بينما تعمل معظم دول الخليج على توجيه ميزانياتها بعيدا عن الاعتماد على النفط، تشق عُمان طريقا فريدا في سعيها لتحقيق التنويع الاقتصادي. وكمثال على ذلك، ستستخدم السلطنة خزاناتها النفطية من أجل تمويل تطوير موقع تاريخي وجذب سياحي. وتقدم هذه الاستراتيجية نموذجا لكيفية قيام جيران عُمان، مثل السعودية والإمارات، الغنية أيضا بالتراث الثقافي والموارد الطبيعية، بتهيئة اقتصاداتها للمستقبل.

وفي أواخر يونيو/حزيران، توصلت وزارة التراث والسياحة العمانية إلى اتفاقية مع الشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال ستقوم بموجبها الشركة بتمويل جهود إعادة تأهيل موقع "قلهات" التاريخي كوجهة سياحية.

وستمول الشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال (وهي شركة مملوكة للدولة تضم مساهمين رئيسيين آخرين مثل شركة "ميتسوبيشي" و"شل" و"توتال إنرجي إس إي") مكاتب إدارة وحماية الموقع، ومسارات المزار، واللوحات الإرشادية، ومنصات المشاهدة والمرافق الأساسية الأخرى.

ويبدو الجدول الزمني لتجديد "قلهات" غير واضح، لكن وزارة التراث والسياحة العمانية قدرت تكلفة المشروع بـ 311 ألف ريال عماني، أي ما يعادل أكثر من 800 ألف دولار.

وتقع "قلهات" على خليج عُمان شمال مدينة صور، وكانت بمثابة "أول عاصمة أسطورية لسلطنة عمان"، على حد تعبير كتيب عن الموقع التاريخي نشرته وزارة التراث والسياحة العمانية.

ويتتبع السجل الأثري، يعود إنشاء المدينة إلى القرن الحادي عشر. وتطورت "قلهات" إلى ميناء استراتيجي ومركز تجاري على مدى الأعوام التالية، وأصبحت ثاني أهم مدينة في مملكة "هرمز" والتي استمرت بشكل أو بآخر إلى القرن الـ 17. وأدى التخلي عن المدينة في القرن السادس عشر بعد احتلال "هرمز" من قبل القوات البرتغالية والهجوم المضاد على "قلهات" من قبل العثمانيين، إلى ضمان الحفاظ على الموقع التاريخي.

وتحتوي "قلهات" على حمام وضريح ومساجد وورش عمل، والعديد من المواقع الأثرية الرئيسية الأخرى. وتقول وزارة التراث والسياحة العمانية إن "قلهات" تحظى "بإمكانيات أثرية بارزة".

ويقدر العلماء أهمية "قلهات" منذ ما يقرب من ألف عام. ولاحظ رسام الخرائط العربي "محمد الإدريسي" المدينة في القرن الـ12، ورسم "ابن المجاور" تحصينات "قلهات" المميزة في كتابه عن السفر في القرن الـ13، الذي يُستشهد به كثيرا. حتى إن المستكشف الأمازيغي المغربي الشهير "ابن بطوطة" كتب عن "أسواق قلهات الجيدة وأحد أجمل المساجد" في "الرحلة" بعد زيارة المدينة عام 1331.

وبمساعدة الشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال يأمل المسؤولون العمانيون أن يتمكنوا من جذب الزوار إلى "قلهات" في القرن الـ21.

وتسبق علاقات الشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال مع "قلهات" اتفاقية يونيو/حزيران مع وزارة التراث والسياحة العمانية. وبالرغم أن سكان المدينة هجروها منذ فترة طويلة، إلا أن ميناءها لا يزال قيد الاستخدام، وهو يعمل اليوم كواحد من أهم المحطات في سلطنة عمان لتصدير الغاز الطبيعي المسال.

وتدير الشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال أيضا مصنعا للغاز الطبيعي المسال في المدينة من خلال شركة "قلهات للغاز الطبيعي المسال"، وهو مشروع مشترك بين الشركة المملوكة للدولة والحكومة العمانية وشركة ميتسوبيشي وشركات أجنبية أخرى.

وفي الماضي، كانت المواقع الأثرية في "قلهات" توفر خلفية ذات مناظر خلابة للأنشطة التجارية للشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال. ومع ذلك، فإن اتفاقية وزارة التراث والسياحة العمانية مع الشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال ستعيد تشكيل العلاقة بين الموقع التراثي وأغنى مستأجريه.

وقد صورت تغطية وكالات الأنباء العمانية الاتفاقية على أنها "نموذج لتعزيز الشراكة بين قطاع التراث والقطاع الخاص"، وهو توصيف يقلل من علاقات الشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال بالدولة العمانية. وبالنظر إلى أن الحكومة العمانية تسيطر على 51% من أسهمها، فإن الشركة تندرج ضمن القطاع العام وتمثل المصالح العمانية الرسمية. وقد ترأس "محمد الرمحي"، وزير الطاقة العماني، مجلس إدارة الشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال.

وتمثل مشاركة الشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال ووزارة التراث والسياحة العمانية في مشروع قلهات شراكة ليس بين القطاع الخاص والقطاع العام، ولكن بين ذراعين من أذرع الحكومة العمانية. ومن المرجح أن يبقي تجديد الموقع التاريخي على المسار الصحيح ويعزز ترويج سلطنة عمان لـ "قلهات" على مدى أعوام طويلة.

وفي عام 2018، حصلت عُمان على اعتراف رسمي بأهمية "قلهات" التاريخية من منظمة "اليونسكو". وفي ذلك العام، أضافت "اليونسكو" المدينة إلى "قائمة التراث العالمي" لأن "قلهات تقدم شهادة فريدة لمملكة هرمز" ولأن المخطط الحضري والمباني المحفورة في قلهات تظهر ملامح وخصائص خاصة بمملكة هرمز والبقايا الأثرية هي أكمل تمثيل لها.

ويمكن لقرار اليونسكو، إلى جانب الاستثمار من الشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال، أن يحول "قلهات" إلى واحدة من أفضل الوجهات السياحية في عُمان. وفي العام الماضي، شكلت صناعة الطاقة 72% من ميزانية الحكومة العمانية، وهو مؤشر على الأشواط التي يجب أن تقطعها السلطنة لتحقيق التنويع الاقتصادي، ما يعزز من أهمية الصناعات الأخرى مثل السياحة.

ومثل عُمان، تتصارع جميع المملكل النفطية في الشرق الأوسط لتحقيق التنويع الاقتصادي؛ حيث تستثمر السعودية أيضا في تراثها الثقافي الخاص كعامل جذب محتمل للسياح. ومع ذلك، تبدو المشكلة أكثر حدة بالنسبة لسلطنة عُمان، نظرا لأن لديها خزانات نفطية أقل وأصغر من العديد من جيرانها.

ويشير تقرير صادر عن شركة "بريتيش بتروليوم" لعام 2021 إلى أن عُمان ستستنفد إمداداتها من النفط في غضون 15 عاما، وإمداداتها من الغاز الطبيعي في غضون 18 عاما.

وفي الوقت الذي تسعى فيه عُمان إلى تحقيق أقصى استفادة من الوقود الأحفوري المتبقي لديها، فإن استثمار الشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال في "قلهات" كمنطقة جذب سياحي يشير إلى نهج جديد للتنويع الاقتصادي.

وتضخ السلطنة إيرادات صناعة الطاقة في "قلهات" وفي مشاريع السياحة بشكل عام والتي تعد واحدة من صناعات المستقبل. وقد يحذو جيران عُمان الأكثر ثراء حذوها قريبا.

المصدر | أوستين بوديتي | إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد