عندما لا يحل نفط إيران أزمة لبنان

لبنان بات يشبه عمارة خربة أو سائبة ومشرّعة الأبواب والنوافذ على كل الدول!

السؤال الجوهري الذي يتردّد: هل ستحلّ هذه الصهاريج التي حملت المازوت أزمة المحروقات في لبنان؟

المسألة لا تتعلّق بحلّ أزمة لبنان النفطية والكهربائية وغيرها بقدر ما تتعلّق بتسجيل نقاط في الصراع القائم والدائر في المنطقة

طالما أنّ السفن الإيرانية التي ستحمل النفط إلى سورية، ومنها إلى لبنان، لن تحلّ الأزمة، لماذا كل هذا التعويل وعقْد الآمال عليها؟

هل ستنتهي أزمة الكهرباء التي يعاني منها البلد؟ هل ستنتهي طوابير السيارات أمام محطات الوقود من أجل الحصول على صفيحة بنزين واحدة؟

*     *     *

وصلت الخميس (16 سبتمبر/ أيلول)، عبر الأراضي السورية، ومن طريق الحدود البرّية في منطقة الهرمل / القصير، أولى طلائع الصهاريج التي حملت المازوت الإيراني إلى لبنان.

بضعة عشر صهريجاً فحسب دخلت وفق الإجراءات الرسمية للعبور أو من دونها لا فرق، فلبنان بات يشبه العمارة الخربة أو السائبة والمشرّعة الأبواب والنوافذ على كل الدول.

دخلت الصهاريج السورية التي قدّمها، على ما تقول الرواية الرسمية، النظام السوري، وحملت النفط الإيراني، وبمواكبة من الهيئة الصحيّة الإسلامية التابعة لحزب الله. وحظيت باستقبال عفوي بسيط، بعدما طلب الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله من مناصريه إلغاء مظاهر الاحتفاء والاستقبال بوصول النفط الإيراني إلى لبنان.

السؤال الجوهري الذي يتردّد: هل ستحلّ هذه الصهاريج التي حملت المازوت أزمة المحروقات في لبنان؟

هل ستنتهي أزمة الكهرباء التي يعاني منها البلد؟ هل ستنتهي طوابير السيارات أمام محطات الوقود من أجل الحصول على صفيحة بنزين واحدة؟

ليس هناك أدنى شكّ أنّ هذه الصهاريج، والسفن التي جرى الحديث عن أنّها ستأتي تباعاً من إيران إلى بانياس السورية عبر البحر، ومن هناك عبر الحدود البرّية إلى لبنان، لن تحلّ كل المشكلة ولن تضع حدّاً نهائياً للأزمة. جُل ما في الأمر أنّ هذه السفن وتلك الصهاريج حرّكت المياه الراكدة في هذا الملف.

حاجة لبنان إلى البنزين تكاد تكون في الحالة الطبيعية حوالي عشرة ملايين ليتر يومياً، وهذا يعني أنّ السفينة التي تحمل حمولة كاملة من البنزين تكفي لأربعة أيام فقط. والأمر ذاته وأكثر ينطبق على المازوت.

هذا يعني أنّه من أجل سدّ الحاجة في السوق اللبنانية للمادتين يتعيّن تأمين توافد دائم للسفن المحمّلة بالمادتين إلى المرافئ اللبنانية، وهو ما لا يمكن لإيران توفيره في ظل الأوضاع القائمة، والحصار المفروض عليها والرقابة المفروضة على لبنان أيضاً.

إذاً، طالما أنّ السفن الإيرانية التي ستحمل النفط إلى سورية، ومنها إلى لبنان، لن تحلّ الأزمة، لماذا كل هذا التعويل وعقْد الآمال عليها؟

المسألة لا تتعلّق بحلّ أزمة لبنان النفطية والكهربائية وغيرها بقدر ما تتعلّق بتسجيل نقاط في الصراع القائم والدائر في المنطقة، والذي يشكّل لبنان إحدى ساحاته.

بلغ الوضع في لبنان مستوياتٍ متقدّمةً من الحصار الاقتصادي والأزمة الحياتية والمعيشية، والتي عنوانها الأول والأساسي خلال الفترة الماضية غياب الكهرباء التي تُعدّ أحد شرايين الحياة لقطاعات اقتصادية وصحّية وتربوية وغيرها.

وندرة المحروقات التي شلّت البلد بشكل كبير، راحت تضغط على الطبقة السياسية، وعلى الأحزاب، وعلى كل من له علاقة بهذا الواقع من قريب أو من بعيد، حتى بلغت مستوياتٍ كادت معها تنقلب بعض البيئات على القوى والأحزاب التي كانت تُعتبر ممثلها الوحيد.

كان لا بدّ أمام هذا المشهد المتأزّم من خطوةٍ تخفّف من الضغط، وتعيد خلط الأوراق. ومن هنا، جاء الإعلان عن استيراد النفط من إيران، ومن خارج قرار الدولة وسيادتها، وكانت لحظة غياب حكومة أصيلة فرصة مناسبة لتمرير مثل هذا القرار وتنفيذه.

وقد كانت المعادلة أمام هذا التوجّه تتجه نحو فك الحصار من خلال هذا القرار أو الدفع باتجاه فتح جبهة مع "أي عدو" يمكن أن يتعرّض للسفن الإيرانية والصهاريج التي ستنقل المازوت الإيراني إلى لبنان. هي إذاً خطوة كانت محسوبة وموضوعة في هذا الإطار، وكجزء من الصراع وأدواته في المنطقة.

لقد دفع هذا القرار الفريق الذي يقف في الطرف المقابل إلى التحرّك الفوري باتجاه استجرار الكهرباء إلى لبنان من الأردن بالغاز المصري، وعبر الأراضي السورية، في خرق واضح لقانون قيصر الأميركي الذي يحاصر النظام في سورية.

وقد أعطت السفيرة الأميركية في بيروت الشارة الخضراء لتحرّك الحكومة السابقة بهذا الاتجاه، والذي من المنتظر أن تستكمله الحكومة الجديدة.

ولعلّه أيضاً كان من ثمار هذا القرار التوصّل إلى تسوية ظرفية آنية ومحدودة، عبّر عنها إعلان الاتصال بين الرئيسين الإيراني إبراهيم رئيسي والفرنسي إيمانويل ماكرون، وما تضمّنه من توجهات بخصوص لبنان وتشكيل حكومة خلال الأسبوع الماضي.

نفط إيران لم يحلّ أزمة لبنان، ولن يحلّها وحده، وهذا ما يدركه الجميع، وفي المقدمة منهم إيران، بل أكثر من ذلك فإنّه فتح باباً للنقاش والجدل في أكثر من مكان بشأن دور الدولة وسيادتها واحترام قراراتها وحدودها وما سوى ذلك.

لكنّه في المقابل حرّك شيئاً من السكون، وخفّف بعضاً من الضغط، وفتح الصراع على أشكال أخرى لن تنتهي قبل أن تستقرّ كلّ أوضاع المنطقة على شكلٍ من أشكال التسوية، أو على هزيمة لأحد الأطراف.

* وائل نجم كاتب لبناني

المصدر | العربي الجديد