الاثنين 20 سبتمبر 2021 10:11 ص

أميركا ترسم تحالفات جديدة

الخلاف أبعد من هذه الصفقة وهو يعبّر عن شكوك الاتحاد الأوروبي وأعضاء حلف الأطلسي بمجمله.

هل فرنسا محقّة في استيائها المتصاعد من التحالف الثلاثي الذي جعل أستراليا تلغي صفقةَ غواصات معها؟

يعتمد بايدن وإدارته في استراتيجية مواجهة الصعود الصيني بشكل رئيسي على بريطانيا دون استبعاد «الناتو» في دور مساند.  

لم تقبل باريس تبرير بايدن اجتذاب أستراليا بتهديدات صينية متسارعة بل اعتبرته «سلوكاً يمسّ جوهر التحالفات والشراكات» ويهمّش فرنسا وأوروبا.

أبلغ بايدن قمة الناتو ببروكسل أن عودة أميركا للدبلوماسية العالمية ستحيي التحالفات والشراكات واستبق ذلك بالتوقيع مع بوريس جونسون على «ميثاق أطلسي».

لندن قد أعلنت في مارس الماضي عن تغيير جوهري في استراتيجيتها الدفاعية يرفع عدد الرؤوس النووية ويرمي لتعزيز التعاون مع دول مجموعة «آسيان».

يتطلّب خيار الاستقلالية الدفاعية الأوروبي وقتا ليتحقّق وفي الأثناء تمنح واشنطن أفضليات للتحالفات التي تختارها ولو أدت لـ«أضرار جانبية» مع بعض الحلفاء.

التداعيات السلبية للانسحاب من أفغانستان استثارت الحلفاء وضاعفت مآخذهم على أميركا لكن الواضح أن بريطانيا تجاوزتها لتعتمد أولوية أميركا للمواجهة مع الصين.

*     *     *

منذ قمة الدول السبع وقمة دول حلف الأطلسي، منتصف يونيو الماضي، كان واضحاً أن الرئيس جو بايدن وإدارته يعتمدان في استراتيجية مواجهة الصعود الصيني بشكل رئيسي على بريطانيا، من دون استبعاد «الناتو» في دور مساند.

وقبل ذلك، كانت لندن قد أعلنت في مارس عن تغيير جوهري في استراتيجيتها الدفاعية، يرفع عدد الرؤوس النووية ويرمي إلى تعزيز التعاون مع دول مجموعة «آسيان».

وفجأةً، ظهر قبل أيام تحالف «أوكوس» الثلاثي كاشفاً جزءاً من خطط واشنطن لما بعد الانسحاب من أفغانستان، إذ يضمّ الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، مع تزويد الأخيرة بغواصات تعمل بالطاقة النووية. ويُفترض أن يتبع أيضاً تحالف «كواد» الرباعي الذي يضمّ الهند وكوريا الجنوبية إلى أميركا وأستراليا، بهدف احتواء النفوذ الصيني بين المحيطين الهندي والهادئ.

وبالتوازي مع إعلان هذا التحالف يستمرّ الحوار الاستراتيجي بين الأميركيين والروس، وتناول أحد اجتماعاته في جنيف قبل أيام التنسيق بالنسبة لسوريا، في ضوء استعداد أميركي للانسحاب من الشمال الشرقي السوري بحلول ربيع 2022.

لكن اللقاءات السابقة تطرّقت إلى العلاقات والمصالح في مناطق أخرى، ليس بينها أوكرانيا، بهدف التوصّل إلى تفاهمات تجتذب روسيا أو تحيّدها في الخلاف الأميركي الصيني، لكن تفاهمات لا تزال موضع بحث، أو أن نتائجها لن تُعلن.

ولا يعتقد محلّلون أميركيون بإمكان ضبط موسكو أو إبعادها عن بكين، أيّاً تكن العروض التي تقدّمها واشنطن. غير أنهم يرون أن المهمة العاجلة لإدارة بايدن الآن تتمثّل في طمأنة الأوروبيين، الذين يترسّخ عندهم خيار الاستقلالية الدفاعية والسياسية، حتى لو كانت لديهم صعوبات في تحقيقها.

هل فرنسا محقّة في استيائها المتصاعد من التحالف الثلاثي الذي جعل أستراليا تلغي صفقةَ غواصات معها؟

الخلاف أبعد من هذه الصفقة وهو يعبّر عن شكوك الاتحاد الأوروبي وأعضاء حلف الأطلسي بمجمله. كان بايدن قد أبلغ القمة الأطلسية في بروكسل أن «عودة أميركا» إلى الديبلوماسية العالمية مبنية على إحياء التحالفات والشراكات، لكنه استبق ذلك بالتوقيع مع بوريس جونسون على «ميثاق أطلسي» فُهم بأنه تجديدٌ للتحالف الثنائي التقليدي بين أميركا وبريطانيا الخارجة لتوّها من الاتحاد الأوروبي.

لذلك لم تقبل باريس تبرير بايدن اجتذاب أستراليا على هذا النحو بـ«تهديدات متسارعة» من جانب الصين، بل اعتبرته «سلوكاً يمسّ جوهر التحالفات والشراكات»، لأنه يهمّش فرنسا وبالتالي أوروبا والأهمية التي توليانها لمنطقة المحيطين.

في الأساس لم تخض واشنطن نقاشاً معمّقاً مع الحلفاء الأوروبيين، إذ تعرف مسبقاً أنهم غير متحمّسين لمواجهة الصين في «حرب باردة» جديدة، ويريدون أن تكون لهم كلمة مسبقة في التفاهمات المحتملة بين أميركا وروسيا، ثم أنهم لم يحلّوا بعد مشكلة مساهماتهم في «الناتو».

يضاف إلى ذلك أن خروج بريطانيا من أوروبا أوجد منافسات مستجدّة تحاول فرنسا (مع ألمانيا) حسمها لمصلحة الاتحاد الأوروبي. كما أن التداعيات السلبية للانسحاب من أفغانستان استثارت الحلفاء وضاعفت مآخذهم على الحليف الأكبر، لكن من الواضح أن بريطانيا تجاوزتها لتعتمد أولوية أميركا للمواجهة مع الصين.

ورغم أن خيار الاستقلالية الدفاعية مرشّح لأن يشق طريقه بوتيرة أسرع إلا أنه يتطلّب وقتاً كي يتحقّق، وفي الأثناء تمنح واشنطن الأفضليات للتحالفات التي تختارها ولو أدت إلى «أضرار جانبية» مع بعض الحلفاء.

* عبد الوهاب بدرخان كاتب صحفي لبناني

المصدر | الاتحاد