السبت 4 سبتمبر 2021 05:20 ص

أدت سيطرة حركة "طالبان" للمرة الثانية على أفغانستان إلى تغيير الحقائق الجيوسياسية في البلاد في فترة زمنية قصيرة.

وبينما أثرت هذه التغييرات فورًا على جيران أفغانستان، فسوف يتردد صداها قريبًا في جميع أنحاء الشرق الأوسط، لا سيما داخل دول مجلس التعاون الخليجي وإيران التي لعبت دورا رئيسيا في النزاع هناك ولديها مصالح مهددة أكبر في المستقبل.

وبالنظر إلى الطبيعة المختلفة لعلاقة كل دولة خليجية مع "طالبان" والحكومة الأفغانية السابقة، فمن المرجح أن تتعامل كل منها مع التحدي الذي تشكله سيطرة "طالبان" بطريقة مختلفة.

تشابك قديم

لطالما كان لأفغانستان روابط طويلة مع الشرق الأوسط، لكنها أصبحت في بؤرة الاهتمام الشعبي في العالم العربي بعد غزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان في عام 1979.

فقد أثار الغزو دعوات للجهاد العالمي ضد الغزاة السوفيت تحت راية المجاهدين الأفغان، وانضم الشباب من جميع أنحاء العالم الإسلامي لهذه الحرب المقدسة.

وبعد الثورة الإيرانية عام 1979، تحولت إيران من حليفة للولايات المتحدة إلى أحد ألدّ أعدائها بين عشية وضحاها، في ضربة هائلة لسياسة الولايات المتحدة القائمة على دعم إيران والسعودية كركيزتين أساسيتين لاحتواء الاتحاد السوفيتي.

ووجدت الولايات المتحدة أن أفضل خيار هو دعم تعبئة المجاهدين ضد السوفيت.

كما أدى هذا أيضا إلى تعزيز العلاقة بين المجاهدين والحليفين الأمريكيين الرئيسيين؛ السعودية وباكستان، وموّلت الولايات المتحدة والسعودية المقاومة المناهضة للسوفيت، حيث يقدّر أن كلًا منهما أنفق 4 مليار دولار على تمويل المجاهدين بينما أشرفت المخابرات الباكستانية على العمليات اللوجستية والعمليات على الأرض.

مواقف متباينة من "طالبان"

ومع رحيل السوفيت عن أفغانستان في عام 1989، سقطت البلاد فريسة للاقتتال والعنف بين مختلف مجموعات المجاهدين. 

ومهدت هذه الفوضى لظهور حركة "طالبان، وتعني "الطلاب" بلغة البشتو، وهم طلاب كانوا يحلمون بتطبيق الشريعة الإسلامية ونهضوا بوجه أمراء الحرب في أفغانستان.

وبدعم من الشعب المتعب من الصراع الأهلي، تمكنت "طالبان" تدريجيا من السيطرة على معظم البلاد، وبعدها لم يعترف بشرعية نظام "طالبان" إلا باكستان والسعودية والإمارات.

وباعتبار أن حكومة "طالبان" قوة معادية لإيران بشدة وحائط صد ضد أي دخول لإيران إلى أفغانستان، قبلتها كل من السعودية والإمارات، ولكن لم تقبل أي من دول الشرق الأوسط الأخرى هذا النظام.

فقد خشيت مصر والجزائر وليبيا من أن يعزز ذلك من موقف الجهاديين في هذه الدول، مما أخلّ بعلاقاتهم الثنائية مع باكستان.

وفي الوقت نفسه، كانت تركيا أيضا مناهضة بشكل صارم لنظام "طالبان"، بسبب تفسيرهم المتشدد للإسلام وتنفيذ القوانين الإسلامية.

ودعمت أنقرة أمير الحرب الأوزبكي الشهير "عبد الرشيد دوستوم"، الذي ظل جزءا من "التحالف الشمالي" المناهض لـ"طالبان" والذي تألف أساسا من أمراء الحرب من إثنية الطاجيك والأوزبك والهزارة واتخذوا معقلهم في الأجزاء الشمالية الشرقية من البلاد.

وبعد التدخل الذي قادته الولايات المتحدة في أفغانستان عام 2001، تم تعيين حكومة أفغانية جديدة مما أنهى عمليا انخراط "طالبان" مع معظم الكيانات في الخليج.

ولكن في عام 2008، عقدت اجتماعات بين المسؤولين في السعودية وممثل طالبان "طيب آغا"، الذي ضغط عليه السعوديون للانخراط مع المسؤولين الحكوميين الأفغان.

ومع رفض ممثل "طالبان" قبول الطلب السعودي، طردته السعودية في عام 2009 وأنهت علاقاتها السرية مع "طالبان".

وفي الوقت نفسه، عملت الإمارات وتركيا جنبا إلى جنب مع بعثة "الناتو" لتعزيز قدرة القوات الأفغانية ضد متمردي "طالبان" وكذلك تحسين البنية التحتية في البلد الذي مزقته الحرب.

من ناحية أخرى، فقد استغلت إيران هذا الوضع وطورت خط اتصال مع "طالبان"، تحت إشراف "إسماعيل قاني"، نائب قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، والذي أصبح القائد الحالي، وهو خبير في الشؤون الأفغانية.

وبموجب هذا النهج الجديد، فإن إيران لم تستضف فقط مختلف قادة "طالبان" لكنها زودتهم أيضا بالأسلحة والدعم المالي ودفعت وسائل الإعلام المملوكة للدولة لتأييدهم، مما نمّى بوضوح عنصرًا مؤيدًا لإيران داخل الحركة التي تعتبر عموما قريبة من باكستان.

فرص استراتيجية للخليج

ومع إدراك الولايات المتحدة للحاجة إلى الحلول السياسية والمفاوضات مع "طالبان"، عملت جنبا إلى جنب مع حلفائها لاستضافة مكتب سياسي لـ"طالبان".

وافقت "طالبان" على فتح مكتب يمثلها في قطر التي ترددت في قبول نظامها في التسعينات، فيما يعد مفارقة مثيرة للاهتمام.

ورأت الحركة أن قطر محايدة فيما رأت أن قرب الإمارات والسعودية الشديد من حلف الولايات المتحدة والحكومة الأفغانية، لا يجعلهما وسيطًا محايدًا.

وفي نهاية المطاف، تم صياغة اتفاق السلام في فبراير/شباط 2020 بين الولايات المتحدة و"طالبان" في قطر، كما استضافت قطر المفاوضات اللاحقة بين "طالبان" والحكومة الأفغانية.

ومع سيطرة "طالبان" على كامل أفغانستان، عاد رئيس مكتبها السياسي "الملا عبدالغني برادار"، إلى أفغانستان في طائرة تابعة للقوات الجوية القطرية.

وفيما حاولت تركيا (وهي حليفة رئيسية لقطر) تقديم نفسها كطرف مؤثر في أمن أفغانستان عبر عرض تأمين مطار "حامد كرزاي" الدولي في كابل، رفضت "طالبان" أي اقتراح من هذا القبيل.

ونظرا لأن "طالبان" تتمتع الآن بالسلطة المطلقة في أفغانستان، يمكن أن تكون هناك فرص سياسية جديدة وقيود أيضًا على وسطاء الشرق الأوسط.

ويأتي ذلك في وقت شهدت فيه السعودية والإمارات تغيرات حادة، حيث لم تحاول قيادة البلدين النأي بنفسها فقط عن الإسلام السياسي والجماعات الإسلامية، بل تحولت لأشد أعدائه، وكان قرار كل من الرياض وأبوظبي بإغلاق سفاراتهما في كابل في أعقاب سيطرة "طالبان" يشير إلى رفض أيديولوجية حركة "طالبان" ونزعتها الجهادية.

بالإضافة إلى ذلك، ما تزال مراكز القوة في الخليج متشككة أيضا فيما يتعلق بقدرة "طالبان" على حكم أفغانستان بشكل فعال وإخلاء البلاد من الكيانات الإرهابية.

ومع ذلك، فمن الممكن جدًا أن تجبر الاعتبارات الجيوسياسية قريبا الرياض وأبو ظبي على التواصل مع "طالبان" من أجل تأمين نفوذ ضد إيران، ويمكن للسعودية على وجه الخصوص أن تستغل علاقتها الاستراتيجية مع باكستان لتطوير قناة اتصال مع "طالبان"، فضلا عن استغلال مكانتها كراعية للحرمين الشريفين.

وفي الوقت نفسه، تظل قطر هي الدولة الخليجية الوحيدة التي تحافظ على علاقات وثيقة مع قيادة "طالبان" ولديها فرصة الآن لاستغلال روابطها مع الحركة على الساحة الدولية سياسيًا ودبلوماسيًا.

ومن ناحية أخرى، ما تزال تركيا حريصة على أن يكون لها دور أكبر في أمن واستقرار أفغانستان، حيث سيساعدها ذلك على أن تصبح قناة اتصال بين "الناتو" وأفغانستان، كما أن الاستقرار في أفغانستان أمر بالغ الأهمية لتركيا لوقف تدفق الهجرة نحو حدودها.

بالإضافة إلى ذلك، فإن مشاعر الأخوة التركية التي تحرك السياسة التركية تعني أن تركيا لا يمكنها أن تهمل أفغانستان، ولا سيما أقلياتها التركية.

وترى تركيا أيضا إسلام أباد كشريك رئيسي فيما يتعلق بأفغانستان، وقد عززت تركيا سابقًا انخراطها مع الدوائر الأمنية في باكستان.

باختصار، تقدم الحقائق المتغيرة في كابل فرصة مثالية لدول الخليج للتقدم في هذه المساحة الاستراتيجية في قلب آسيا، لكي تجعل التوازن الإقليمي يميل لصالحها.

المصدر | عمر كريم/ منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد