الاثنين 23 أغسطس 2021 12:51 م

تطبيع طالبان

هناك فجر جديد ينتظر الطلوع في أفغانستان فهل يسمح لشمسه أن تشرق؟

التركيز الغربي يبدو سطحياً إذ يحتل "الشادور" موقعاً أكبر من شكل النظام السياسي في السردية الغربية حول خطر سيطرة طالبان.

يبقى السؤال قائماً حول إمكانية تطبيع طالبان وتحويلها لقوة سياسية مقبولة بالسياق الدولي فهل الطريق ممهد أمامها لتحقيق الاعتراف الدولي؟

أمام أفغانستان مرحلة حرجة لكنها ليست أخيرة في معركتها نحو الاستقرار حتى وإن تشكل نظام سياسي مقبول دوليا فدوام استقراره ومأسسة النموذج تحديات قادمة.

تستحق أفغانستان أن تنعم باستقرار يعالج جراحات عقود من الحروب المتلاحقة فمنذ وطأتها دبابات السوفيات وحتى رحيل آخر طائرة أمريكية لم تتوقف المواجهات.

*     *     *

بعد أكثر من أسبوع من انهيار الحكومة الأفغانية وسيطرة طالبان على كابل لا يتبقى إلا ولاية بانشير منفردة خارج سيطرة الحركة، ورغم إعلان نائب الرئيس السابق توليه السلطة دستورياً وتهديد نجل أحمد شاه مسعود بمواجهة عسكرية طويلة، إلا أن السيناريو الأقرب هو أن طالبان قادرة منفردة على بسط نفوذها وتشكيل سلطة جديدة تكون الكلمة الفيصل لها في تركيبتها وشخوصها.

ومع نهاية المعركة داخلياً يبقى السؤال قائماً حول إمكانية تطبيع طالبان وتحويلها لقوة سياسية مقبولة في السياق الدولي، فهل الطريق ممهد أمام الحركة لتحقيق الاعتراف الدولي؟

منذ سقوط كابل أظهرت حركة طالبان درجة عالية من ضبط النفس، تستمر عملية الإجلاء من مطار كابل دون تدخل من الحركة، الاجتماعات مستمرة مع قيادات حكومية كانت تقود المعركة مع طالبان في وقت ما، والرسائل التطمينية حول حقوق الإنسان والمشاركة الشعبية والحكم التشاركي تستمر من قادة الحركة.

الإدارة الأمريكية المتورطة في فشل خطة الإجلاء وسرعة انهيار القوات الحكومية تخرج كل يوم بتصريحات تتأرجح بين تهديد طالبان برد فعل في حال أرادت العودة بالبلاد لشكل الحكم الطالباني السابق وقبول ضمني بسلطة طالبان من خلال تأكيد التواصل معها في مفاصل عملية الإجلاء المختلفة.

هذا التأرجح في الموقف هو السمة الغربية بشكل عام وإن أعلن مفوض السياسة الخارجية الأوروبي أنه يجب التعامل مع طالبان، التركيز الغربي يبدو سطحياً، يحتل "الشادور" موقعاً أكبر من شكل النظام السياسي في السردية الغربية حول خطر سيطرة طالبان.

وهناك محاولة لرسم مشهد يصور أن أفغانستان كانت تنعم بالحرية والتعددية قبل سقوط كابل بينما ترنح اليوم في تحت نير الحكم الثيوقراطي العنيف، بينما الواقع طبعاً هو أن الاستقرار الذي تشهده أفغانستان اليوم يكاد يكون استثنائياً خلال العقدين الماضيين، ولكن هل يمكن أن تتغير هذه المواقف إلى قبول رسمي وتعامل مباشر مع حكومة تقودها طالبان؟

الصين وروسيا استبقتا سقوط كابل باستضافة وفود من طالبان، بكين أعلنت عن اتفاق اقتصادي مهم مع الحركة يتعلق بمشروع الطريق والحزام وروسيا أعلنت استعدادها للتعامل مع حكومة تقودها الحركة، إذا ما أضفنا لذلك القبول الباكستاني بهذه الحكومة والتردد الغربي يبدو المشهد إيجابياً بالنسبة لطالبان وقدرتها على التواصل مع المجتمع الدولي.

ولكن المسألة ليست بهذه البساطة، فدون اعتراف دولي وقبول للتعامل معها ستواجه أي حكومة أفغانية قادمة تحديات جمة في جذب الاستثمار الأجنبي والحصول على مساعدات دولية والدخول في المنظومات الاقتصادية الدولية.

ورغم أهمية الصين وروسيا في شبكة العلاقات الاقتصادية والسياسية لأفغانستان، إلا أن هذين اللاعبين لا يمكن الاستعاضة بهما عن تحقيق الشرعية الدولية، المواقف الغربية ستكون هي حجر العثرة وسيتم استغلالها لدفع طالبان لتقديم تنازلات في شكل وتركيبة السلطة في المرحلة القادمة.

ولا يستبعد أن تقود إدارة بايدن جبهة دولية تماطل في الاعتراف الدولي لإضعاف الهيمنة الكاملة لطالبان على المشهد الداخلي، إلا إن قبلت طالبان بنظام سياسي شبيه لذلك الذي عملت على إسقاطه طيلة العقدين الماضيين وهو الأمر المستبعد إلى حد كبير.

طالبان من ناحيتها أكدت أن السلطة القادمة ستكون مرجعيتها إسلامية استناداً إلى العقيدة السياسية للحركة منذ تأسيسها، ولكنها قدمت إضاءات تفيد بقبولها بوجود شخصيات سياسية من الحكومات السابقة في السلطة الجديدة، وأن الضوابط الشرعية في المرحلة القادمة ستكون أكثر مرونة من عهد طالبان الأول.

على المستوى الدولي أثبتت طالبان من خلال إدارتها للمفاوضات مع واشنطن وتواصلها مع مختلف اللاعبين الدوليين خلال الأشهر القليلة الماضية استعدادها وقدرتها على التواصل الإيجابي خارجياً، التحدي الأكبر سيكون في شكل النظام السياسي الذي تقبل به طالبان.

الغرب يريده على مقاس ليبرالي غربي وطالبان تؤكد أنه سيكون أفغانياً من حيث الخصوصية إسلامياً من حيث المرجعية ومع غياب تعريف واضح لما هو مقبول من الطرفين ستسعى طالبان إلى عدم تقديم تنازلات تضعف سيطرتها على المشهد.

وسيسعى الغرب إلى حجب الاعتراف حتى يضمن نظاماً متماهياً مع القيم الغربية بالحد الأدنى ويسمح بوجود شخصيات ترضى عنها وتمثيل شكلي على الأقل للمرأة.

أمام أفغانستان مرحلة حرجة ولكنها ليست الأخيرة في معركتها نحو الاستقرار، حتى وإن تشكل اليوم نظام سياسي مقبول دولياً، فإن المحافظة على استقراره ومأسسة النموذج والوصول إلى تداول طبيعي للسلطة هي تحديات مراحل قادمة لا تقل خطورة أو صعوبة عن هذه المرحلة.

هذه البلاد وهذا الشعب يستحق بجدارة أن ينعم باستقرار يبدأ معه في علاج جراحات عقود من الحروب المتلاحقة، فمنذ وطأت دبابات السوفييت البلاد وحتى رحيل آخر طائرة أمريكية لم تتوقف المواجهات الداخلية والخارجية، اليوم هناك فجر جديد، فهل يسمح لشمسه أن تشرق؟

* د. ماجد محمد الأنصاري أستاذ الاجتماع السياسي المساعد بجامعة قطر

المصدر | الشرق