الأحد 1 أغسطس 2021 09:18 ص

الانقلاب بالوصفة الشعبوية في تونس: مشروع عمره عامان

يحصل الانقلاب من خارج النظام السياسي لا من رأس النظام.. الصمت على الانقلاب أو التهليل له ممن يريدون الظهور كليبراليين فضيحة أخلاقية.

راح قيس سعيد يحضّر منذ اليوم الأول لانتخابه للانقضاض على الدستور الذي أتى به إلى موقعه وعلى مؤسسات يفترض أن يكون ساهراً على حمايتها.

الشعب تأخر في النزول إلى الشوارع لحماية مؤسسات الديمقراطية التونسية لكنه سينزل، بقوة وسلميّة ولن يبالي بترهيبه من مغبة اندلاع الحرب الأهلية.

من ذاق طعم الحرية 10 سنوات وإن عرف فقرا وإخفاقا في إتمام الممارسة الديمقراطية يعرف أنه بإمكانه الحفاظ على المكتسب العظيم دون انجرار إلى الدم.

*     *     *

لا يحتاج إطلاق وصف الانقلاب على القرارات التي اتخذها الرئيس التونسي قيس سعيد لكثير من الحسابات والتردّد. لا الفذلكات القانونية في ما يخص تفسير الفصل 80 من الدستور تجدي، ولا محاولة تعيين الأطراف السياسية المتضررة وتلك المستفيدة من الفرمانات تنفع، مثلما أنه لا يهم أن يكون المرء مع حكم "النهضة" أو رافضاً لكل أطياف الإسلام السياسي لكي يقيس دستورية الخطوة من عدم دستوريتها.

قدّم قيس سعيّد نموذجاً غريباً من تجارب الانقلابات، لا عربياً فحسب، بل ربما في تاريخ الانقلابات في العالم: نحن أمام رئيس راح يحضّر منذ اليوم الأول لانتخابه، للانقضاض على الدستور الذي أتى به إلى موقعه، وعلى المؤسسات التي يفترض أن يكون ساهراً على حمايتها.

عادةً، يحصل الانقلاب من خارج النظام السياسي، لا من قبل رأس هذا النظام.

وعادة ما يكون من قبل العسكر وقيادته مباشرة، أو من قبل واجهة سياسية للقوات المسلحة، وزير الدفاع خصوصاً، أو من معارضة يكون هدفها الأول استلام السلطة مع وعود كاذبة كثيرة من نوع إعادة إرساء الديمقراطية وإجراء انتخابات مبكرة لإعادة تسليم الحكم بلا تشوهات إلى المدنيين، على اعتبار أن السلطة المنقلَب عليها استبدت في حكمها وفشلت بشكل ذريع في إدارتها وخانت قسمها.

أما في زمن قيس سعيد، فقد وجدت تونس نفسها أمام رئيس جمهورية شعبوي اخترع معجماً جديداً للانقلابات ربما يستهويه كثيرون غيره من بعده.

لا مبالغة في القول إن مشروع محاولة الانقلاب الجارية في هذه الساعات في تونس، عمره سنة وتسعة أشهر، تحديداً منذ أكتوبر/تشرين الأول 2019، تاريخ انتخاب قيس سعيد رئيساً.

منذ اليوم الأول لعهد الرجل الذي انتحل صفة الثورة وشعاراتها، ظهر أن أمراً ما لا يستوي في علم السياسة عندما يُراد وصف شخصية الرئيس الشعبوي وخطابه السياسي الذي لا سياسة فيه.

رئيس يجعل من "الشعب يريد..." شعاراً لوصوله إلى قصر قرطاج، لا بد أن يكون فيه خطب سياسي فاضح. تتمة "الشعب يريد" معروفة: الشعب يريد إسقاط النظام مثلما تقول الأهزوجة.

إذاً قالها سعيد منذ عامين: إنه رئيس يريد إسقاط النظام. لا المؤسسات يعترف بها الرجل، ولا الأحزاب ولا الدستور الراقي جداً في صياغته عام 2014، الذي قضى سعيد نصف ولايته وهو يهجوه لأنه يضع ضوابط لتغول السلطات، ويقابل صلاحيات المؤسسات التشريعية بقيود السلطتين التنفيذية والقضائية.

دستور صار معروفاً أن من يوصف بأنه "فقيه دستوري استثنائي"، أي قيس سعيد نفسه، رفض المشاركة في أعمال لجنة صياغته، ثم سارع إلى ركوب متنه لكي يصير هو فخامة الرئيس.

حالة عجيبة أخرى في علمي النفس والسياسة لعبت على عواطف ونوستالجيا شعبوية ثورية عند طيف واسع من التونسيين، مستفيدة من فشل بيّن للحكومات المتعاقبة، في ظل أكبر أزمة اقتصادية تشهدها تونس في تاريخها الحديث، معطوفة على أسوأ مصيبة صحية يعرفها البلد والعالم، مضاف إلى كل ذلك وجود عائلة سياسية من يمين ويسار وما بينهما تجاهر بالرغبة في وضع حدّ للاستثناء التونسي الديمقراطي.

كل ذلك وسط محيط عربي معادٍ لكل ما تمثله تونس منذ عشر سنوات: تجربة ديمقراطية كان لها أثر العدوى، ولا تزال تثيرها في شوارع وفي عقول عربية كثيرة.

منذ انتخاب قيس سعيد، كان صريحاً في الكشف عن نواياه: النظام البرلماني سمّ سياسي. فصل السلطات يعيق حركتي. خطواتي للانقضاض على السلطة المطلقة الفردية متوفرة عندي وهي "كصواريخ على منصات إطلاقها".

الأحزاب أدوات منتهية الصلاحية في السياسة. السياسة أصلاً كريهة. البرلمان عنوان للفوضى. سداسية قيس سعيد كررها في كل مناسبة منذ عامين وربما يتحمل الجميع مسؤولية عدم التعامل بالجدية الكاملة مع خطورتها.

ظنّ التونسيون أن هذا لا يحصل في بلدهم، وظن العرب أن الاستثناء التونسي بما شكلته التجربة الديمقراطية منذ عشر سنوات، بحرياتها ومؤسساتها، كفيلة بأن تضع حدوداً لأحلام استبدادية كتلك التي يبشّر بها رئيس الجمهورية الكاره لدستور بلده ونظامه السياسي.

سايره كثيرون، فسمّى رئيساً للحكومة سرعان ما أعرب صراحة أنه لا يقبل أن يكون وزيراً أول في حكومة يترأسها حاكم قرطاج.

- تعطيل تأليف المحكمة الدستورية كان ولا يزال جريمة سياسية موصوفة في سجلّ قيس سعيد.

- التحريض على البرلمان جريمة ثانية.

- الحرب على الأحزاب، كل الأحزاب، جريمة ثالثة.

- تعطيل عمل المؤسسات بحجة الحرص على الصلاحيات التي تضمنها الدستور المكروه نفسه، جريمة رابعة.

كان لا بد من استلال الورقة السحرية: الجيش. جيش تونس لطالما كان استثناءً بدوره، أو هكذا ظننا: لا طموحات سياسية لقادة أركانه. ظلت هذه العبارة حاضرة في كل حديث سياسي وأكاديمي في تونس عند أي مقارنة مع ما يحصل في الإقليم، من مصر إلى سورية.

لكن ليل الأحد، ظهر أن لهذا الاستثناء العسكري التونسي حدوده. جلس قادة عسكريون رفيعو المستوى إلى يمين الرئيس ويسراه وباركوا الفرمان الانقلابي الليلي (مثلما يجدر أن يكون الانقلاب مع تفضيل أن يكون يوم إجازة رسمية مثلما هو حال أيام الآحاد في تونس).

ترجمة المباركة العسكرية جلية: البرلمان محاصر من الجيش المنتشر في الشوارع. مقار الأحزاب المكروهة من قيس سعيد بلا حماية أمنية، رئيس الحكومة مختفٍ، أي إما أن يكون هارباً من الاعتقال أو موقوفاً بالفعل. الحياة السياسية تخلي الساحة لشبيحة في الشوارع ينفذون انقلاباً أيضاً بشعار "الشعب يريد".

الصمت على الانقلاب أو التهليل له ممن يريدون الظهور كليبراليين، فضيحة أخلاقية. الشعب تأخر في النزول إلى الشوارع لحماية مؤسسات الديمقراطية التونسية. أغلب الظن أنه سينزل، بقوة لكن بسلميّة، ولن يولي اهتماماً كبيراً لترهيبه من مغبة اندلاع الحرب الأهلية.

ليست الحرب الأهلية مستحيلة في تونس، لكنها مستبعدة جداً، فمن ذاق طعم الحرية لعشر سنوات، وإن عرف الفقر والإخفاق في إتمام الممارسة الديمقراطية، يعرف أنه بإمكانه الحفاظ على المكتسب العظيم، من دون الانجرار إلى الدم.

* أرنست خوري كاتب صحفي لبناني

المصدر | العربي الجديد