الأربعاء 15 سبتمبر 2021 07:18 م

إسقاط التيار الإخواني واستكمال هجمة النظام القديم

السيرورة الثورية طويلة الأمد تشبه التنفّس فتشهد تعاقب الشهيق والزفير ما دامت أسبابها المولّدة قائمة، لم تُحلّ.

انهار تمثيل «حزب العدالة والتنمية» في الانتخابات البرلمانية المغربية قبل أسبوع إلى عُشر ما كان عليه: من 125 نائباً إلى 13 فقط.

من يظنّ عقب كل ردّة أنها خاتمة السيرورة يُخطئ فالسيرورة مستمرّة لا مُحال لأن أسباب الانفجار الكبير تتفاقم وستشهد منطقتنا بالتالي موجات ثورية جديدة.

شهدنا موجة ثورية أولى ذروتها في 2011 تلتها ردة مضادة بدءاً من 2013 ثم موجة ثورية ثانية بلغت ذروتها في 2019 تلتها ردّة مضادة في 2020 أتاحتها كورونا.

انتهجت أحزاب المنتمية للتيار الإخواني بالمغرب ومصر وتونس سياسات اقتصادية نيوليبرالية جعلتها عاجزة عن معالجة أزمة اقتصادية اجتماعية عميقة ولّدت الربيع العربي وأدخلت المنطقة في سيرورة ثورية.

*     *     *

كثُرت التعليقات على الهزيمة النكراء التي مُني بها «حزب العدالة والتنمية» في الانتخابات البرلمانية التي جرت في المغرب قبل أسبوع، حيث انهار تمثيل الحزب إلى عُشر ما كان عليه، من 125 نائباً إلى 13 فقط.

طبعاً، ليست هذه الهزيمة بالمصطنعة كلياً إذ إن الحزب أول من يتحمّل مسؤوليتها وقد قَبِل منذ البداية أن يكون أداة طيّعة بيد النظام الملكي الذي حافظ على السيادة المطلقة في تسيير أمور البلاد.

وفرضَ عليه تغيير رئيس الوزراء بعد أن قاد هذا الأخير حزبه إلى الفوز بانتخابات عام 2016 بما أثار قلق النظام، بل وصل الأمر بحكومة الحزب إلى الدخول في عملية «التطبيع» مع إسرائيل بقرار من البلاط.

وتنضاف هذه الأمور الخطيرة إلى كون الحزب ملتزماً بإطار السياسات الاقتصادية النيوليبرالية، شأنه في ذلك شأن الأحزاب المنتمية مثله إلى التيار الإخواني الإقليمي، لا سيما إخوان مصر وحركة النهضة التونسية، بما جعل هذه الأحزاب عاجزة عن معالجة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي ولّدت «الربيع العربي» وأدخلت المنطقة برمّتها في سيرورة ثورية طويلة الأمد.

كل هذا صحيح، بيد أن المسؤول الأول عن أوضاع المغرب هو بلا شك النظام الملكي-الرأسمالي الذي يمثّله خير تمثيل «التجمع الوطني للأحرار» الذي فاز بالانتخابات وكلّفه البلاط تشكيل الحكومة الجديدة.

كما أن المسؤول الأول عن أوضاع مصر هو الائتلاف العسكري-الرأسمالي الحاكم منذ عقود وكما أن المسؤول الأول عن أوضاع تونس هو الائتلاف البيروقراطي-الرأسمالي الحاكم هو أيضاً منذ عقود، وإن تشرذم إثر إخفاق محاولة لمّ شمله في إطار حزب «نداء تونس» بعد ثورة عام 2011.

وبالتالي فإن هزيمة «حزب العدالة والتنمية» تتعدّى فشل الحزب عينه في الإتيان بحلّ للأزمة المعيشية، لتحيلنا إلى المساعي الحثيثة التي بُذلت من أجل إخراجه من دائرة الحكم، وهي مساعٍ لخّصها كاتبٌ على موقع كان دوماً من أشدّ ناقدي الحزب.

تساءل الكاتب في صدد تحليل نتائج انتخابات الأسبوع الماضي: «كيف صنعت الدولة الخريطة الراهنة؟» وأجاب بما يلي:

«أولاً، بإلغاء إمكان وجود أحزاب حقيقية، بقانون الأحزاب بدايةً، وبالتضييق على الحريات وعلى القوى السياسية غير المرغوب فيها، ومنها أكبر قوى الإسلام السياسي، جماعة العدل والإحسان المحظورة عملياً، وحزب النهج الديمقراطي، الحزب السياسي الشرعي الوحيد المنتسب إلى الماركسية.

ثانياً: بمهارة وزارة الداخلية التي لها تاريخ طويل في التدخل لصنع نتائج الانتخابات (شبكة «الفاعلين السياسيين» الموالين، القاسم الانتخابي، المال…).

ثالثاً: بتنظيم حملة ممنهجة ضد حزب العدالة والتنمية منذ أن فرض نفسه بنتائج انتخابات العام 2016. فمعلوم أن الدولة أرادت التخلّص منه، فلمّا فرضته النتائج نظّمت ما سمي «البلوكاج» ومنذئذ والحملة على العدالة والتنمية مستمرة بالتشهير بمنتخبيه، وبحملة الإعلام الموالي المستعملة كل ما يمكن للنيل منه.

رابعًا، بدعم من بيروقراطية الاتحاد المغربي للشغل التي دعت للتصويت ضد حزب العدالة والتنمية بحجة معاداته للأجَراء، كأن باقي الأحزاب تخالفه بهذا الصدد». (رفيق الرامي، «تقييم أولي لـ«انتخابات» 8 سبتمبر 2021: نجاح الحزب الوحيد» موقع «المناضلة» 13/9/2021).

فالحقيقة أن حملة النظام المغربي الممنهجة لإخراج «حزب العدالة والتنمية» من اللعبة تندرج في الهجمة الشاملة التي يقودها منذ سنوات الحلف الخليجي الرجعي لأجل قلب آثار الموجة الثورية الأولى التي عمّت المنطقة قبل عشر سنوات.

هذه الهجمة هي في الوقت ذاته انقضاضٌ على أحد أهم أهداف «الربيع العربي» وأحد أهم نتاجاته الإيجابية، المتمثل بخلق مجال ديمقراطي في هذه المنطقة الأكثر استبداداً بين مناطق العالم الجيوسياسية.

وبالطبع فقد تمّ الانقضاض بوسائل وأشكال دكتاتورية، من الانقلاب العسكري الذي نفّذه عبد الفتّاح السيسي في مصر والذي أجهض الأوهام الديمقراطية التي حملت قسماً عظيماً من المصريين إلى تأييده..

إلى الانقلاب الرئاسي المسنود عسكرياً الذي أجراه قيس سعيّد في تونس والذي أخذت تتبلور حقيقته السلطوية بعكس الأوهام التي عمّت قسماً كبيراً من أهل تونس على غرار أهل مصر قبلهم..

مروراً بمحاولة خليفة حفتر فرض سيطرته العسكرية على ليبيا مجنّداً فلول نظام القذّافي في مسعاه وبهجمة الحوثيين في اليمن بالتحالف مع رأس النظام القديم علي عبدالله صالح.

ولا عجب في أن قادة هذه الحملة الرجعية المضادة لما حقّقه «الربيع العربي» يتّجهون الآن إلى المصالحة مع هذا الركن الآخر من أركان النظام العربي القديم الذي يمثّله نظام آل الأسد في سوريا بينما يواصلون مسيرة «التطبيع» مع الدولة الصهيونية، التي هي أولاً كلب حراسة أركان النظام القديم الذين ترعاهم الولايات المتحدة الأمريكية!

لكنّها لا تتردّد أيضاً في التواطؤ مع روسيا كما يجري في سوريا، بل تربط أواصر متينة مع الصين (تسلّمت هذه الأخيرة قبل أيام إدارة محطّة السفن الجديدة في ميناء حيفا).

والحال أن أركان الحلف الخليجي الرجعي نفسها باتت تعزّر علاقتها بالصين وروسيا في ضوء خيبة ثقتها باستعداد واشنطن على العمل بحسم للذود عنها، فتُبرم اتفاقات وصفقات عسكرية مع روسيا وتتعاون معها في دعم حفتر في ليبيا، على سبيل المثال لا الحصر.

هذه التطورات تترافق مع ما يجري في البلدان التي كانت مسرحاً للموجة الثانية من موجات السيرورة الثورية الإقليمية.

فبينما ينقضّ حكم العسكر في الجزائر على الحراك وأوجهه البارزة، يستعدّ الحكم العراقي للقضاء على «الانتفاضة التشرينية» بواسطة الانتخابات القادمة التي ترمي إلى تعويم نظام الفساد والتبعية التي هبّت الانتفاضة ضدّه، فيما يحاول نظام الفساد والتبعية اللبناني ترميم واجهته باستبدال مليارديرٍ بآخر.

كل هذه التطورات تُنذر بعواقب وخيمة في السودان حيث يستمرّ الحكم العسكري في تصفية مكاسب انتفاضة عام 2019 وشدّ الخناق على الحركة الشعبية، وهو يستعد للانقضاض عليها بشكل حاسم بدعم من الحلف الرجعي الإقليمي.

من خصائص السيرورات الثورية طويلة الأمد أنها شبيهة بالتنفّس، تشهد تعاقباً من الشهيق والزفير ما دامت أسبابها المولّدة قائمة، لم تُحلّ.

فقد شهدت منطقتنا موجة ثورية أولى بلغت ذروتها في عام 2011 عقبتها ردّة مضادة للثورة بدءاً من عام 2013، ثم عرفت موجة ثورية ثانية بلغت ذروتها في عام 2019 عقبتها ردّة مضادة أخرى بدأت في العام التالي مستفيدةً من الظروف التي خلقتها جائحة كوفيد-19.

بيد أن من يظنّ عقب كل ردّة أنها خاتمة السيرورة إنما يُخطئ الظنّ، فهذه الأخيرة مستمرّة لا مُحال لاسيما أن أسباب الانفجار الكبير ما برحت تتفاقم، وسوف تشهد منطقتنا بالتالي موجات ثورية جديدة، لا بدّ من أن تستفيد كل منها من دروس سابقاتها.

* د. جلبير الأشقر كاتب وأكاديمي من لبنان

المصدر | القدس العربي