الجمعة 3 سبتمبر 2021 06:06 م

 التداعيات الشرق اوسطية للانسحاب الامريكي من افغانستان

دعوت في دراسة منشورة قبل حوالي عامين الى أن على العرب أن "يستديروا شرقا قبل فوات الاوان"!

كان السؤال للباحثين: هل تعتقد ان الولايات المتحدة تتراجع في مكانتها في النظام الدولي؟ وكانت الاجابة التامة هي "نعم".

الانسحاب الامريكي من افغانستان ليس منفصلا عن هذا الاتجاه الاعظم الذي استند له الباحثون من جوانبه الاقتصادية والعسكرية والسياسية والاجتماعية.

ما تاثير الانسحاب من افغانستان على العلاقة الامريكية الاسرائيلية وضعف احتمال اتكاء إسرائيل على القوة الأمريكية لتحطيم أو تحجيم خصوم إسرائيل؟

تشعر اسرائيل أن عليها البحث عن دعم دولي للمرحلة القادمة؟ فمن هو؟ والى متى ستواصل أمريكا دعمها بل إن البعض يرى أنها قد لا تجد حليفا بوزن أمريكا.

تزايد طرق العرب لأبواب روسيا نتيجة إحساس بتغير موازين القوى الدولية في تحديد الاتجاهات العامة لسياسات قوى مركزية بالمنطقة (إيران، إسرائيل،  تركيا).

التراجع الامريكي لن يكون خطيا بل متذبذبا لكن اتجاهه الأعظم سيتواصل مما يستدعي تخطيط الدول العربية للتأقلم مع الحدث وهو ما بدأته اسرائيل وايران وتركيا.

*     *     *

لا أعتقد ان أيا من الباحثين في مجال الدراسات المستقبلية في العلاقات الدولية تفاجأ بالانسحاب الامريكي من افغانستان، ولدي قائمة بثلاثين  من أبرز العلماء والباحثين  في الدراسات المستقبلية، أمريكيون وأوروبيون وروس وصينيون ومن العالم النامي، تنبأوا بهذه النتيجة في اطار نظرية "التراجع الامريكي العام"،(وهناك رسالة دكتوراة تمت مناقشتها مؤخرا في الجامعة الاردنية حول هذه النظريات وكان لي شرف المساهمة في توجيه الطالبة). 

بل إن الاستبيان الذي تم توزيعه في المؤتمر الذي عقد في عام 1989 في واشنطن على العلماء والباحثين في الدراسات المستقبلية في العلاقات الدولية وكان عددهم 189 باحثا أجابوا على أحد الاسئلة بالاجماع!

كان هذا السؤال هو: هل تعتقد ان الولايات المتحدة تتراجع في مكانتها في النظام الدولي ؟ وكانت الاجابة التامة هي "نعم".

ويبدو أن الانسحاب الامريكي من افغانستان ليس منفصلا عن هذا الاتجاه الاعظم الذي استند له الباحثون من جوانبه الاقتصادية والعسكرية والسياسية والاجتماعية، ومن يريد التحقق من ذلك عليه متابعة منشورات World Future Society (خلال الثلاثين سنة الماضية).

ومن الضروري التنبه إلى أن التراجع الامريكي لن يكون خطيا، بل سيعرف بعض التذبذب، لكن اتجاهه الأعظم (Mega-trend) سيتواصل، وهو ما يستدعي التخطيط من قبل دول المنطقة وبخاصة العربية للتأقلم مع الحدث، وهو ما بدأت اسرائيل وايران وتركيا عمله، ومن يريد مزيدا من المعلومات حول هذا التاقلم  ان يعود الى دراسات معهد أبحاث السياسة القومية:

Samuel Neaman, America's Decline Israel's Trouble, Institute for National Policy Research.

أو كتاب:

James Petras, Zionism, Militarism and the Decline of US Power, 2009

أو دراسة:

Eldad Shavit, Shimon Stein,  Lesson in the Limits of Power: The Withdrawal of the United States and its Allies from Afghanistan, 2021, The Institute for National Security Studies (INSS).

الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب INSS حيث يركز هذا المعهد  على تاثير الانسحاب من افغانستان على العلاقة الامريكية الاسرائيلية خاصة ضعف احتمال الاتكاء الاسرائيلي التقليدي على القوة الأمريكية لتحطيم أو تحجيم خصوم إسرائيل (العراق، ايران.. الخ) إلى جانب الاهتمام بالوزن الإيراني في المنطقة وعلى دور الحركات الاسلامية في المنطقة.

أعود الأن الى التداعيات المباشرة والتداعيات غير المباشرة:

1. تزايد الطرق العربي على أبواب موسكو نتيجة إحساس أن موازين القوى الدولية في تحديد الاتجاهات العامة لسياسات القوى المركزية في المنطقة (إيران، إسرائيل،  تركيا) قد بدأت تتغير، وأن الشجرة التي استظلت بها الدول العربية المعتدلة بدأت اوراقها تتساقط تدريجيا، وهو ما يعني تقاربا محسوبا للاستظلال بأشجار جديدة.

فالتعاقد على صفقة عسكرية سعودية روسية، وبحث ايصال الكهرباء الاردنية للبنان مع موسكو، وتزايد الخلل في الميزان التجاري للمنطقة لصالح الصين بقدر كبير ومتزايد، والمفاوضات الايرانية السعودية، وتبادل التهاني للرئيس الايراني مع دول الخليج، وإرسال سفن المحملة بنفط  إيران (رغم الحصار الأمريكي) للبنان جهارا نهارا ومع تهديد الولايات المتحدة وإسرائيل من أي اعتراض لها، والقلق من العودة الامريكية للاتفاق النووي مع إيران، والاتفاق الاستراتيجي الصيني الايراني  والتدريبات العسكرية المشتركة الروسية الايرانية مع دول آسيا الوسطى وغيرها من متغيرات تدل على ان الانسحاب من افغانستان يعزز هذا التحول، لكن هذا التحول سيسير على مهل، ويحمل في أحشائه أجنة تغيير في معادلات التحالف الاستراتيجي او التكتيكي.

لقد دعوت في دراسة منشورة، وفي محاضرة في مدرج الجامعة الاردنية وفي الجمعية الفلسفية الاردنية قبل حوالي عامين الى أن على العرب أن "يستديروا شرقا قبل فوات الاوان"!

2. تشعر اسرائيل (طبقا لما يرد في دراساتهم) أن عليها البحث عن سند دولي للمرحلة القادمة؟ ومن هو؟ والى متى سيواصل الأمريكون دعمهم لاسرائيل، بل ان بعض دراساتهم ترى ان اسرائيل قد لا تجد حليفا بوزن ومصداقية الولايات المتحدة في العلاقات معها.

3. الغريب ان العرب –خاصة دول التطبيع المتأخر– بدأت تطبع مع إسرائيل وتستعدي إيران ظنا منها أن ذلك سيجعل الغطاء الأمريكية لهم أوسع، ولم يقرأوا الواقع الا بعد أن "اشتعلت لحاهم" على رأي شيمون شامير!

4. إن تأخر العرب في الاستدارة  شرقا سيجعل موقفهم التنافسي مع الآخرين للعلاقة مع الشرق ضعيفا، فالعالم ينحاز لك بمقدار النسيج الذي تنسجه معه وليس " شهامة ونخوة عرب"، فليس مصادفة ان نسبة(أؤكد نسبة) التزايد للعلاقة بين  اسرائيل والصين هي الاعلى مقارنة مع العلاقات الصينية مع دول المنطقة.

ولكن أرى ضرورة التنبه لما يلي:

أ- ان العلاقات الامريكية مع المنطقة ستكون اشبه بعلاقة امرؤ القيس مع عشيقته( فَسُليْ ثيابُكِ من ثيابي تَنْسُلِ"، أي انها ستتقلص بطريقة الانسلال لا التمزيق التام ، وهو ما سيجعل البعض يرتبك في اختيار آلية الاستدارة..

ب- اعتقد أن بعض الدول ستحاول  "تهدئة" علاقاتها المضطربة مع بعض الحركات الاسلامية المعتدلة تدريجيا، وستتحلل هذه الدول من ارتباطاتها بمشروع مؤسسة راند RAND الخاص بالتيارات المعتدلة في الحركات الإسلامية.

ومن يريد المزيد عن هذه النقطة انصحه بقراءة أطروحة الدبلوم العالي التي كتبها عبد الفتاح السيسي (الرئيس المصري الحالي) في كلية الحرب الامريكية  في بنسلفانيا عام 2006 وعنوانها: “Democracy in the Middle East” واشرف عليها الضابط الامريكي ستيفن جيراس.

ج- أرى ان زمن التنظيمات المتطرفة في طريق النهاية، فطالبان " ستجبر قسرا او طوعا "  على الانصياع ، وداعش وفسائلها ستواجه تنسيقا محليا واقليما ودوليا لخنقها، وستكون روسيا والصين والاتحاد الاوروبي وامريكا صفا واحدا في هذه الجبهة تحديدا ،وربما لن تكون اسرائيل مرتاحة لهذا التنسيق.

أرجو:

- أن تشكل الدول العربية (ولو كل منها لوحده) وحدات علمية لتحديد السياسات الانسب لمرحلة ما بعد امريكا؛

- أن يفكر الاقتصاديون العرب في كيفية التحول من الدولة الريعية الى الدولة الانتاجية؛

- ان يتحول رجال  الاعلام العربي من "شعراء قبيلة" الى نوافذ على العالم المعاصر؛

- الاستدارة شرقا استدارة استراتيجية لا تكتيكية ، مع ادراك ان الشرق ليس جمعية خيرية بل سيتعاملون معنا وهم يدركون اننا ذاهبون "مكره اخاك لا بطل"، ولكن هذه هي الحياة الدولية..فكيف نعقلن تعاملاتنا ؟

أخيرا، اردد مع دريد بن الصمة:

أمرتهمُ أمري بمُنْـعَرَج اللِّوى *** فلم يَستبينوا النصح إلا ضحى الغدِ

* د. وليد عبد الحي أستاذ العلوم السياسية وباحث في الدراسات المستقبلية والاستشرافية.

المصدر | facebook.com /walid.abdulhay