الثلاثاء 24 أغسطس 2021 08:51 م

التاريخ الاجتماعي لقطر والهوية الجامعة

سلوك الفرد وأخلاقه هما ما يحكم وطنيته التي تتّحد مع تاريخ هويته وتجمعه مع كل مواطن شقيق ومقيم.

أنثروبولوجية المجتمع القطري تنقسم بين الدولة والشعب إلى ثلاثة أصناف كبرى وهي قاعدة تشمل كل دول الخليج العربي.

يتكون المجتمع القطري بين الدولة والشعب كما بدول الخليج العربي ذات البعد العشائري من هذه الأصناف: قبائل البادية وعرب الحاضرة وقبائل الحاضرة.

تتشكل الهوية الاجتماعية الجامعة عبر ثلاثية: تاريخ الإنسان والأرض، وانتماء عروبي عريق، وإيمانها برسالة الإسلام في مسار تعبّدي وقيمي وحضاري.

تنطلق مرحلة انتخابات مجلس الشورى من مفهوم الهامش الديمقراطي لا المنظومة الديمقراطية الشاملة في مأسسة الفلسفة الدستورية الغربية أو تجارب دول الشرق.

*     *     *

باشرت قطر، أخيراً، التهيئة التنفيذية لانتخابات مجلس الشورى، وهي مرحلةٌ من الواضح تماماً أنها تنطلق من مفهوم الهامش الديمقراطي، لا المنظومة الديمقراطية الشاملة، سواء في مأسسة الفلسفة الدستورية الغربية، أو تجارب دول الشرق المتعدّدة.

وسبب ذلك أنّ سقف المطالب الإصلاحية في الخليج العربي، في نموذجها (الديمقراطي) يقوم على هيكلٍ يناسب الحكم العشائري، لدفع تطوره نحو الدولة المدنية، وهي رحلةٌ صعبة في الخليج العربي، لم تحقق اختراقاً نوعياً، حتى في تجربة الكويت الأعرق.

وفي قطر، مثلت مكانة الأمير الشخصية بعداً وحدوياً للشعب. لذلك كل أطراف الخلاف الأخير حول نظام الانتخابات يتمسّكون بهذا الموقف على صعيد الأفراد والمكونات الاجتماعية.

وعطفاً على نموذج أسر الحكم في الخليج، كان الموقف الإصلاحي الخليجي العام يتوجه نحو ما تسمّى الحكومة التي تمثل المشاركة الشعبية، ونحو البرلمان ذي الصلاحيات المؤثرة.

وفي بداية تسجيل جداول الناخبين، لم يُطرح السقف العام للمشاركة الشعبية، وإنما ثار الجدل وما صاحبه من خطوات التصنيف في مرحلة التدرّج الانتخابي داخل الهامش الديمقراطي، الذي يولد في أول موسمه السياسي الحديث.

وليست مهمة هذا المقال البحث في جدل الخلاف، الذي يُطوى بين أبناء قطر، بحكم تكافلهم الاجتماعي وجسور التواصل المهمة مع الأمير، وإنما يهدف إلى طرح أبرز المخاوف التي تؤثّر في علاقة النسيج الوطني القطري ومستقبله السياسي.

وهناك شبه إجماع وطني على إشكالية مادة التصنيف، وبعضهم يرى أنها مادّة مؤقتة، كانت تخضع للتدرّج الانتخابي. والحقيقة أن آثارها كانت سلبية جداً، وكانت الدولة والمجتمع في غنىً عنها، لكن الخلاف الحاد كان حول وسيلة الرفض، وما صاحبه من رسائل مسيئة، كرّست عنصرية مقابلة، ومرجعية قبلية في موسم مدني وطني.

ولسنا هنا نحدّد مساحة الخطأ والصواب بين مسؤولية المادة والتشريع من جهة والسلوك الرافض من جهة أخرى، ولكن الأهم دخول محفزات التفرقة نفسها في الأزمة الخليجية، وتمكّنها من الضغط على النسيج الاجتماعي، ووضوح توظيف الجدل وعنصريته من جهات خارجية، وهو ما عكس صورةً لم يعتدها أهل قطر في أنفسهم.

مركز الموضوع هنا هو علاقة ذلك الاستقطاب وتوظيفه منذ الأزمة الخليجية، حتى مشكلة جداول الناخبين، وهو الهوية القطرية الوطنية الجامعة، تحت التعريف المدني للمواطنة، تعريف لا يُنقص مطلقاً من مكونات المجتمع، بادية وحاضرة، وإنما يُحدّد سياق المواطنة في الإطار المدني، ليس للتأهيل للمناصب فقط، ولكن للانتماء الاجتماعي المستقل الذي يربط إنسان قطر بوطنه الأخير.

ويصنع ثقافةً محبّة لهذه الأرض، تقوم على قاعدة واضحة للتاريخ الاجتماعي تشمل كل أهل قطر، وتجمع من حصل على حق المواطنة اليوم مع من ورثها قديماً.

وهذا لا يُسقط حق التقادم التاريخي للأسر العريقة، ولا طبيعة اكتساب الأرض والبيئة بهم وبساحلهم، ولكنه يُنظّم الوطنية الاجتماعية التي تعزل أي شعور بالنقص أو القصور، بين مواطن اليوم ومواطن العهد القديم، وهي أقوى وسائل الوحدة الوطنية مع الدولة.

وهنا يبرز لنا التاريخ الاجتماعي لقطر، وتصحيح القراءة الخاطئة له. قبل ذلك نشير إلى أن أنثروبولوجية المجتمع القطري تنقسم بين الدولة والشعب إلى ثلاثة أصناف كبرى، وهي قاعدة تشمل كل دول الخليج العربي، ذات البعد العشائري، وهو بعد لا يخصّ البادية فحسب، بل يشمل الحاضرة:

هذه الأصناف هي قبائل البادية وعرب الحاضرة وقبائل الحاضرة. ارتبط الحكم في كل دول الخليج العربي بأسر من الشريحة الثالثة، فهي قبائل تحضرت من قرون أو من عقود، فلها مشتركاتٌ مع الشريحتين، يمثل توازنها معادلة استقرار وطني اجتماعي.

وهي هنا في حالة قطر في أسرة آل ثاني ومحيطها القديم من الأسر القطرية. فيما مثلت قبائل البادية وجوداً مستقرّاً في جزءٍ من وطنها الحالي، وبدوٌ رُحّل بين ساحل الخليج العربي والربع الخالي.

ونجد وصولاً إلى حدود العراق والشام، فتاريخ الخليج العربي الاجتماعي لم يتأسّس على حدود الدول، بما فيها الدولة السعودية. أما الشريحة الثالثة، فهم من قَدم، أو كان في الأصل يتنقل بين ضفتي الخليج من عرب برّ فارس أو ساحل الخليج الغربي الذي استوطنه العرب منذ قرون.

وكل من انضم إلى هذه الأرض بعد وثائق الجنسيات القديم، قبيلة أو فرداً في هجرة أو توطّنٍ جديدٍ قدم من أي أرض عربية، وحتى من لم تكن له أصول عربية، فهو يدخل في هذه الشريحة، فالعروبة هنا اللسان وطبائع أهل الوطن، وهي حالةٌ منسجمة في قطر، ومكرّرة من ديموغرافية ساحل الخليج العربي.

لا تحصُر هذه الشرائح الثلاث كل الأسر أو القبائل القطرية، ولكنها إطارٌ متقاربٌ يندمج فيه الجميع. المهم هنا هو الرؤية التأسيسية للتاريخ الاجتماعي الجامع والموحد. فقطر تنتمي إلى تتابع التاريخ العربي القديم في الساحل منذ الحضارات القديمة حتى بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وحتى الممالك العربية التي واجهت الغزو الأجنبي ومواجهة عرب الساحل للبرتغاليين، وقد ثَبّت المتحف الوطني القطري هذه الرسالة أخيراً.

وتشكلت ديمغرافيتها الحديثة خلال المرحلة الأخيرة التي تولت فيها أسرة آل ثاني الحكم، في سياق المنعطفات التاريخية للإقليم الذي أصبح بعد ذلك دولة، ورثت عهد المشيخة القديم، وتسعى إلى الانتقال إلى مفهومٍ يقارب الدولة المدنية الذي يناسب أجيالها، ومستقبلها العالمي، وأهم من ذلك يكرّس شخصيتها في تاريخ اجتماعي وطني متماسك ومستقل، لا يرتبط بأي دولةٍ أخرى.

ولا حرج في انتماء أصول الناس إلى دول عربية قديماً، لكن الهوية الاجتماعية الجامعة اليوم تتشكّل عبر ثلاثية: تاريخ الإنسان والأرض، وانتمائها العروبي العريق، وإيمانها بالرسالة الإسلامية في مسار تعبّدي وقيمي للفرد، وحضاري في انفتاحه للعالم. هنا يفترض أن سلوك الفرد وأخلاقه هما ما يحكمان وطنيته التي تتّحد مع تاريخ هويته، وتجمعه مع كل مواطن شقيق ومقيم.

* مهنا الحبيل باحث عربي مستقل، مدير المكتب الكندي للاستشارات الفكرية

المصدر | العربي الجديد