حظوظ «تنظيم الدولة في أفغانستان» كحظوظه في إدلب

كانت عناصر تنظيم الدولة يفضلون الاعتقال على يد قوات الحكومة الأفغانية كخيار أفضل لهم من الاعتقال على يد طالبان!

الجماعات الإسلامية المنافسة لتنظيم الدولة تملك قواعد اجتماعية وجذوراً محلية تجعلها أكثر استمرارية وفعالية في إقصائه.

تنظيم الدولة لا يسيطر على أي منطقة في الولايات الأفغانية حاليا، بعد أن كان قد استولى على مساحات فيها بين عامي 2019-2020.

وضع أفغانستان الأمني الرخو وحداثة حكومة طالبان المشكلة حديثا يجعلان البعض يعتقد بإمكان تنظيم الدولة إعادة تنظيم صفوفه! فهل تخفق طالبان في مواجهته؟

*     *     *

من العبر المستقاة في النزاع بين الفصائل الجهادية في سوريا وأفغانستان، هو أن الفصائل الجهادية المنافسة لتنظيم الدولة والمنتمية لمكونه الاجتماعي وحاضنته السنية نفسها، كانت دوما الأقدر على زعزعة وجوده ومحاصرة تمدده، بفعالية تقترب من فعالية الحملات العسكرية الأمريكية عليه، وإن كانت الأخيرة محدودة النتائج زمانا ومكانا.

فهذه الحملات تبقى تدخلا خارجيا يزول أثره بعد مغادرة آخر طائرة عسكرية، وقد تنتصر في معركة لكنها لا تواصل باقي جولات الحرب بالوتيرة نفسها، بينما الجماعات الإسلامية المنافسة للتنظيم تملك قواعد اجتماعية وجذوراً محلية تجعلها أكثر استمرارية وفعالية في إقصائه.

قد يصلح هذا التفسير لما حصل في أفغانستان وسوريا، لكنه لا ينطبق تماما على مجتمع أقلية سنية في العراق، ففي سوريا، مثلت جبهة النصرة تحديا لنفوذه في مناطق سنية كإدلب مثلا، وكذلك فعلت فصائل جهادية أخرى كأحرار الشام، وفي إدلب تشن الهيئة مؤخرا حملات متتالية لتعقب خلايا التنظيم.

في أفغانستان كانت طالبان، حليف «القاعدة» التاريخي في أفغانستان، كانت بلا شك أكثر قدرة على مواجهة تنظيم الدولة عسكريا واجتماعيا، من القوات الأمريكية وحلفائها من قوات الحكومة.

بل إن مقاتلي تنظيم الدولة كانوا يفضلون الاعتقال على يد قوات الحكومة الأفغانية كخيار أفضل لهم من الاعتقال على يد طالبان، وهذا ما حدث في مقاطعة جوزجان، عندما جاءت مروحيات الجيش الحكومي لاعتقال مقاتلي التنظيم، بعد أن حاصرته طالبان، رغم أن الجيش الحكومي والقوات الأمريكية شاركت في الحملة العسكرية والقصف الجوي المكثف لأسابيع على مواقع المقاتلين الذين استسلموا أخيرا.

وهذه الحادثة بالمناسبة أصبحت جزءا من سلسلة نظريات المؤامرة ممن يعتقدون أن طائرات الجيش الحكومي جاءت لإنقاذهم وليس لاعتقالهم. وتثير احتمالية عودة تنظيم الدولة للمشهد السياسي في أفغانستان، قلق الدوائر السياسية الغربية والأمريكية.

ورغم انحسار نفوذ التنظيم مؤخرا بعد سنوات من المواجهات المسلحة بينه وبين حركة طالبان وقوات الحكومة الأفغانية ومعها قوات التحالف الدولي، إلا ان الوضع الأمني الرخو في البلاد، وحداثة الحكومة المشكلة حديثا من طالبان، يجعلان البعض يعتقد أنه يمكن لتنظيم الدولة إعادة تنظيم صفوفه، فهل تخفق حركة طالبان في مواجهته؟

التقديرات المحلية تشير إلى أن حركة طالبان تتمتع بهيمنة كبيرة وسطوة عسكرية، ستمكنها من مواجهة خلايا التنظيم في المدى المنظور، وأن نشاط التنظيم لن يعدو تنفيذ هجمات خاطفة، وإن كانت دموية كما حصل في مطار كابل، من دون أن يتمكن التنظيم من انتزاع السيطرة من حركة طالبان على قرى أو بلدات استراتيجية وازنة.

ولفهم الخريطة المحلية لمواقع «تنظيم الدولة» بأفغانستان تشير المعلومات إلى أن التنظيم يمتلك خلايا في محافظات كابول وننكرهار وكونار، وأن شبكة التنظيم في كابول وننكرهار هي الأقوى.

لكن تنظيم الدولة لا يسيطر على أي منطقة في تلك الولايات حاليا، بعد أن كان قد استولى على مساحات فيها بين عامي 2019-2020.

ويمكن لنا الاستماع للمحلل المتابع في الشأن الأفغاني فرحان جيفري الذي يقول إنه لا يوجد حاليا لدى «تنظيم الدولة في خراسان» الإعداد أو القدرة على مواجهة طالبان، وإنه حتى عندما كان «تنظيم الدولة الإسلامية» في ذروة قوته في أفغانستان، لم يكن يشكل تهديداً كبيراً لطالبان.

ويعود ذلك، بقدر كبير، إلى الدعم الشعبي المحدود للتنظيم مقارنة بحركة طالبان المعتمدة على عقود من الاتصالات والقوة الناعمة. القبائل التي تشكل العمود الفقري للمجتمع الأفغاني، هي محور التنافس بين التنظيم وطالبان، وتأتي بعدها التنظيمات والأحزاب التي تستند في قدر كبير من قوتها إلى دعم قبيلة ما.

وفي المقابل فإن معاداة المجتمعات القبلية لتنظيم ما سيؤدي إلى إضعافه، ويتعلق الأمر بتفاوت قوة الشبكات القبلية من ضعفها من منطقة لأخرى، حسب تصنيفها كمنطقة عشائرية أو حضرية مدنية.

ويعتقد أن التنظيم لا يعتمد بالضرورة على القبائل لكن، بحسب جيفري، يعتمد على الجماعات المسلحة الموجودة في المنطقة، حيث يُعتقد أن رئيس «تنظيم الدولة الإسلامية» الدكتور شهاب المهاجر، قائد سابق من المستوى المتوسط ​​في شبكة حقاني المتحالفة مع طالبان.

كما جاء العديد من قادة ومقاتلي «تنظيم الدولة في خراسان» على مر السنين من مجموعات مسلحة أخرى قائمة بالفعل مثل طالبان الأفغانية، طالبان الباكستانية، لشكر طيبة ولشكر جهنكوي.

وفي الغالب يعتمد التنظيم على المنشقين من تلك الجماعات، لكنه في الوقت نفسه يقوم بتجنيد الأشخاص الذين ليس لديهم انتماء سابق لأي جماعة مسلحة، هؤلاء في الغالب أيديولوجيون وعلماء مؤيدون لتوجهات التنظيم.

* وائل عصام كاتب صحفي فلسطيني

المصدر | القدس العربي