الثلاثاء 10 نوفمبر 2015 05:11 ص

في تحليلها للمواقف المختلفة من حادث الطائرة الروسية والتي تحطمت قبل 8 أيام فوق شبه جزيرة سيناء، قالت صحيفة «التايمز» البريطانية إن المؤرخين سيتعاملون مع كارثة الطائرة رحلة رقم 9268 كحالة للدراسة حول الطريقة التي تتخذ فيها القرارات المتعلقة بالمواضيع الحساسة، مع أن الضحايا الذين ماتوا في الحادث لن يعودوا وأن الدبلوماسية البريطانية اتسمت في تعاملها مع القضية بنوع من الخلل. 

فكان على الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي» الانتظار حتى تحط طائرته في مطار هيثرو ليبدأ زيارته غير الموفقة للندن. 

ورغم كل هذا، فعلى ما يبدو تثبت كل يوم يمر صحة القرارات التي اتخذها رئيس الوزراء «ديفيد كاميرون» حيث تحمل مسؤوليته تجاه المواطنين البريطانيين، فأمنهم يأتي أولا حسبما تقول الصحيفة.

فظهور معلومات أمنية تتحدث عن إمكانية حدوث تفجير في الطائرة أو «ثرثرة» بين ناشطي تنظيم «الدولة الإسلامية» في سيناء وسوريا كان أمرا يستدعي التحرك.

ولم يكن أمام الحكومة سوى افتراض السيناريو الأسوأ وهو تعرض الطائرة لهجوم إرهابي وتعرض الطيران الدولي للخطر. 

وتقول إن «الدولة الإسلامية» يتنافس مع «القاعدة» في قيادة الجهاد العالمي.

وكان تنظيم «القاعدة» هو من رفع سقف العمليات الإرهابية الكبرى في الهجمات التي نفذها على التراب الأمريكي في 11سبتمبر/أيلول 2001. 

وحول التنظيم أربع طائرات لسلاح دمار شامل وأجبر المسؤولين الأمريكيين على توقع الأسوأ.

معلومات دقيقة

وترى الصحيفة أن المعلومات التي قدمت لـ«كاميرون» يوم الخميس كانت دقيقة. وكانت تستدعي، تشديد الأمن على المطارات في كل أنحاء العالم. 

وتأمل الصحيفة، على المدى البعيد، أن يؤدي الحادث إلى تعاون مشترك وواسع بين الغرب وروسيا على الساحة السورية لهزيمة «الدولة الإسلامية»، مضيفة أن عملية تعزيز الأمن في مطارات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا يمكن المبالغة بأهميتها في ضوء التقارير التي تحدثت عن نوع من الاستهتار.

فلو كانت الرقابة شديدة لتم تحديد القنبلة التي وضعت في حقيبة من خلال كاميرات المراقبة وهو ما سمح بإحباط العملية. 

وتقول الصحيفة إن السياح، بعد كل عملية، يتأثرون وتتأثر خططهم. وإذا كان «الدولة الإسلامية» قد تخلى عن استراتيجيته التي تقوم على التحكم في مناطق بسوريا والعراق وقرر بالإضافة إلى هذا نشر الرعب ضد أعدائه، فسيتأثر جيران سوريا بمن فيهم تركيا التي ستصبح جبهة أمامية. 

وتضيف أن بعض شركات الطيران قد تقرر اتباع أساليب شركة الطيران الإسرائيلية «العال» التي تقوم بمقابلات طويلة مع كل مسافر على خطوطها بالإضافة لاستخدام برامج كمبيوتر متقدمة للتعرف على الوجوه. 

وقبل الوصول إلى هذا المستوى، على الرئيس الروسي أن يقرر إن كان يرغب بالتراجع عن حملته العسكرية في سوريا أم سيزيد من جهوده.

وترى الصحيفة أن سجله يقترح الخيار الثاني «والمخاطر التي يواجهها السياح في مصر لا تقارن بما يواجهه المدنيون في مصر».

لا يمكن الثقة بهما

وفي هذا السياق تقول صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية إن روسيا ومصر أقل قدرة على مكافحة الإرهاب. 

وترى الصحيفة أن سقوط الطائرة الروسية شكل اختبارا مباشرا لروسيا التي قتل مواطنوها، ولمصر المسؤولة عن الأمن في منتجع شرم الشيخ من حيث أقلعت الطائرة. 

وقالت إن الحادث كشف الكثير عن سياسات النظامين الديكتاتوريين إذ يتحكمان في أوضاع البلدين، مشيرة إلى أن أول تصريح باحتمال تعرض الطائرة إلى عمل إرهابي جاء من الحكومة البريطانية، وأول إجراء اتخذ لحماية عشرات آلاف السياح الأجانب في سيناء جاء من لندن. 

ومع أن «بوتين» أوقف الرحلات الروسية إلى مصر يوم الجمعة، إلا أن المتحدث باسمه أصر في الوقت نفسه على أنه لا يوجد ما يدعو للاستنتاج بحدوث عمل إرهابي. أما وزير المواصلات المصري، فبالإضافة لتصريحاته «المنكرة»، فقد كان يعيق الجهود البريطانية في إجلاء سياح البلد إذ خفض من عدد الرحلات للندن من 29 إلى 8. 

وأضافت الصحيفة أنه بينما انصب هم الحكومات الغربية على حماية مواطينها، انصب هم نظامي «السيسي» و«بوتين» على الدفاع عن نفسيهما. وحاول كلاهما تسويق نفسه باعتباره محاربا يواجه «الدولة الإسلامية» وفروعه، واستخدم هذه الحرب لتحقيق أهداف أخرى، مثل قمع المعارضين المحليين وإبعاد الأنظار عن التراجع في مستوى الحياة. 

وقالت: «في الميدان الحقيقي فقد فشلا: فشل السيسي في تهدئة الوضع في سيناء بعد عامين من اتباع سياسة الأرض المحروقة، بينما تعثرت حرب بوتين ضد الثوار الذين يقاتلون نظام بشار الأسد». 

وأشارت الصحيفة إلى ما قاله مسؤول أمريكي وهو أن هناك مؤشرات قوية وإن لم تكن أدلة نهائية على أن الطائرة فجرت. 

ولكن الاعتراف باحتمال أن يكون «الدولة الإسلامية» اخترق الأمن المصري في مطار شرم الشيخ وأن تكون مغامرة «بوتين» في سوريا سببا لأسوأ هجوم على الطيران المدني الروسي في التاريخ لن يكون فقط أمرا محرجا، بل جرحا سياسيا خطيرا. 

ولذلك يستخدم كلا النظامين تكتيكات معروفة: الجعجعة والتشويش. فقال «السيسي» لتلفزيون «بي بي سي» ان الكلام عن إرهاب «يقصد منه تخريب الاستقرار والأمن في مصر ويشوه صورة مصر».

لوم أمريكا

ويصر المسؤولون الروس، الذين يزالون ينكرون الأدلة الكثيرة التي تشير إلى أن صاروخا روسيا مضادا للطائرات أسقط الطائرة الماليزية فوق أوكرانيا العام الماضي، يصرون على أن التحقيق سيأخذ شهورا قبل التوصل إلى أي نتائج. 

أما الإعلام الحكومي، الذي يسيطر عليه كل من «بوتين» و«السيسي»، فاعتاد أن يلوم الولايات المتحدة عند وقوع أي كارثة مهما كانت النظرية بعيدة الاحتمال. 

ولذلك قالت الصحيفة: «لن نستغرب إن أخبر المصريون والروس بأن وكالة الاستخبارات المركزية هي مسؤولة بشكل أو بآخر عن كارثة سقوط الطائرة في سيناء». 

وتابعت «من يبحث عن سبب أكثر منطقية عليه أن يفكر بهذه النقطة المتشائمة، وهي أن كلا من النظامين المصري والروسي أقل مهارة في مكافحة الإرهاب وأكثر مهارة في الكذب».

وإن كان هذا هو الحال، فهل سيتراجع «بوتين عن قراره التدخل في سوريا؟»

سيزيد من وجوده

وهو ما طرحته «كارول جي وليامز» بصحيفة «لوس أنجليس تايمز» الأمريكية حيث تساءلت إن كان «بوتين» سيتراجع عن حملته في سوريا بعد تفجير الطائرة الروسية؟ 

وقالت إن خبراء الإرهاب في العالم الغربي يتساءلون عما إن كان «بوتين سيعيد النظر في حملته لاحتواء التهديد الإسلامي في سوريا بعد بروز العامل الإرهابي وراء تحطم الطائرة، مشيرة إلى أن «سجل 15 عاما لبوتين في تبني سياسة خارجية قاسية يقول انه سيقوم بتكثيف دور روسيا في النزاع وليس التراجع خوفا من انتقام المتطرفين الإسلاميين الذين وضعوا اليوم روسيا نصب أعينهم».

وأضافت أن استعراض بوتين لعضلاته أدى إلى إثارة المشاعر القومية مما عزز صورته كزعيم قوي قادر على إعادة أمجاد الدولة السابقة في النظام العالمي لما بعد الإتحاد السوفيتي.

ويقول المحللون، الذين يتابعون الكرملين الروسي، إن بوتين سيتخذ موقفا لا يتزعزع ضد «الدولة الإسلامية» الذي قارنه بالنازية التي انتشرت في القرن الماضي. ويسيطر من يصفهم بالمتشددين على نصف سوريا ومناطق واسعة من العراق ولم يخفوا نواياهم لتدمير القوى الغربية الكافرة التي تضم روسيا الآن.

عملية وقائية

وبحسب «وليامز» فإن قرار «بوتين» إرسال قواته في سبتمبر/ أيلول 2015 إلى المناطق التي تسيطر عليها القوات الحكومية على الساحل السوري غرب البلاد يمكن النظر إليه كعملية وقائية ودفاعية في جوهره. 

فلا يفصل روسيا عن «الدولة الإسلامية» في العراق وسوريا وطالبان في جنوب- شرق أفغانستان سوى قوس مكون من دول وسط آسيا التي تتسم بالضعف ومجتمعات قوقازية غالبيتها مسلمة. وعليه فتفجير الطائرة يعتبر هجوما انتقاميا من التنظيم ضد التدخل الروسي في سوريا، مع أن الغارات الجوية استهدفت في غالبيتها جماعات معارضة للنظام السوري الذي يحاول «بوتين دعمه وتعزيز بقائه. 

وأشارت إلى أن «بوتين» انتقد الحملة الدولة التي تقودها الولايات المتحدة لـ«إضعاف وهزيمة تنظيم الدولة» ووصفها بالضعف وعدم التأثير، ولهذا قرر الغوص في الرمال السورية لإنجاز المهمة. 

ونقلت عن «آنا فاسيليفا»، البروفيسورة في الشؤون الروسية في معهد ميدلبيري للدراسات الدولية في مونتيري – كاليفورنيا قولها: «يعيش كل المجتمع في مزاج حشد معنوي بسبب البروباغندا التي تقوم بها الدولة في روسيا. 

و«الأمر في النهاية متعلق بدعاية الدولة إن كانت ستستمر بالحديث عن حالة الحصار التي تعيشها البلاد، وهو ما يعني أن أي تسوية أو تراجع سيكون علامة ضعف. وسيقول الإعلام الرسمي إن الطريقة الوحيدة لحماية المنزلة واحترام تطلعات الروس لن تتم إلا من خلال زيادة الدفاع عن المصالح القومية. وفي سياق علاقات روسيا مع الغرب فهذه الدعاية تغذيها».

وعلقت «فاسليليفا» أيضا بأن «بوتين يقدم نفسه كرجل قوي ويظهر موقفا «مسيانيا» (المخلص) في ما يتعلق بالتدخل الأجنبي، معلنا أن روسيا هي الطرف الوحيد القادر على تخليص العالم من التهديد الإسلامي. 

وتضيف: «يفهم (بوتين) أنه في حالة سيطرة «الدولة الإسلامية» على دمشق فسيؤدي إلى ظهور وضع مختلف، وستكون أفغانستان جديدة» في إشارة للتهديد الذي مثله المجاهدون الأفغان على الاتحاد السوفيتي السابق في الثمانينات من القرن الماضي.

وفي هذا الإطار قالت إن أفغانستان وطاجيكسـتان هما بمـثابة دولة واحدة، ويمكن للتنظيم هزيمة الحكام الـذين يتوارثون السلطة في دول وسط آسيا «ويفهم بوتين هذا الوضع ولا أحد يجادله فيه ولهذا فهو يتعامل مع التدخل السـوري كإجـراء احترازي».

استطلاعات الرأي

وتظهر الاستطلاعات أن الرأي العام اشترى دعاية النظام الروسي وأن الحكومة هي الوحيدة القادرة على تصحيح المشاكل النابعة من النزاعات الجيوسياسية. 

ففي دراسة مسحية قام بها مركز «ليفادا» في موسكو الشهر الماضي ظهر شعور نسبة 71% بالفخر للدور الذي تقوم به بلدهم على المستوى العالمي، فيما قالت نسبة 82% أن الغرب يمارس سياسة عدوانية ضد بلدهم.

وقالت نسبة 69% إن هدف السياسة الغربية هو إضعاف بلدهم روسيا وذلك من بين عدة خيارات حددها لهم المستطلعون.

ورأت «ويليامز» أن روسيا ستجد طريقة لحرف اللوم عنها حالة ثبت بالدليل القاطع أن عملا إرهابيا وراء تفجير طائرة متروجيت. وستقول موسكو إن الطريقة السخيفة التي تعامل فيها الغرب مع سوريا هي سبب الإرهاب.

وتشير هنا لموقف «بوتين» في الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث ألقى في سبتمبر/ أيلول خطابا ألمح فيه للدور الذي لعبه الغرب في الاضطرابات التي تشهدها المنطقة العربية.

صرف الأنظار

ويرى محللون روس أن التدخل في سوريا ما هو إلا محاولة من «بوتين» لحرف الأنظار عن مغامراته الخارجية خاصة في شرق أوكرانيا حيث تتكشف نتائج دعمه للانفصاليين الأوكرانيين هناك.

وتسببت المغامرة الأوكرانية بقتل 8000 شخص وتدمير العديد من البيوت ومحو مطار دونستيك الذي كان الأحدث في أوكرانيا وتعطيل البنية التحتية وخطوط الإتصالات والقطارات والمصانع بالإضافة لتشريد عشرات الألوف. 

ويعتقد أن الصواريخ والأسلحة المتقدمة التي قدمتها روسيا للانفصاليين كانت وراء سقوط الطائرة الماليزية الرحلة رقم 17 فوق أوكرانيا في 17 تموز/يوليو 2014 وقتل 298 راكبا كانوا على متنها. ولا شك فالدعم الشعبي الواسع لضم جزيرة القرم كان في أعلى مستوياته، لكن وصول جثث المقاتلين الروس في أوكرانيا أدى لتغير المزاج. 

ويرى «ديمتري أورشكين»، الباحث في المعهد الجغرافي، أن «بوتين» عاد إلى سوريا على أمل تكرار النجاح الذي حققه قبل عامين عندما نجح في إقناع الرئيس السوري بالتخلي عن أسلحته الكيماوية.

ويقول إن «بوتين» لا تهمه ردة فعل الروس الذين يؤيدونه أو لم يعودوا يهتمون بالسياسة والشؤون الدولية. 

وقد يتغير الموقف الشعبي عندما تتكبد الدولة خسائر كبيرة في المدنيين. وعندها سيبدأ «بوتين» في التراجع بهدوء كما فعل في أوكرانيا. وفي الوقت الحالي لن ينسحب بوتين من سوريا.