الاثنين 20 سبتمبر 2021 08:51 م

بهزيمة حزب العدالة والتنمية المغربي في الانتخابات الأخيرة، سقطت آخر تجربة للإسلاميين في حكم الدول العربية، بعد إطاحة الجيش بحكم الإخوان المسلمين في مصر عقب مظاهرات شعبية عام 2013، وإعلان الرئيس التونسي "قيس سعيد" حل الحكومة وتجميد البرلمان، الذي تمثل حركة النهضة الإسلامية النفوذ الأبرز به.

كان حزب "النهضة"، الذي يصف نفسه بأنه "ديمقراطي مسلم"، أكبر حزب في البرلمان التونسي حتى علق الرئيس "قيس سعيد" البرلمان في 25 يوليو/ تموز الماضي، وبعد أكثر من شهر بقليل، تعرض حزب "العدالة والتنمية" المغربي، لهزيمة ساحقة في الانتخابات، حيث فقد 90% من المقاعد التي كان يشغلها.

وخلافا لما حدث مع الإسلاميين في مصر وتونس بعد الربيع العربي، يعد العدالة والتنمية أول حزب إسلامي يغادر السلطة من خلال صناديق الاقتراع.

وبينما جاءت نتيجة انتخابات المغرب في السياق الذي توقعه عديد المراقبين، إلا أن قيادة الحزب اعتبرت النتائج "غير مفهومة وغير منطقية ولا تعكس حقيقة الخريطة السياسية ولا موقع الحزب ومكانته في المشهد السياسي وحصيلته في تدبير الشأن العام المحلي والحكومي"، حسبما أوردت في بيان رسمي.

خسارة الحزب كانت متوقعة ولكن ليس بهذا العدد وبهذه الكيفية (من 125 مقعدا برلمانيا في الانتخابات السابقة إلى 13 مقعدا في الانتخابات الحالية)، خاصة أن الحزب حقق نتائج تصاعدية منذ مشاركته في أول انتخابات برلمانية عام 1997، إلى أن وصل إلى رئاسة الحكومة عقب احتجاجات حركة 20 فبراير/شباط 2011 المطالبة "بإسقاط الفساد والاستبداد".

ويكمن السبب وراء ذلك في أن الحزب، الذي احتل أعلى مكانة في البرلمان المغربي خلال عقد كامل، فشل في تحقيق إصلاح جذري واحد أو تخفيف الشبكة الضخمة من الفساد المؤسسي، كما تخلى عن هدفه الرئيسي المتمثل في تقليص صلاحيات الملك الساحقة وتحويل المغرب إلى ديمقراطية دستورية حقيقية، وفشل أيضًا في تحقيق وعد حملته بتسريع التنمية الاقتصادية في البلاد.

ومثل حزب "النهضة" التونسي، لم يتكمن "العدالة والتنمية" تحقيق الإصلاح التشريعي المنشود، بل اتجه لدفع اللغة الفرنسية في التعليم (على حساب اللغة العربية) وتخلى عن بعض مطالباته التي رفعها عندما كان بموقع المعارضة، ما خصم من رصيده وأفقده مصداقيته.

ففي العام الماضي، على سبيل المثل، تعهد رئيس وزراء الحزب المغربي "سعد الدين العثماني"، بعدم التعامل مع إسرائيل أبدًا، ثم شارك بعد أسابيع بتطبيع العلاقات مع الدولة اليهودية.

وإزاء ذلك، اعتبر موقع "ميديا بارت" الاستقصائي الفرنسي هزيمة "العدالة والتنمية" المغربي في الانتخابات العامة الأخيرة، "نهاية لحقبة حراك 20 فبراير/شباط في البلاد".

ويعتقد محللون أن خسارة "العدالة والتنمية" جاءت بسبب الخضوع بالكامل لصانع القرار في المغرب (الملك)، إذ "كان الحزب أمام خيارين، الأول مطالب المجتمع، والثاني استرضاء صانع القرار السياسي في المغرب، ولكنه اختار التفريط بالمطالب الشعبية مقابل استرضاء صانع القرار"، حسبما أورد الموقع الفرنسي.

إغلاق قوس الإسلاميين

وإزاء هذا المآل، ثمة اتجاه تحليلي يرى أن خسارة "العدالة والتنمية" المغربي جاءت بمثابة إغلاق لقوس الأحزاب الإسلامية في المنطقة، التي وصلت إلى الحكم أو الحكومة في الدول العربية قبل 10 سنوات، في خضم ثورات الربيع العربي، خصوصاً أنها جاءت عقب أسابيع فقط من تعثر حزب النهضة الإسلامي في تونس، مهد تلك التحركات.

وينسجم هذا التوجه مع رؤية مستشار ولي عهد أبوظبي السابق "عبدالخالق عبدالله"، الذي علق على حصاد السنوات العشر الماضية، عبر تويتر، مغردا: "بعد عقد من المواجهات الصعبة خرجت الإمارات منتصرة في المعركة ضد عبث الإخوان، وتمكنت من وقف زحفه على امتداد الوطن العربي، وساهمت في تقوية محور الاستقرار والاعتدال في مواجهة قوى الإرهاب والفوضى (..) الآن تتجه الإمارات نحو قمة جديدة وتستعد لمهام وطنية وقومية وعالمية أكثر أهمية لعقد قادم".

وجاءت تغريدة "عبدالله" وسط احتفاء لوسائل إعلام إماراتية شبه رسمية بالقرارات التي اتخذها الرئيس التونس "قيس سعيد"، وتضمنت تجميد البرلمان وتولي رئاسة النيابة العامة، معتبرة ذلك "انتصارا على الإخوان الذين يمثلهم حزب النهضة".

ولا يستبعد رئيس مركز أطلس لتحليل المؤشرات السياسية والمؤسساتية "محمد بودن" "السياق الإقليمي الذي تضمن إغلاق قوس الإسلام السياسي في عدد من التجارب"، قائلا: "صحيح هذا عامل ثانوي لكن يجب أخذه بعين الاعتبار في التحليل"، وفقا لما أوردته "رويترز".

فيما يرى الخبير في الحركات الإسلامية "حسن أبو هنية" أن "هناك مشكلة بنيوية داخل حركات الإسلام السياسي التي تخلت عن مبادئها، واندمجت في السياسات الوطنية المحلية، ومن ثم فقدت مبادئها والمثل التي كانت تدافع عنها تاريخيا، وهذا الأمر نجده في كل المنطقة ليس فقط في المغرب"، وفقا لما أوردته صحيفة "السبيل" الأردنية.

ويشير المحلل "حمزة المؤدب"، من مركز كارنيجي للشرق الأوسط، إلى أن تجربة الإسلاميين في العقد الماضي سقطت "من خلال التسوية مع النخب الاقتصادية وقبول الوضع الراهن"، لافتا إلى أنهم "فشلوا اقتصاديًا.. من خلال المساومة مع الأحزاب الأخرى، وفي السياسة فشلوا أيديولوجياً"، وفقا لما أوردته صحيفة "الإيكونوميست" البريطانية.

ويرى الباحث العراقي "أيمن الدوسري" أن "وصول الإسلاميين إلى السلطة شجع حواراً فكرياً واجتماعياً ناقداً وفاحصاً لتجربة التيار الديني، التي أخرجته عن كونه ممثلاً لجماعات مؤمنة كانت تتعرض للقمع منذ الستينيات، وجعلته يقف أمام المرآة لتظهر عيوبه المشتركة مع الأنظمة الفاسدة في الغالب"، وفقا لما أوردته صحيفة "الجريدة" الكويتية.

لا سقوط نهائي

في المقابل، يعتقد الباحث الفرنسي في شؤون الحركات الإسلامية "فرانسوا بورغا" بأن "نتائج الانتخابات في المغرب لن تؤثر على مسيرة الأحزاب الإسلامية في المنطقة"، وعزا ذلك إلى أن "حزب العدالة والتنمية لم يكن يمارس السلطة في المغرب، فطبيعة نظام الحكم بالمغرب خاص جدا، فهو لا يسمح لأي قوى من المعارضة أن تشارك فعليا في ممارسة السلطة".

ويرى "بورغا" أن "الأحزاب الإسلامية لا تعيش أزمة على إطلاقها، بل الأحزاب التي اقتربت من السلطة ومارست جزءا منها في ظروف صعبة على وجه خاص".

في السياق، يرى عضو مجلس شورى حركة النهضة التونسية "جلال الورغي" أن "الإسلام السياسي لم يسقط بالنظر إلى أنه لا يزال التيار الأقوى والأكثر حضورا في أغلب الدول العربية" حسبما نقل عنه موقع قناة "الحرة" الأمريكية.

وأضاف "الورغي" أن أحزاب الإسلام السياسي ليست في صعود، ولكنها في مرحلة اختبار، مشيرا إلى أن "تراجعها لا يعني هزيمتها" حسب قوله.

 واعتبر عضو شورى "النهضة" أن تراجع الأحزاب الإسلامية بعد سنوات من الحكم هو "مشهد من مشاهد الديمقراطية ومظهر طبيعي في أي دولة، حيث تتراجع أحزاب وتصعد أخرى".

ويتوقع المحلل السياسي المغربي "المهدي الفقير" أن يبقى الخطاب الديني السياسي في العالم حذراً، مشيرا إلى أنه "موجود من عشرات السنوات ومر بالعديد من الانتكاسات ثم عاد، وهو ما يعني أن الشعارات الإيدلوجية للإسلام السياسي لم تسقط"، وفقا لما أوردته وكالة "ستيب" الإخبارية.

ويعزز من هذا التحليل وجود أطياف أخرى من التيار الإسلامي السياسي، لاتزال تحتفظ بمصداقية مواقفها الرافضة للتطبيع مع منظومة الفساد الحكومي في العالم العربي أو التطبيع مع إسرائيل.

وفي الحالة المغربية، تعد جماعة "العدل والإحسان" أبرز هذه الأطياف، إذ رفضت تقديم التنازلات الخطيرة التي قدمها "العدالة والتنمية".

ولذا قللت الجماعة، التي قاطعت الانتخابات المغربية الأخيرة، من أهمية هزيمة "العدالة والتنمية"، باعتبار أن "الرتبة الأولى والرابعة والعاشرة في الانتخابات لا يختلف بعضها عن بعض" طالما أن "العملية فاسدة برمتها"، لذلك "فالرتب لا تعني شيئا، والنتيجة واحدة في كل الأحوال"، حسبما صرح رئيس الدائرة السياسية للجماعة "عبد الواحد متوكل".

فيما يستشرف مراقبون آخرون، بينهم المحلل السياسي "مهدي الإدريسي"، فرصة لتشكل تيارات إسلامية جديدة من رحم تلك القديمة، عبر "انشقاقات" على قيادة الأحزاب التي خرجت من تجارب فاشلة، وفقا لما نقله موقع "أصوات مغاربية".

فهل يتحقق هكذا استشراف؟ أم تبدأ تجربة إسلامية جديدة من خارج منظومة "الإسلام السياسي" عبر استلهام تجارب الحركات الجهادية؟ تحمل السنوات المقبلة لحكم طالبان في أفغانستان الإجابة في طياتها على الأرجح.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات