الاثنين 30 أغسطس 2021 09:34 ص

بين كارتر وبايدن، هل يعيد التاريخ نفسه؟

يبدو أن قدر الديمقراطيين هو أن يعيدوا ضبط المصنع للحالة السياسية الأمريكية من خلال إعطاء فرصة لخصومهم الجمهوريين لإعادة ترتيب أوراقهم.

الأزمة أصابت كارتر في أواخر رئاسته بينما فاجأت بايدن في بدايتها وهذا ليس أمراً إيجابياً لبايدن لأن هذه الأزمة سترسم المشهد في انتخابات 2022 النصفية.  

لا يشترط أن يعيد التاريخ نفسه فالمتغيرات كثيرة وإمكانية حدوث مفاجآت تبقى قائمة وسيناريو كارتر يلاحق بايدن مع تطورات سلبية لتعامل إدارته مع المسألة الأفغانية.

*     *     *

في نوفمبر من عام 1976 انتخب الأمريكيون الديموقراطي جيمي كارتر رئيساً بعد فترة من أصعب وأحلك الفترات في تاريخ ما بعد الحرب العالمية الثانية في واشنطن.

خلال السنوات التي سبقت وصوله للبيت الأبيض مرت الطبقة السياسية الأمريكية بأزمة غير مسبوقة نتيجة فضيحة ووترغيت والتي نتج عنها استقالة الرئيس نيكسون وتولي جيرالد فورد نائبه الرئاسة خلال أزمة اقتصادية خانقة ولم يفلح في العودة منتخباً إلى البيت الأبيض ليكون الرئيس الوحيد الذي لم ينتخب لمنصب الرئاسة في التاريخ الأمريكي المعاصر.

اختار الأمريكيون كارتر الذي كان يمثل صورة عكسية لنيكسون، وعد كارتر الأمريكيين بأنه لن يكذب عليهم أبداً، ودعا إلى إصلاح البيئة السياسية في واشنطن والتحول بالسياسة الخارجية الأمريكية نحو دعم حقوق الإنسان والسياسة الداخلية نحو تعزيز الرعاية الاجتماعية وكبح جماح وكالة الاستخبارات المركزية، باختصار مثل كارتر بديلاً أخلاقياً بعد فضائح نيكسون.

بعد توليه الرئاسة حاول كارتر عبثاً إصلاح الاقتصاد والطبقة السياسية والتحول نحو سياسة أخلاقية في الداخل والخارج، تفاقمت الأزمات الاقتصادية خلال فترة حكمه ووصلت مرحلة ركود بعد أزمة النفط في نهاية سبعينيات القرن الماضي.

ولكن أحد أهم أسباب خسارته انتخابات عام 1980 كان أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية في طهران، بعد نجاح الثورة هناك احتجزت مجموعة من الثوار 66 أمريكياً في السفارة بعد اقتحامها، دعم الخميني الثوار ما أدى إلى سقوط حكومة بازرغان.

ولم تبدأ المفاوضات إلا بعد الفشل الكارثي لعملية مخلب النسر العسكرية التي أمر بها كارتر أملاً في إنقاذ الرهائن ومقتل ثمانية جنود أمريكيين فيها، بعد صعود شعبية كارتر نتيجة موقفه الرافض لتسليم الشاه للثوار تراجعت شعبيته سريعاً مع استمرار احتجاز الرهائن وتعمد الخميني تأجيل الإفراج عن المواطنين الأمريكيين حتى رحيل كارتر عن البيت الأبيض وتحديداً بعد 30 دقيقة من تولي رونالد ريغان السلطة.

سلسلة الإخفاقات هذه نتج عنها سيطرة الجمهوريين على البيت الأبيض لاثني عشر عاماً متتالية، الرجل الذي كان يفترض به أن يكون المصلح والمخلص للسياسة الأمريكية غادر البيت الأبيض بعد أربع سنوات بجعبة فارغة من الإنجازات.

كثيرة هي أوجه التشابه بين كارتر وبايدن، كلا الرجلين جاء بعد فترة مضطربة سياسياً وأزمة أخلاقية في واشنطن.

كلاهما يمثل الوسط السياسي ويبدو مقبولاً لقطاع واسع من الأمريكيين من حيث العرقية والديانة والمواقف، كلاهما كان يتمتع بشعبية عالية قبل وصوله للبيت الأبيض، وكلاهما واجه أزمة اقتصادية خانقة، واليوم يواجه بايدن أزمة الانسحاب من أفغانستان كما واجه كارتر أزمة الرهائن في طهران.

وكما لاحقت الإخفاقات كارتر في أزمة الرهائن يبدو أنها تلاحق بايدن في كابل، عملية داعش الأخيرة التي أسفرت عن مقتل 13 جندياً أمريكياً تحاكي فشل عملية مخلب النسر، والتراجع السريع في شعبية بايدن إلى أدنى مستوياتها منذ توليه الرئاسة دليل آخر على تشابه الحالتين.

يبدو أن التاريخ يعيد نفسه مع فارق أن الأزمة أصابت كارتر في نهايات فترته بينما فاجأت بايدن في بدايته، وهذا قد لا يكون في الحقيقة أمراً إيجابياً لبايدن لأن هذه الأزمة سترسم المشهد في الانتخابات النصفيه ما سيعزز فرص الجمهوريين في السيطرة على المجلسين وإصابة الإدارة بشلل كامل خلال العامين الأخيرين لفترة بايدن الأولى.

بطبيعة الحال لا يشترط أن يعيد التاريخ نفسه، المتغيرات لا نهائية وإمكانية حدوث مفاجآت تبقى قائمة، ولكن سيناريو كارتر يلاحق بايدن كظله مع استمرار التطورات السلبية لتعامل إدارته مع المسألة الأفغانية، يبدو أن قدر الديمقراطيين هو أن يعيدوا ضبط المصنع للحالة السياسية الأمريكية من خلال إعطاء فرصة لخصومهم الجمهوريين لإعادة ترتيب أوراقهم.

* د. ماجد محمد الأنصاري أستاذ الاجتماع السياسي المساعد بجامعة قطر

المصدر | الشرق