الأربعاء 22 سبتمبر 2021 04:45 م

بدت صور الفوضى في مطار كابل الشهر الماضي بالنسبة للكثيرين في مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية وكأنها تأكيد على أنه عندما تغادر الولايات المتحدة فإن الفوضى ستكون حتمية. لكن بينما كانت كل الأنظار تتجه إلى أفغانستان، وقع حدث أكثر أهمية في بغداد كنتيجة مباشرة لتحول واشنطن العسكري بعيدًا عن الشرق الأوسط حيث كان وزراء خارجية السعودية وإيران والإمارات يجتمعون معًا في قمة أمنية إقليمية استضافتها الحكومة العراقية.

وبدلاً من الفوضى، قدمت قمة بغداد رسالة مختلفة وهي أنه مع تراجع الولايات المتحدة عسكريًا، ستتجه دول المنطقة للتفاهمات الدبلوماسية.

إن القصة غير المروية عن الشرق الأوسط خلال الأشهر القليلة الماضية هي الزيادة الهائلة في النشاط الدبلوماسي بين الجهات الإقليمية الفاعلة. لقد سعت الإمارات وتركيا لحل التوترات بينهما، حيث التقى مستشار الأمن القومي الإماراتي "طحنون بن زايد" بالرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" في أنقرة الشهر الماضي بالرغم من سنوات المواجهة في عدد من المسارح في الشرق الأوسط.

وكانت تركيا داعماً رئيسياً لجماعة "الإخوان المسلمون" التي يعتبرها الإماراتيون التهديد الأيديولوجي الرئيسي لهم، فيما تعتقد تركيا أن الإمارات دعمت الانقلاب العسكري الفاشل ضد "أردوغان" في 2016. والآن يبدو أن الجانبين قررا الحد من التوترات السياسية من خلال زيادة التعاون الاقتصادي.

وسعت أنقرة أيضًا إلى الحد من التوترات مع القاهرة، التي أطاح ديكتاتورها الجنرال "عبدالفتاح السيسي"، بحكومة "الإخوان المسلمون" بقيادة "محمد مرسي" في انقلاب عام 2013.

كما عاد القطريون، الداعمون الأقوياء لـ"مرسي"​​، إلى اتفاق مع المصريين في حين أن علاقات الدوحة والرياض تحسنت خلال العام الجاري بعد أن رفعت السعودية الحصار الذي فرضته على قطر لمدة 3 سنوات ونصف.

وانخرط القطريون أيضا في التهدئة مع الإماراتيين حيث حصل اجتماع الشهر الماضي في الدوحة بين أمير قطر الشيخ "تميم بن حمد آل ثاني" و"طحنون بن زايد"، وهو أعلى مستوى تشاور ثنائي بين الخصمين منذ بدء الحصار على الدوحة في 2017.

وقبل أيام، استضاف ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" أمير قطر و"طحنون" في منتجع على البحر الأحمر، حيث وقفوا لالتقاط صورة ودية وإن كانت محرجة.

وكانت قمة بغداد تتويجا لموجة من النشاط الدبلوماسي في الأشهر الماضية بهدف إرساء الأساس لنظام أمني إقليمي جديد. وكانت القمة استثنائية بالفعل ليس بسبب القرارات التي صدرت عنها ولكن لكونها عقدت أصلاً ولمن حضرها: وزراء خارجية إيران والسعودية والإمارات وتركيا، بالإضافة إلى قادة مصر وقطر والكويت والبحرين.

وقال وزير الخارجية العراقي "فؤاد حسين": "نجحنا في جمع الدول المتنافسة معًا على طاولة واحدة.. هذا الأمر ليس مهما فقط بالنسبة لهم ولنا، ولكن بالنسبة للمنطقة بأسرها".

وقد وصفها الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون"، الذي حضر القمة أيضًا، بأنها "تاريخية" بينما أصدر الرئيس الأمريكي "جو بايدن" رسالة تهنئة لبغداد، لم يلتفت إليها أحد، لاستضافتها "قمة إقليمية رائدة".

وتعاملت إدارة "بايدن" بحكمة عندما قررت عدم لفت الانتباه إلى تسهيل العراق للدبلوماسية الإقليمية، ودعمته في حين قاومت إغراء فرض نفسها. وبالنظر إلى دور واشنطن المستمر منذ عقود كلاعب خارجي مهيمن في المنطقة، ناهيك عن التأثير المزعزع للاستقرار في العراق منذ احتلاله عام 2003، فإن الدور الأمريكي الأكثر بروزًا ربما جعل من المستحيل تحقيق مثل هذه المشاركة الواسعة.

ويعد أهم اختراق دبلوماسي هو ما يحدث بين بين السعودية وإيران، الخصمين الرئيسيين في المنطقة. ويستضيف العراقيون اجتماعات سرية رفيعة المستوى بين الخصمين منذ أشهر، وقد التقط قادة إيرانيون وسعوديون وإماراتيون كبار الصور معًا في بغداد. (كما عقد حاكم إمارة دبي الشيخ "محمد بن راشد آل مكتوم" اجتماعاً ثنائياً مع وزير الخارجية الإيراني الجديد "حسين أمير عبداللهيان").

وكانت التغطية المحدودة التي رافقت قمة بغداد تميل إلى التركيز على الدور الذي فاز به العراق كمحور دبلوماسي للمنطقة، بدلاً من السؤال الأكثر أهمية حول سبب حدوث كل هذا الآن. وكيف تغيرت دوافع العديد من الدول فجأة لصالح الدبلوماسية في نفس الوقت؟

ولا يكمن الجواب في التعب من الصراع لأنه من غير المرجح أن يعاني جميع اللاعبين من الإرهاق في نفس الوقت. ولكن الإجابة تكمن في الطريقة التي يؤثر بها الانسحاب العسكري الأمريكي من الشرق الأوسط على حساب التكلفة والعائد بالنسبة لجميع اللاعبين عندما يتعلق الأمر بمواصلة تنافسهم خارج إطار الدبلوماسية.

وكما كتبت في "فورين بوليسي" في أبريل/نيسان: "لم يكن هناك الكثير أمام واشنطن لطمأنة شركائها الأمنيين في المنطقة أنها ستستمر في دعمهم دون قيد أو شرط، بغض النظر عن السلوك الطائش الذي يقومون به".

إن ابتعاد واشنطن عن التورط في نزاعات ومؤامرات شركائها في الشرق الأوسط "أجبر قوى المنطقة على النظر أخيرًا إلى الدبلوماسية على أنها أفضل خيار لها". وكانت الفرص الدبلوماسية متاحة لهم بسهولة طوال الوقت، ولكن طالما كان بإمكان شركاء الولايات المتحدة الاعتماد على واشنطن لدعمهم وحل مشاكلهم، كان يُنظر إلى الدبلوماسية على أنها ليست الخيار الأمثل.

على سبيل المثال، فضّلت القيادة السعودية أن تقوم الولايات المتحدة بالقضاء على خصوم الرياض أو احتوائهم أو عزلهم سياسيًا، لأن المفاوضات مع خصوم مثل إيران ستؤدي حتمًا إلى تنازلات مؤلمة لا ترغب المملكة في تقديمها. وطالما أن شركاء واشنطن الإقليميين كانوا يتمتعون بـ"خيار أمريكي"، فقد اعتُبرت المواجهة أفضل من الدبلوماسية.

وبالرغم أنه من السابق لأوانه الحكم على مدى نجاح قمة بغداد، إلا أنها تثبت صحة التوجه الاستراتيجي للولايات المتحدة حيث أطلق انسحاب "بايدن" الوشيك من المنطقة العنان لإمكانات غير مستغلة للجهات الفاعلة في الشرق الأوسط لحل مشاكلها ومحاولة بناء الهياكل اللازمة لضمان منطقة أكثر سلامًا واستقرارًا.

وكان كل ما على واشنطن فعله هو التوقف عن تزويد دول المنطقة بخيار وجودها.

وقد تحدث تطورات مماثلة في جوار أفغانستان أيضًا حيث تدعو بكين إلى اجتماع 4 دول هي إيران وروسيا وباكستان والصين "لتعزيز التنسيق ومنع الفوضى وكبح الإرهاب". وستكشف الأيام ما إذا كانت هذه الدول ستنجح دبلوماسياً فيما فشلت فيه الولايات المتحدة عسكرياً.

لكن هناك شيء واحد واضح وهو أن وسائل الإعلام لا تحب التحركات الدبلوماسية التي لن تحصل على نفس التغطية مثل هجوم إرهابي مروع في مطار مزدحم. لكن بصور جيدة أم بدونها، هذه هي النتائج الحقيقية لانسحاب الولايات المتحدة الوشيك، ويجب الاحتفال بها.

المصدر | تريتا بارسي/ ريسبونسبال ستيتكرافت – ترجمة وتحرير الخليج الجديد