أولهما تنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة من خلال برنامج "كفالة" الذي توسع سريعا من 958 مشروعًا تم تمويله في عام 2018 إلى أكثر من 3500 في الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2020.

ونمت محفظة "الراجحي" الخاصة بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة من 23 مليار ريال في عام 2019 إلى 29 مليار ريال في عام 2020 بنسبة ارتفاع 26%. أما في القطاع البنكي بشكل عام، فقد تضاعف تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة منذ عام 2018.

أما المجال الثاني الذي تركز عليه البنوك، فهو زيادة الرقمنة، في إطار التحرك نحو اقتصاد غير نقدي.

ويتعلق هذا التطور بشكل وثيق بتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة حيث تأمل البنوك في زيادة الوصول إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة من خلال أنظمة رقمية أفضل.

يشار إلى أن 80% من الحسابات الجديدة يتم فتحها رقميا، فيما أصبحت 30-50% من المعاملات رقمية بالكامل.

وتتجلى خطوة الرقمنة في منح التراخيص لأول بنكين رقميين بالكامل في السعودية في وقت سابق من هذا العام، حيث سيتم إعادة تسمية محفظة شركة الاتصالات السعودية "STC Pay" إلى بنك " STC" برأس مال قدره 2.5 مليار ريال سعودي، بالإضافة إلى "بنك السعودية الرقمي SDB" برأس مال 1.5 مليار ريال سعودي.

وتجسد هذه التراخيص الجديدة رغبة المملكة في أن تصبح محورا ماليا وأن تزيد كفاءة وانتشار نظامها المصرفي. ومع إنه من الصعب قياس تأثير هذه البنوك الرقمية، إلا أنه يعتقد أنها ستحاول جذب المناطق السعودية التي لا يوجد فيها إلا فروع قليلة للبنوك أو لا يوجد فيها فروع.

وبحسب التوقعات، فإن نسبة مستخدمي الخدمات البنكية على الإنترنت ستتزايد لتصل إلى 97% في عام 2025.

وستؤدي البنوك الرقمية إلى تحفيز الابتكار لدى البنوك التقليدية كما ستضمن أن يكون المجتمع السعودي في طليعة تطورات النظام المالي الرقمي.

وسيخضع البنكان الرقميان "STC Pay"  وبنك السعودية الرقمي "SDB" تحت نفس الإطار التنظيمي الذي تخضع له البنوك السعودية الأخرى رغم أن محافظ البنك المركزي قال إنه سيكون هناك إشراف إضافي لمكافحة خطر تمويل الإرهابيين وغسيل الأموال.

البنوك الأجنبية تنضم للسوق

منحت السعودية أيضا عددا من التراخيص المصرفية للبنوك الأجنبية على مدار العقد الماضي، من بينها "QNB" و"كريدي سويس" و"بنك الصين الصناعي والتجاري ICBC" الذي سينضم إليه قريبا بنك صيني ثان، هو بنك الصين (BOC)، أما بنوك "سيتي بنك" و "وجولدمان ساكس" فإن لها تراخيص سوق مال.

وتضم هذه البنوك الأجنبية مجتمعة أقل من 1% من إجمالي الأصول في المملكة ولن تصبح منافسة للبنوك السعودية؛ لذلك ستركز على تمويل المشاريع الضخمة وخدمات الوصول لرأس المال، كما ستعمل كوسيط بين الشركات الدولية والجهات الفاعلة السعودية.

وتم تنظيم ترخيص البنوك الأجنبية لضمان الانتشار الجغرافي للشركاء الهامين؛ وهم "جي بي مورجان" من الولايات المتحدة، و"ICBC" و"BOC" من الصين، بالإضافة إلى بنك باكستان الوطني، وبنك "MUFG" من اليابان، بالإضافة إلى "بنك دبي الوطني" و"بنك أبوظبي الأول" من الإمارات.

وتعد هذه البنوك لاعب مهم في حملة الخصخصة، بما في ذلك خطوط الأنابيب والمطاحن والمستشفيات والمطارات. كما يتم تشجيع البنوك الأجنبية بقوة على المساعدة في تدريب السعوديين لزيادة السعودة، وهو هدف مهم آخر من "رؤية "2030.

وأطلقت "أرامكو" السعودية، إلى جانب مجموعة من البنوك وشركات المحاسبة، بما في ذلك "HSBC" و"ديلويت"، ما سمته "أكاديمية التميز" التي تهدف إلى التميز في مجالات التمويل والمحاسبة، وهو المشروع الأول من نوعه الذي يهدف إلى إنشاء تجمع لذوي المهارات العالية من الخريجين السعوديين، مما سيساعد المملكة على النجاح في برامج التنويع وضمان امتلاكها للخبرة والقوى العاملة اللازمة لجعلها مركز خدمات مالية إقليمي.

البنوك ورؤية 2030

وتساهم البنوك بدور مهم في "رؤية 2030" باعتبارها لاعب مركزي في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر وتسهيل التنويع الاقتصادي، كما أنها مؤشر على سياسات ولي العهد التي تستهدف إرضاء الخارج.

وما تزال هناك أسئلة فيما يتعلق بقدرة البنوك على العمل المستقل، فقد استندت ربحية البنوك السعودية إلى المبادرات الحكومية والإنفاق من صندوق التنمية العقاري، في حين أن برنامج كفالة يموله صندوق التنمية الصناعية السعودي.

وبالرغم أن تشجيع السعودة ونمو المشاريع الصغيرة والمتوسطة وامتلاك المنازل من أهداف "رؤية 2030"، إلا أن استدامة هذه المشاريع غير مؤكدة بمجرد تقليل التمويل الحكومي.

كما أن التركيز على الرياض يحدّ من التنمية في بقية أنحاء البلاد، حيث تتلقى العاصمة أكثر من ثلث تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة بالرغم أنها تضم أقل من ربع السكان، بالإضافة إلى أن إجبار الشركات على وضع مقرها الرئيسي هناك يحد من قدراتها على الانتشار، خاصة بالنسبة للبنوك.

المصدر | بيوتر شولكيس/ معهد الشرق الأوسط - ترجمة وتحرير الخليج الجديد