الجمعة 30 يوليو 2021 10:14 ص

الخلاف بين السعودية والإمارات… جذوره ومآلاته

بدل أن تسند الإمارات السعودية ودورها الجديد راحت تنافسها وتعتبر نفسها أكثر تأهيلا من السعودية.

ابتعدت السعودية عن سياسات بن زايد المتهورة وفتحت خطوطا على إيران وتركيا وأعلنت مبادرة لوقف القتال في اليمن وتراجعت عن دعم خليفة حفتر في ليبيا.

بعد تأكد فشل ترامب في الفوز برئاسة ثانية تغيرت الأمور فحصل تحول أدى لمصالحة سعودية مع قطر وتقارب مصري قطري كمؤشرات على علاقة متوترة بينهما.

تكاد تكون الإمارات في عزلة! فهل تتعلم الدروس وتعود لرشدها بدل الارتماء المهين بأحضان الكيان الصهيوني الذي تصنفه منظمات حقوق الإنسان نظام فصل عنصريا؟

*     *     *

في اللقاء الأخير الذي جمع بين محمد بن زايد، ولي عهد الإمارات ومحمد بن سلمان، ولي عهد السعودية، يوم 19 من الشهر الحالي، حاول المسؤولان أن يتركا انطباعا بأن الخلافات بين البلدين قد تم تجاوزها وأن الأزمة العلنية حول حصص بيع النفط قد انتهت بعد أن تم التوافق قبل الاجتماع بيوم واحد داخل أوبك والدول ألأخرى (أوبك+) على الاستمرار بالحصص الحالية لنهاية عام 2022.

جاءت الخلافات الأخيرة بين السعودية والإمارات وكأنها مفاجأة لكن العلاقات بين البلدين وبين الرجلين متوترة منذ زمن قبل موضوع النفط. فالخلافات أبعد بكثير من ذلك وتعود جذورها إلى بدايات تأسيس مجلس التعاون الخليجي والخلافات الحادة بين البلدين على الحدود.

إلا أن خطر الثورة الإيرانية وبداية الحرب العراقية الإيرانية قد دفعت بتلك الدول إلى التقارب أكثر والعمل معا وحشد إمكانياتها كي لا تنعكس تلك الثورة على الأوضاع الداخلية بسبب وجود أقليات شيعية قد يغريها وهج الثورة الإيرانية فتبدأ تتحرك ضد أوضاعها التي لا شك أنها ليست مثالية.

لم تكن قيادة السعودية للمجلس في تلك المرحلة موضع شك كونها أكبر دول المجموعة وأكثرها تأثيرا من النواحي السياسية والاقتصادية والدينية.

في فترة التسعينيات كانت السعودية تعيش مشاكل داخلية وخارجية خاصة مع ظهور مجموعات متطرفة بدأت تستهدف الداخل السعودي بتفجيراتها بعد المشاركة في الحرب على العراق، إضافة إلى صعوبات اقتصادية وتراكم ديون.

في تلك الفترة كانت دولة الإمارات تقوم ببناء عاصمة مالية عالمية في دبي استعدادا لوراثة هونغ كونغ التي كانت على وشك العودة لحاضنتها الصينية. ولكي يتم ذلك لا بد من القيام بترتيبات أمنية وسياسية واقتصادية مع القوى الكبرى في العالم لضمان ألا تتعرض دبي لأي عمل إرهابي أو عدوان خارجي.

كان الشيخ زايد، المعروف بطيبة قلبه ونخوته الجاهزة لنجدة كل الضحايا سواء من كوارث طبيعية أو كوارث من صنع الإنسان، في سنوات عمره الأخيرة. وبدأ بعض أبنائه في نسج علاقات مع أجهزة الاستخبارات العالمية والشركات الأمنية لضمان أمن دبي لتكون مركزا ماليا مهما.

ومن هنا بدأ محمد بن زايد يرتب الأوراق لخلافة أبيه فعليا، وليس بالضرورة رسميا، وتم تأهيله للعب هذا الدور الكبير بالتوافق مع آل مكتوم في دبي. جذور الخلافات العميقة بين السعودية والإمارات بدأت تلك الأيام وأخذت مناحي اقتصادية وسياسية وأمنية متشعبة.

قيادة منطقة الخليج والتنافس الاقتصادي

حاولت السعودية أن تقرب دول الخليج إلى أحضانها أكثر فاقترحت في قمة للمجلس عام 2009 أن تتجه هذه الدول إلى التكامل الأمني والاقتصادي والمالي. وذلك بإنشاء «بنك مركزي» يكون مقره الرياض كخطوة أولى ثم تقوم دول المجلس بتوحيد العملة واعتبار المنطقة سوقا اقتصادية واحدة.

وبعد أن اعتمدت القرارات وعادت الدول جذلى بالمبادرة قررت الإمارات أن تنسحب من المشروع وتصر على أن تكون أبو ظبي مقرا للبنك المركزي فرفضت السعودية القرار وكظمت غيظها لهذا التحول، خاصة بعد ضم السعودية عام 2008 إلى مجموعة الدول العشرين G-20 وهو بمثابة اعتراف دولي بالأهمية الاقتصادية للسعودية.

فبدل أن تسند الإمارات السعودية ودورها الجديد راحت تنافسها وتعتبر نفسها أكثر تأهيلا من السعودية.

وبعد قيام ثورات الربيع العربي عام 2011 وما شكلته من مخاطر على مجمل الأنظمة الدكتاتورية عادت الرياض وطرحت فكرة قيام اتحاد بين دول الخليج على طريقة الاتحاد الأوروبي إلا أن الدعوة لم تلق آذانا صاغية من بعض دول المجلس وخاصة عُمان والإمارات وهذا ما وسّع الشقة بين البلدين وبطريقة صامتة.

خلال فترة إدارة ترامب حصل تقارب شديد بين بن زايد وبن سلمان. حيث خطط ترامب لتجريف أموال دول الخليج وبيع صفقات أسلحة ضخمة. والحقيقة أن محمد بن زايد عمل مع صديقه كوشنير، زوج ابنة الرئيس، لترتيب أمور خاصة بالسعودية. وتعززت العلاقة في حرب اليمن ابتداء من آذار/مارس 2015 وفي الاتفاق على مقاطعة وحصار قطر ابتداء من حزيران/يونيو 2017.

في هذه الفترة وافق الرئيس السابق ترامب على بيع الإمارات صفقة طائرات مقاتلة من نوع (F-35) المتطورة والتي منعت عن تركيا التي هي حليف استراتيجي للولايات المتحدة وعضو في حلف الناتو.

هذا مؤشر على أن أيام ترامب كانت شهر العسل بالنسبة لمحمد بن زايد والذي كشفت التحقيقيات أخيرا أنه صرف أكثر من 300 مليون دولار في حملته الانتخابية عام 2016 عن طريق بعض الشخصيات التي تعمل على تلك الحملة كان آخرهم اللبناني توم برّاك الذي أدين بتهمة شراء الولاءات دون أن يسجل نفسه كعميل خارجي.

وبينما كانت السعودية تعاني من آثار جريمة خاشقجي عام 2018 كان محمد بن زايد يختط لنفسه سياسة بعيدة عن الرياض في حرب اليمن وفي العلاقة مع إسرائيل وأعاد العلاقة منفردا مع نظام بشار الأسد في سوريا، وحسن علاقاته مع إيران وروسيا ودعم الجنرال حفتر في ليبيا.

لقد أحس محمد بن زايد أنه أصبح مؤهلا لقيادة المنطقة في غياب مصر وانشغال السعودية في حرب اليمن وآثار مقتل خاشقجي.

جذبت دبي العديد من الشركات العالمية لتفتح مقرات إقليمية لها في هذه المدينة بسبب التسهيلات المالية العديدة التي منحتها الدولة. فقد صنف البنك الدولي الإمارات في المرتبة 16 في سهولة ممارسة الأعمال للشركات بينما تصنف السعودية في المركز 62 .

إضافة إلى ذلك تميزت مدينة دبي عن بقية مدن الخليج بالانفتاح الزائد عن الحد وتوفير وسائل الراحة التي يبحث عنها الأجانب ولا تستقيم حياتهم بدونها. وكان ذلك على حساب السعودية التي لا توفر نفس وسائل الراحة والتسهيلات.

انفجر هذا التنافس عندما أصدرت السعودية قرارات بعدم التعامل مع الشركات التي لا تفتح لها مكاتب إقليمية في السعودية كما قررت أن تعيد تحديث موانئها وطرق المواصلات وبناء المدن الحديثة على البحر الأحمر وأن تصرف 149 مليار دولار لتحديث الدولة وتأهيلها لتنافس أعتى الدول في ميادين التجارة والشحن والسياحة.

الخلافات حول اليمن

كانت الإمارات من أهم الدول التي وقفت مع السعودية في التحالف العربي الذي أطلق «عاصفة الحزم». وقد قتل عدد ليس قليلا من الإماراتيين في المواجهات.

قامت الإمارات بتجنيد آلاف المرتزقة وسلّحت آلاف اليمنيين ليشكلوا جيشا قويا يواجه ميليشيات الحوثيين الذين كانوا يوسعون مناطق سيطرتهم بشكل كبير وكادوا يصلون إلى مشارف عدن إلى أن بدأت الغارات الجوية المتواصلة توقف زحفهم.

إلا أن رياح الحرب لم تهب كما أرادت سفن التحالف وبدا أن السعودية والإمارات قد تورطتا في حرب لا نهاية لها وأنهما لا تستطيعان كسبها. لكن الإمارات غيّرت برنامجها في الحرب وافترقت مع السعودية عندما بدأت تكون ميليشيات جنوبية وساهمت في إنشاء المجلس الإنتقالي الجنوبي الذي لا يخفي أهدافه في فصل الجنوب عن اليمن.

ابتعدت الإمارات عن مواجهة الحوثيين في الشمال وقامت بدعم المجلس في السيطرة على عدن ومناطق الجنوب ووقعت اشتباكات قاسية مع وحدات الجيش اليمني التابع للرئيس عبد ربه منصور هادي. فاضطرت السعودية إلى عقد اتفاقية بين الطرفين في الرياض في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2019.

لكن الإمارات والمجلس الانتقالي لم يحترما الإتفاقية. وفي شباط/فبراير2020 أعلنت الإمارات رسميا أنها انسحبت من الحرب اليمنية معلنة استراتجية جديدة تقوم على الدعم «غير المباشر».

ومعروف أن الإمارات ما زالت تحتل جزيرة سقطرى منذ عام 2018 وأضافت إليها جزيرة ميون في شباط/فبراير 2021. الانسحاب الإماراتي زاد من حنق السعوديين حيث تخلى عنهم الجميع وتركوا وحدهم يواجهون صواريخ ومسيرات الحوثيين ما اضطرهم إلى مفاوضة الإيرانيين مباشرة لإيجاد مخرج للحرب في اليمن.

فلسطين وقضية التطبيع

لا شك أن التطبيع الإماراتي والبحريني تم بعلم السعودية. واستطاعت الإمارات أن تجذب لمعسكر التطبيع كلا من السودان والمغرب.

وبعد التأكد من فشل ترامب في الفوز بدورة ثانية تغيرت الأمور. حصل تحول أدى إلى مصالحة سعودية مع قطر، وتقارب مصري قطري، وهذه مؤشرات على العلاقة المتوترة بين البلدين.

فقد ابتعدت السعودية عن سياسات بن زايد المتهورة وفتحت خطوطا على إيران وتركيا وأعلنت مبادرة لوقف القتال في اليمن وتراجعت عن دعم خليفة حفتر في ليبيا.

وأعادت تأكيدها الثابت لقضية فلسطين واستضافت قناتها الرسمية «العربية» خالد مشعل زعيم حركة حماس السابق المصنفة بأنها منظمة إرهابية حسب بن زايد.

وليس سرا أن علاقة الإمارات مع مصر باردة جدا حيث اتجهت مصر إلى العراق والأردن كبديل ودعمت الحكومة الشرعية في ليبيا وبدأت بالانفتاح على تركيا.

تكاد تكون الإمارات في وضع أشبه بالعزلة. فهل تتعلم الدروس وتعود إلى رشدها بدل هذا الارتماء المهين في أحضان الكيان الصهيوني الذي تصنفه منظمات حقوق الإنسان على أنه «نظام فصل عنصري»، وهذا النوع من الأنظمة مصيره إلى زوال.

* د. عبد الحميد صيام محاضر بمركز دراسات الشرق الأوسط، جامعة رتغرز.

المصدر | القدس العربي