الثلاثاء 21 سبتمبر 2021 07:29 ص

بوتفليقة: حصيلة متناقضة في ذمة التاريخ

مكانة بوتفليقة في ضمائر غالبية الجزائريين ظلت مقترنة بالحصيلة المتناقضة، وصورته رئيساً يحكم من كرسي نقال.

الوجدان الشعبي الجزائري لن يحيل بوتفليقة إلى مرجعية أخرى سوى ذمة التاريخ، الذي لن يغفل عن حصيلة إجمالية كهذه، ما لها وما عليها.

دبلوماسي شاب لمع في المنابر الدولية مدافعاً عن العالم الثالث وناطقاً باسم حركات التحرر بصفته وزير خارجية بلد بات رمزاً رفيعاً لثورات التحرر من الاستعمار.

لم يتردد بوتفليقة في الانضمام إلى الانقلاب العسكري الذي قاده هواري بومدين ضد أحمد بن بلة في 1965 ويمارس الاستئثار بالرئاسة في انتخابات مشكوك بنزاهتها.

اقترنت عودته للجزائر بصفقة مع الجنرالات بعد إبطال نتائج الانتخابات التشريعية أواخر 1991 وفازت بها «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» مما سبب اندلاع حرب أهلية.

سجل حافل بتناقضات ستدخل تاريخ الجزائر تعبيراً مأساوياً عن مسارات مناضل ودبلوماسي ورجل دولة وحاكم مستبد وتنضم لتواريخ ما بعد الاستعمار وحركات التحرر الوطني بصفات متضاربة.

*     *     *

رحل الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة (1937-2021) وقد ترك وراءه سجلاً حافلاً بالتناقضات التي ستدخل تاريخ الجزائر بوصفها تعبيراً مأساوياً عن مسارات مناضل ودبلوماسي ورجل دولة وحاكم مستبد، والتي لن تعدم طريقها إلى تواريخ ما بعد الاستعمار وتجارب حركات التحرر الوطني بهذه الصفات المتضاربة أيضاً.

ورغم أن جثمانه ووري الثرى في مقبرة كبار قادة ثورة التحرر من الاستعمار الفرنسي، وحظي بمراسم تأبين رسمية شارك فيها رئيس الجمهورية الحالي، إلا أن مكانة بوتفليقة في ضمائر غالبية الجزائريين ظلت مقترنة بالحصيلة المتناقضة، وصورته رئيساً يحكم من كرسي نقال.

وبهذا المعنى فإن سجل بوتفليقة يبدو أقرب إلى تلخيص لأقدار فئات سياسية انخرطت في العمل الوطني خلال النضال ضد الاستعمار الفرنسي سنوات 1954 وحتى 1962، ثم تولت هذا الموقع أو ذاك في إدارة جزائر ما بعد الاستقلال فعكست محاسن جيل ومساوئه في ميادين العمل السياسي والاقتصادي والتنموي والدبلوماسي المختلفة.

وليس مساراً مألوفاً أن يبدأ تاريخ بوتفليقة من ترك الدراسة الثانوية والانخراط مبكراً في صفوف «جبهة التحرير» وأن يشغل مهامّ شتى حزبية وعسكرية قبل أن يصل إلى عضوية اللجنة المركزية والمكتب السياسي للجبهة، ويتولى وزارة الخارجية وهو لا يتجاوز 26 سنة من العمر، ويصل إلى رئاسة الجزائر أربع مرات متتالية.

هذا الدبلوماسي الشاب لمع في المنابر الدولية مدافعاً عن قضايا العالم الثالث وناطقاً باسم حركات التحرر في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، من موقع وزير خارجية بلد بات رمزاً رفيعاً لثورات التحرر من الاستعمار.

لكنه لم يتردد في الانضمام إلى الانقلاب العسكري الذي قاده هواري بومدين ضد أحمد بن بلة في سنة 1965، ولن يمتنع عن الاستئثار بالرئاسة عبر انتخابات مشكوك في نزاهتها!

لأنها بدأت من نسبة 70% لتمرّ بنسب 80 و85 و90%، وتوجب أن تفتعل تعديلاً في الدستور أتاح له الترشح لولاية ثالثة ثم رابعة، وكان يطمع في ولاية خامسة لولا أن الحراك الشعبي أجبره على الاستقالة والعزل الذاتي.

ولا يغيب عن هذا السجل علاقة بوتفليقة، والكثير من ممثلي ذلك الجيل، مع الجيش وكبار الضباط وأركان الفساد والنهب، إذْ لم يكن غريباً أن يدخل في صراع مع الجنرالات في سنة 1981 فيُحال إلى مجلس تأديبي ويُستبعد من اللجنة المركزية للجبهة بتهمة الاختلاس، فيغادر الجزائر إلى سويسرا والإمارات.

كذلك لم يكن غريباً أن عودته إلى الجزائر اقترنت بصفقة مع الجنرالات بعد إبطال نتائج الانتخابات التشريعية أواخر العام 1991 التي فازت فيها «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» وكانت السبب الأبرز وراء اندلاع حرب أهلية سقط خلالها عشرات الآلاف من الضحايا.

ولم يكن العفو العام الذي أصدره بوتفليقة، ثم الاستفتاء على «الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية» وتسليم معظم مفاتيح السلطة الفعلية إلى قادة الجيش والأمن ورموز الفساد، سوى بعض تفاصيل الصفقة تلك.

والأرجح أن الوجدان الشعبي الجزائري لن يحيل بوتفليقة إلى مرجعية أخرى سوى ذمة التاريخ، الذي لن يغفل عن حصيلة إجمالية كهذه، ما لها وما عليها.

المصدر | القدس العربي