الثلاثاء 21 سبتمبر 2021 10:02 ص

طالبان ومهمة إنقاذ الاقتصاد الأفغاني

سيطرة طالبان على مقدرات الاستقرار السياسي والأمني في البلاد، ستمهد لها خوض معركة التنمية بصورة أفضل.

سعر الدولار لم يشهد أي تذبذبات عنيفة على مدار أكثر من شهر إذ يبلغ 86 ألف أفغاني مما يمكن البناء عليها في ما يتعلق بمستقبل الاقتصاد الأفغاني.

تبقى قضية التنمية في أفغانستان، ملفاً مفتوحاً لأجل ممتد، ليثبت مدى نجاح طالبان في إدارته ويؤمل أن تكون خياراتهم محصورة بين أن ينجحوا أو ينجحوا.

أصدرت طالبان عفوا عاما عن المسؤولين السابقين ودعت الموظفين بمختلف إدارات الدولة للعودة إلى أعمالهم وحافظت على بنية مؤسسات الدولة الاقتصادية.

*     *     *

خطوات مبشرة تُعبر بها طالبان عن نفسها في حكمها لأفغانستان، فالحركة التي خاضت غمار مواجهة عسكرية على مدار 20 عامًا ضد الاحتلال، هي التي نجحت في خوض المفاوضات التي مهدت لجلاء القوات الأميركية وقوات الناتو المحتلة عن بلادهم.

سيطرة طالبان على مقدرات الاستقرار السياسي والأمني في البلاد، ستمهد لها خوض معركة التنمية، بصورة أفضل، فهي لم تعلن عن حكومتها التي وصفت بأنها حكومة انتقالية، إلا بعد أن حسمت معركتها الأخيرة مع مناهضيها، على قلتهم.

وفي الوقت نفسه، كانت طالبان حريصة على تغيير صورتها الذهنية لدى الجميع، عبر إدارتها المعركة الإعلامية بصورة إيجابية، حيث حرصت على تصدير العفو العام للمسؤولين السابقين، ودعوتها الموظفين في مختلف إدارات الدولة إلى العودة إلى أعمالهم، وحافظت على بنية مؤسسات الدولة على الصعيد الاقتصادي، مثل عدم الاقتراب من البنك المركزي، والقطاع المصرفي، لتطمئن الجميع بأنها حريصة على إقامة حكم مستقر.

ثمة أمر مهم وملفت للنظر، أنه بالنسبة لسعر الصرف، فعادة في مثل ظروف أفغانستان، هو أن تحدث قفزة كبيرة في سعر العملات الأجنبية، ويتخوف الناس من الأوضاع الجديدة، فيتجهون للتخلص من العملة المحلية، ويسعون للحصول على النقد الأجنبي، ولكن وجدنا أن سعر الدولار لم يشهد أي تذبذبات عنيفة على مدار أكثر من شهر، إذ يبلغ 86 ألف أفغاني.

هذه ملاحظة مهمة، يمكن البناء عليها في ما يتعلق بمستقبل الاقتصاد الأفغاني، فكون المجتمع يشعر بالاستقرار السياسي والأمني، وعدم وجود حالة من الخوف على مدخراته، واستقرار بالعملة التي يتم التعامل بها، فبلا شك سيكون هناك حالة من النجاح، بسبب هذه الدرجة من الثقة التي تؤهل للاستمرار بمعترك التنمية.

وعادة ما تكون الفترة الانتقالية صعبة، إذ تقفز فيها أسعار الغذاء بشكل كبير، مع معاناة المواطن في توفير المتطلبات الأساسية، ولكن طالبان حرصت على عدم حدوث أزمة في هذا الأمر، إذ سعت لتأمين مرور التجارة مع جارتيها بشكل طبيعي، وهما باكستان وإيران، فاستمر تدفق السلع، مع ميزة جديدة، وهي إلغاء الإتاوات التي كانت تفرض على هذه التجارة من قبل المليشيات المختلفة، او حدوث تزاحم على المواد الغذائية من المواطنين، أو قيام التجار باحتكار وتخزين السلع.

و على الرغم من أن سهيل شاهين المتحدث باسم طالبان رحب بدور مهم للصين في إعادة الإعمار، وأن الحركة لديها علاقات جيدة بالصين، وأنهم زاروا بكين أكثر من مرة، مما يعني أن الفترة القادمة ستعطي فرصة للصين لتنفيذ العديد من المشروعات، إلا أن شاهين لم يغلق الباب على الصين فقط، بل رحب بأن يكون لأميركا دور في إعادة الإعمار إن أرادت.

وأضاف شاهين بأن طالبان ترحب بعلاقات طيبة مع جميع دول العالم ماعدا إسرائيل، وهنا نحن أمام خطاب يتسم بميزة في العلاقات الاقتصادية والسياسية الخارجية، وهي الحرص على مشاركة الجميع، وعدم الوقوع في خانة تركز العلاقات الخارجية، وقصرها على طرف بعينه، يمكنه فيما بعد، من ممارسة ضغوط، يمكنها أن تؤثر على مسارات القرار السياسي والاقتصادي للبلاد.

إن تشكيل الحكومة المؤقتة لطالبان في أفغانستان، تضمن مجموعة من الوزارات المهمة المعنية بالشأن الاقتصادي والاجتماعي، منها (الاقتصاد، والمالية، والتوسع القروي، والمعادن والبترول، والمياه والكهرباء، وشؤون المهاجرين).

والتحدي الذي سيواجه طالبان خلال المرحلة المقبلة في قضية إعادة الإعمار، هو الطموح الكبير من قبل المجتمع، والذي قضى أكثر من أربعة عقود في بيئة الحروب، ويتطلع لحياة مستقرة، ينعم فيها بالمتطلبات الأساسية من الصحة والتعليم والبنية الأساسية، وفرص العمل.

وبلا شك في أن ذلك يحتاج إلى تمويل، قد تتيح المدخرات المحلية قدرًا منه، وسيكون الخارج أحد المصادر المهمة لتدبير التمويل، وهنا لا بد من إدارة جيدة، تعي كيف تدير المتاح من مصادر تمويل محلية، لتمويل أكبر قدر ممكن في قضية إعادة الإعمار، وإذا ما تم اللجوء للخارج، فيكون بصورة لا تستغل فيها البلاد عبر احتلال اقتصادي، أو التفريط في مواردها الطبيعية.

ولعل التأسيس لوجود شركات وطنية، للقيام بمهام إعادة الإعمار يفيد في الحالة الأفغانية، من خلال الدعوة للاكتتاب العام في هذه الشركات، على أن يكون للحكومة حصة من 15% - 20%، بما يضمن للناس الثقة في هذه الشركات، ويمكن الحكومة من الرقابة على عملها، وفي نفس الوقت تضمن الحكومة تقديم سلعة أو خدمة عامة، ذات موصفات جيدة، وسعر مناسب، وبذلك تكون قد فتحت للناس أبواباً للاستثمار الآمن، وإعادة تدوير الأرباح داخل الاقتصادي الأفغاني.

وفي هذا الإطار تكون الحكومة بمثابة مروج مشروعات، ويمكنها فيما بعد الخروج من ملكية هذه الشركات مع الحفاظ على نسبة بسيطة ولو 1%، أو الاحتفاظ بما يسمى السهم الذهبي، وهو سهم لا يقابله حصة في رأس المال، ولكنه يمكّن الحكومة من الاعتراض على قرارات الشركة، إذا ما مارست الاحتكار، أو تقديم خدماتها بأسعار مبالغ فيها.

وثمة أمر مهم في شأن توفير التمويل، وهو أن يسمح للبنوك بإنشاء شركات، في حدود نسبة معينة من رأس مالها، أو من الودائع، بحيث يساعد ذلك على تنشيط الاقتصاد الوطني، وفي نفس الوقت يُخرج البنوك من قيد التعامل بالديون، والدخول في شراكات حقيقية، وإنشاء مشروعات يحتاجها المجتمع بالفعل.

يتسم القطاع غير المنظم بقدرته على إيجاد فرص عمل سريعة، وغير مكلفة، وإن كان لذلك سلبية غياب الحماية الاجتماعية للعاملين بهذا القطاع، لكن حكومة طالبان بإمكانها أن تتدخل بشكل تدريجي بما يضمن تنظيم شؤون هذا القطاع، ليحافظ على حيويته، وفي نفس الوقت تمهيدًا لنقله للاقتصاد غير المنظم.

ولكن لا يكون المدخل هو تكبيل هذا القطاع بإلزامه بالنظم الضريبية أو فرض الرسوم، بل من خلال تدخل البلديات، بتقديم تسهيلات لهذا القطاع، من خلال إقامة الأسواق المحلية المنظمة، سواء كانت دائمة أو مؤقتة.

وكذلك الحرص على توفير الحد الأدنى للأمن الصناعي للمشروعات العاملة في المجال الحرفي أو التصنيع، وتشجيع المشروعات التي تحافظ على البيئة، والالتزام بالمواصفات الصحة والسلامة، فيما يتعلق بالغذاء والمنتجات الزراعية، أو حتى المنتجات الصناعية الأخرى.

أخيرا، تبقى قضية التنمية في أفغانستان، ملفاً مفتوحاً لأجل ممتد، ليثبت مدى نجاح طالبان في إدارته، ونتمنى لهم أن يكون خياراتهم محصورة بين أن ينجحوا أو ينجحوا.

* عبد الحافظ الصاوي كاتب وباحث اقتصادي

المصدر | العربي الجديد