الجمعة 10 سبتمبر 2021 09:03 ص

أدارت روسيا علاقة متوترة مع إسرائيل ولكنها محسوبة بشأن الحرب الأهلية في سوريا. ومع ذلك، فقد شهدت علاقتهما مؤخرا ربما أسوأ نقطة اشتعال وسط الضربات الإسرائيلية المستمرة لأهداف إيرانية في سوريا.

ومع تفاقم التوترات بين إسرائيل وإيران، فإن حفاظ روسيا على العلاقات مع الخصمين الإقليميين يصبح أكثر صعوبة. ومن الواضح أن موسكو أشارت إلى أنها لن تتحمل بعد الآن الهجمات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.

وفي 19 يوليو/تموز، أطلقت طائرات إسرائيلية 8 صواريخ موجهة على أهداف تابعة لحزب الله وإيران في محافظة حلب السورية. وورد أن موسكو لم تتسامح مع هذه الضربات ولم تغض الطرف كالمعتاد؛ حيث ادعى نائب رئيس المركز الروسي للمصالحة بين الأطراف المتعارضة في سوريا الأدميرال "فاديم كوليت" أن أنظمة الدفاع الصاروخي الروسية أسقطت 7 من الصواريخ الـ8.

وأضاف مسؤول سوري إلى هذا الادعاء بالقول إن الدفاعات الجوية السورية أسقطت معظم الصواريخ في الهجوم، دون الخوض في تفاصيل أكثر من نظيره الروسي.

وبعد أيام قليلة، أكد "كوليت" أن أسلحة روسية الصنع اعترضت 4 صواريخ موجهة أطلقت من طائرتين إسرائيليتين من طراز "إف-16" فوق الأجواء اللبنانية على أهداف في محافظة حمص السورية.

وقال: "دُمرت جميع الصواريخ الـ4 من قبل منشآت الدفاع الجوي السورية، باستخدام أنظمة بوك-تو إم إي روسية الصنع".

علاوة على ذلك، نقل تقرير من صحيفة الشرق الأوسط عن مصدر روسي "مطلع" لم يذكر اسمه، أنه بعد القمة الأولى بين الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" والرئيس الأمريكي "جو بايدن" في يونيو/حزيران، أكدت واشنطن لموسكو أنها "لا ترحب بالغارات الإسرائيلية المستمرة في سوريا".

وأثارت مثل هذه المزاعم مزيدا من التكهنات بشأن نهج روسيا الحالي تجاه إسرائيل، حيث منحت الولايات المتحدة على ما يبدو ضوءا أخضر لروسيا للعمل بحزم أكبر ضد الضربات الإسرائيلية، وفقا للمصدر نفسه.

وبحسب ما ورد أعربت روسيا عن إحباطها من "تجاهل إسرائيل قواعد اللعبة" في سوريا. ويأتي ذلك في الوقت الذي تعتبر فيه إدارة "جو بايدن" أقل اهتماما بالعلاقات مع إسرائيل، مقارنة بسلفه "دونالد ترامب".

  • تجنب الصدام

وما يضفي مزيدا من الثقل على المزاعم الأخيرة هو حقيقة أنه في أعقاب قمة "بايدن - بوتين" في يونيو/حزيران، تبنت روسيا نبرة انتقادية تجاه تصرفات إسرائيل في سوريا. وفي 25 يونيو/حزيران، شجب مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، "فاسيلي نيبينزيا"، الضربات الجوية الإسرائيلية في سوريا، قائلا إنها "تعقد الجهود الرامية إلى استقرار الوضع في سوريا والمنطقة، لأنها تتكرر أكثر فأكثر".

ومن المهم أن نلاحظ أنه منذ تدخل روسيا في سوريا في سبتمبر/أيلول 2015، لم تدعم نظام "بشار الأسد" المتحالف معها فحسب، بل مكنت إيران أيضا من تأمين موطئ قدم لها في البلاد. فبعد كل شيء، وسعت طهران وجودها في سوريا منذ التدخل في عام 2013 لمساعدة "الأسد" في محاربة قوات المعارضة.

وفي هذه الأثناء، أرادت روسيا في المقام الأول الاستفادة من نظام "الأسد"، لتعزيز نفوذها في الشرق الأوسط، ومع ذلك فقد اضطرت إلى استرضاء كل من حلفائها الإقليميين، إيران وإسرائيل، في عملية حذرة.

وفي الواقع، أثارت مصالح إسرائيل الخاصة في الحرب الأهلية السورية توترات مع روسيا في البداية. وبالرغم أن إسرائيل تعلن أن موقفها الرسمي هو موقف الحياد بين "الأسد" والمتمردين، إلا أنها أعربت عن مخاوفها من تنامي النفوذ الإيراني في البلاد. 

وبدأت استراتيجية موسكو لاحتواء القصف الإسرائيلي في مارس/آذار 2017. وتزامن ذلك مع مزاعم في وسائل الإعلام الروسية بأن سلاحها الجوي أسقط طائرة إسرائيلية، ردا على غارة إسرائيلية في سوريا أصابت مناطق قريبة من القوات الروسية. ومع ذلك، زادت الاتصالات بين المسؤولين الإسرائيليين والروس في أعقاب الهجوم، حيث استدعت موسكو السفير الإسرائيلي لدى روسيا لشرح ما حدث.

وفي عام 2015، أجرت روسيا وإسرائيل محادثات حول "عدم التضارب" بهدف "منع سوء التفاهم" بشأن سوريا، ما يشير إلى أن كلا البلدين يرغب في إدارة خلافاتهما.

مع ذلك، تخوض إسرائيل وإيران منذ فترة طويلة "حرب الظل"، وقد يحدث المزيد من التصعيد. وفي الواقع، ألقت إسرائيل، إلى جانب المملكة المتحدة والولايات المتحدة، باللوم على إيران في هجوم على ناقلة النفط "ميرسر" قبالة الساحل العماني في 31 يوليو/تموز، ما يشير إلى أن مثل هذه الاحتكاكات قد تتزايد.

وكانت الناقلة مملوكة لشركة "زودياك البحرية" ومقرها لندن، والتي يديرها قطب الشحن الإسرائيلي "إيال عوفر"، وادعت إسرائيل أن لديها "أدلة دامغة" على مسؤولية إيران. وبالرغم أن إيران نفت أي تورط لها، إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي "نفتالي بينيت" اعتبر الهجوم الإيراني المزعوم "خطأ فادحا"، وحذر قائلا: "نحن نعرف كيف نرسل رسالة إلى إيران بطريقتنا الخاصة".

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي "بيني جانتس" إن الجيش مستعد للعمل ضد إيران لردعها عن شن هجمات في المستقبل. ومع انتخاب الرئيس الإيراني "إبراهيم رئيسي"، من المرجح أن تستمر التوترات.

  • لعبة القوة الروسية

وبدلا من مواجهة إسرائيل، قد يكون التركيز الأساسي لروسيا على إبقاء إيران في صفها، لا سيما بالنظر إلى حالة عدم اليقين بشأن القيادة المستقبلية للبلاد.

وإلى جانب تقييم الآثار المترتبة على انتخاب "رئيسي" في يونيو/حزيران، قد يكون لدى موسكو أيضا مخاوف بشأن مستقبل المرشد الأعلى الإيراني "علي خامنئي". وأظهر "خامنئي"، البالغ من العمر 82 عاما، وهو المرشد الأعلى منذ عام 1989، استعدادا للتعاون مع روسيا بالرغم من فشل موسكو إلى حد كبير في منع الهجمات الإسرائيلية على القوات الإيرانية وقوات "حزب الله" في سوريا حتى الآن.

وقد تشعر روسيا بالقلق من أن أي خليفة محتمل قد يغير سياسة إيران الخارجية؛ ما يجبر موسكو على التعامل مع الجمهورية الإسلامية.

وقال الأستاذ في جامعة "جورج ميسون"، البروفيسور "مارك كاتز": "ربما تتصرف موسكو هكذا ليس لأنها منزعجة من الإسرائيليين، ولكن لأنها تخشى فقدان نفوذها لدى إيران ما لم تر طهران أنها تتخذ نوعا من الإجراءات لكبح جماح إسرائيل".

لكن إذا كان "خامنئي" على وشك الموت، أو يعتقد الروس أنه كذلك، فقد يخشون من أن عدم رضا إيران عن روسيا سيؤثر على اختيار المرشد الأعلى القادم وسياساته. وأضاف "كاتز" أن اختيار شخص أكثر تشككا في روسيا من "خامنئي" قد يعقد سياسة موسكو في الشرق الأوسط.

وأظهرت روسيا في كثير من الأحيان أنها حريصة على لعب عملية توازن من أجل تعزيز نفوذها كوسيط إقليمي، وقد ظهر ذلك خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في مايو/أيار الماضي حيث حرصت موسكوعلى التواصل مع حماس. لذلك تحاول روسيا الحفاظ على نهج مماثل في تعاملها مع إيران وإسرائيل.

وحتى لو كانت المزاعم الأخيرة بشأن تزايد الإحباط الروسي بشأن الضربات الإسرائيلية في سوريا صحيحة، فقد تسعى موسكو فقط للتأثير على المراقبين الخارجيين. وفي الماضي، روجت وسائل الإعلام الروسية لفكرة الخلاف مع إسرائيل، ولكن ذلك كان موجها إلى الجماهير الغربية، في محاولة لتقديم صورة للحزم الروسي في الشرق الأوسط.

وبالرغم من التكهنات حول علاقة متغيرة بين روسيا وإسرائيل، فقد تكون موسكو مستعدة لتقديم تنازلات لإسرائيل ولكن ذلك يعتمد على بقاء الوضع الراهن بين إسرائيل وإيران على حاله.

وإذا كان هناك تغيير نهائي في القيادة داخل الجمهورية الإسلامية، أو إذا تصاعدت التوترات بين إسرائيل وإيران إلى ما بعد المستويات الحالية، فستواجه موسكو معضلة جديدة وقد تضطر إلى تكييف سياساتها المدروسة بين الخصمين.

المصدر | جوناثان هارفي/إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد