الخميس 9 سبتمبر 2021 11:49 ص

تحكيم القيم في الحياة العامة

القيم لا تطلب لذاتها فقط وعلى المستوى الفردي بل على المستوى الجمعي لارتباطها بنوعية ونقاء الحياة الجمعية في كل الحقول.

هناك مدارس تهمشمكانة القيم في حياة الإنسان خاصة بالحياة السياسية والاقتصادية وهناك أيضاً مدارس أخرى وأصوات ضمير كثيرة تنادي بعكس ذلك.

إذ يطرح شباب الأمة شعارات سياسية واجتماعية عليهم أن لا ينسوا القيم الكبرى التي يجب أن تحكم الشعارات والمطالب وتفعيلها خاصة رأس الفضائل: العدالة.

الشعارات والممارسات التي لا تحكمها موازين قيم إنسانية كبرى وقيم دينية روحية قابلة للشطط والاستعمال الانتهازي بل لتدمير بيئة الإنسان الطبيعية والحضارية.

المكيافيلية السياسية رفعت شعار الغاية تبرر كل واسطة وتبعتها الليبرالية الكلاسيكية التي طرحت ما اعتبرته إشكالية التعارض ما بين حرية الفرد والتزاماته القيمية.

*     *     *

لم يكن الحديث عن أزمة القيم على مستوى العالم وعلى مستوى الوطن العربي، وعن الخلفية التاريخية والإسلامية للكثير من القيم العربية السائدة، الصالح منها والطالح، مقصوداً منه أن يكون مراجعة أكاديمية، بل كان الهدف هو تعميق الوعي السياسي لدى أوساط الشباب العرب.

وذلك من خلال التأكيد على أن الممارسة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية، التي لا تحكمها موازين القيم الإنسانية الكبرى، والقيم الدينية الروحية، قابلة للشطط وللاستعمال الانتهازي، بل لتدمير بيئة الإنسان الطبيعية والحضارية، كما نراها الآن ماثلة أمامنا.

ذلك أن المكيافيلية في السياسة، التي رفعت شعار الغاية التي تبرر كل واسطة، وتبعتها الليبرالية الكلاسيكية التي طرحت ما اعتبرته إشكالية التعارض، ما بين حرية الفرد والتزاماته القيمية.

وتبعتها مؤخراً النيوليبرالية العولمية التي أعطت الأولوية لمتطلبات السوق فوق كل اعتبار آخر، بما فيها أهمية تحكيم قيمة العدالة، وهي كبرى الفضائل التي عرفتها البشرية، وتتبعها الآن بخطى حثيثة حركة ما بعد الحداثة التي انخرطت في عبادة صنم جديد، صنم الفردية الأنانية والحرية المطلقة…

ذلك أن كل ذلك، مشفوعاً بما أوردناه سابقا من أطروحات تشويه وتدمير الكثير من قيم الثوابت العربية في مجالات الفكر القومي العروبي الوحدوي، كل ذلك يعمل ليل نهار على توجيه الوسط الشبابي العربي إلى مزالق خطرة في ساحات نضالهم التغييري اليومي.

نحن إذن نريد تذكير الكل بأنه مثلما هناك مدارس تهميشية لمكانة القيم في حياة الإنسان، وعلى الأخص في حياته السياسية والاقتصادية، فان هناك أيضاً مدارس أخرى وأصوات ضميرية كثيرة تنادي بعكس ذلك.

دعنا نأخذ مثالاً واحداً من الساحة السياسية الأمريكية، فعندما سئل الرئيس كيندي، وهو الكاثوليكي الديانة، إن كان ستكون لعقيدته الدينية أي تأثيرات في القرارات العامة التي سيأخذها، أجاب بالنفي التام، وإنه سيحتكم فقط إلى ضميره الإنساني.

لكن عندما طرح السؤال نفسه على الرئيس أوباما كان جوابه مختلفاً، إذ أكد أن السياسة التي لا تتاثر بالقيم الدينية هي سياسة قابلة للتشوه. جوابان مختلفان في ساحة سياسية واحدة.

إذن فالقيم لا تطلب لذاتها وفقط على المستوى الفردي، إنها تطلب أيضاً على المستوى الجمعي لارتباطها الشديد بنوعية ونقاء الحياة الجمعية في كل الحقول. وبالطبع هناك قيم متميزة مفصلية تعلو على كل القيم، مثل العدالة.

ذلك أنها وقيمة الحرية والكرامة الإنسانية شغلت بصورة كبيرة وعميقة كل الديانات والمدارس الفلسفية والفكر السياسي والاقتصادي، وكان ذلك الاهتمام طبيعياً لحسم موضوع ادعاء البعض بأن العدالة لا تتعايش مع الحرية، فإذا حسم موضوع تعريف معنى الحياة الطيبة، فإنه سيظهر أن لا تعارض بين القيمتين، وإنما سيثبت بأن قيمة العدالة يجب أن تحكم كل قيمة أخرى: قيم من مثل الحرية والديمقراطية والمساواة والتعايش السلمي والتسامج والعطاء، وغيرها كثير.

إذ يطرح شابات وشباب الأمة شعاراتهم السياسية والاجتماعية والمعيشية، عليهم أن لا ينسوا قط القيم الكبرى التي يجب أن تحكم كل تلك الشعارات والمطالب وأساليب تفعيلها، وعلى الأخص رأس الفضائل: فضيلة العدالة.

* د. علي محمد فخرو سياسي ومفكر بحريني

المصدر | الشروق