الاثنين 26 يوليو 2021 06:47 م

بناء الذات أولا

إنجازات مرحلية تنحصر فقط في دورة حياة السُّلطة القائمة ومكاسبها الراهنة ولا تمتد أبعد من ذلك.

شبه إجماع لدى السواد الأعظم من أبناء الأمة أن المشكلة الحقيقية تكمن في السلطة العربية أياً كان فكرها ولونها ورائحتها.

لم يكن ترمومتر تقدم الأمة واضحا فكانت القياسات والمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية دَجَلا كبيرا يتهاوى بعد سقوط سُلطة وقيام أخرى وكأنه لم يكن.

الأمر يتطلب من الأمة أن تقاتل في أكثر من موقع بالداخل والخارج لتحقيق أهدافها لكن دولة المواطنة أمر في غاية الأهمية بعد أن جربنا مرحلة الأيديولوجيات.

كيف يمكن لأمة أن تنتصر في أي معركة وقرار هذه المعركة يتخذه فردٌ واحد أو أن تتقدم والمواطنون فيها درجات منها ما هو فوق السحاب ومنها من هو تحت الصفر؟

معركتنا مع الذات تجد من المقاومة شيء كثير داخل جيوب الأمة والتي تريد أن تمسك بعقارب الساعة من المضي قدما، هي بداية حقيقية لانتصار الأمة على نفسها.

*     *     *

عندما ضربت مصر عام 1967م وهُزِم العرب عسكرياً أمام إسرائيل، انحاز الكثيرون ضد الفكر القومي بمشمله ولم يروا فيه أية إيجابية رغم ما له من أبعاد أقلها وأبسطها التأكيد على الكرامة وشرف الأمة.

وحين تنازعت الأمة تيارات الإسلام السياسي على أشكالها حتى بدأ أعدى أعداء الأمة على مقربة من بعضها لارتباط المصالح وعلى نقيض من الطرف الآخر من بعضها الآخر الاستئصالي، أدركت الأمة أنها في مهب الريح.

إلا أن هناك شبه إجماع لدى السواد الأعظم من أبناء هذه الأمة أن المشكلة الحقيقية تكمن في السلطة العربية أياً كان فكرها ولونها ورائحتها، بل إن رائحة الصراع العرقي والأيديولوجي والطبقي تفوح أينما اتجهت داخل محيطها العربي.

لم يكن ترمومتر تقدم الأمة واضحاً كما يجب، فكانت القياسات بما فيها المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية دَجَلا كبيرا ما يلبث بعد سقوط سُلطة وقيام أخرى حتى يتهاوى وكأنه لم يكن.

فالإنجازات مرحلية، لأنها تنحصر فقط في دورة حياة السُّلطة القائمة ومكاسبها الراهنة ولا تمتد أبعد من ذلك.

والآن بعد كل ما وصلت إليه الأمة في تهاون وتخاذل وما يواجهها من تحديات مصيرية لا تزال هناك أصوات تنادي بمخارج وبوسائل إنقاذ مختلفة بما فيها من التحاق بركب العولمة الجارف رغم تشوه هياكلنا كأمة، الاقتصادية منها والسياسية.

ولم يوضع الترمومتر الحقيقي لإعادة بناء الذات العربية والإسلامية وضع الإنسان داخل مجتمعه العربي والمسلم، فكيف يمكن لأمة أن تنتصر في أي من معاركها وقرار هذه المعركة يتخذه فردٌ واحد، بل كيف لها أن تتقدم والمواطنون فيها درجات منها ما هو فوق السحاب ومنها من هو تحت الصفر؟

يبدو أن الأمر يتطلب من الأمة أن تقاتل في أكثر من موقع في الداخل والخارج لتحقيق أهدافها ولكن ضرورة الاقتناع بدولة المواطنة أولاً أمر في غاية الأهمية بعد أن جربنا مرحلة الأيديولوجيات.

لعلي على يقين أن أكبر إنجاز للحضارة الغربية والذي مكَّنَها من السيادة والتسيد والانتشار هو تحقيقها الفعلي والواقعي وتطبيقها كذلك لمفهوم المواطنة.

فلم تحقق هذه الحضارة شيئاً يُذكر حينما كان المجتمع طبقات من نبلاء وعبيد ورجال كنيسة، ولم تحقق شيئاً عندما ساد الفكر القومي المتعالي في أرجائها (مع تقديري للاعتزاز بالهوية والتاريخ والثقافة).

على كل حال تبدو الأمور وكأن معركتنا مع إسرائيل هي الخاتمة، لكن الحقيقة أن معركتنا مع الذات والتي تجد من المقاومة الشيء الكثير داخل جيوب الأمة والتي تريد أن تمسك بعقارب الساعة من المضي قدماً هي البداية الحقيقية لانتصار الأمة على نفسها، قبل أن تتمكن من الانتصار على الغير.

* عبد العزيز الخاطر كاتب صحفي قطري

المصدر | الشرق