الخميس 23 سبتمبر 2021 05:55 م

مستقبل حلف الناتو والتحولات الجيوستراتيجية

في حين تبذل أميركا كل جهودها للجم توسع الصين بالسوق العالمي تزداد تجارة أوروبا معها على حساب مكانة أميركا في تجارة أوروبا.

تحولات جيوسياسية راهنة ومستقبلية ستقلل أهمية الغطاء العسكري الأميركي لاوروبا مما قد يؤدي خلال العشرين سنة القادمة الى تفكك حلف الاطلسي.

بدأ تشقق الكتلة الرأسمالية الغربية التقليدية بالظهور مما يتضح في تباين الأولويات الاستراتيجية وتباين إدارة العلاقات الدولية المستجدة بتحولاتها الجذرية.

تحول أميركي استراتيجي الى المحيط الهادئ برؤية استراتيجية ترى الصين "مركز التهديد" وهو أمر اقل شانا من منظور استراتيجي أوروبي كما اتضح في التوتر الامريكي الفرنسي.

*     *     *

في كتابي المعنون "الدراسات المستقبلية في العلاقات الدولية" (الصادر في المغرب عام 1992، الطبعة الثانية، ص139) ورد ما يلي حرفيا: إن مجموعة من التحولات الجارية  والمستقبلية "ستضعف من أهمية الغطاء العسكري الأمريكي لاوروبا ، وهو الامر الذي قد يؤدي خلال العشرين سنة القادمة الى تفكك حلف الاطلسي".

وعدت في دراستي عن مستقبل المكانة الدولية للولايات المتحدة الصادرة  في مجلة "السياسة الدولية" – مركز الدراسات الاستراتيجية – الأهرام – مصر عام 1996 الى التأكيد حرفيا ( ص23) على ان  التطورات في الاتحاد الاوروبي:

"ستضع وظيفة حلف الاطلسي موضع النقاش، في ضوء المادة الخامسة من اتفاقية ماستريخت 1992 التي تنص على  صياغة سياسة أوروبية دفاعية مشتركة تقود مع الوقت الى دفاع مشترك والعمل على ان تتم معالجة القضايا الدفاعية في هيئة اوروبية منفصلة"، إشارة للانفصال عن الناتو.

ويبدو ان التحول الأميركي الاستراتيجي الى إقليم المحيط الهادئ ينطوي على رؤية استراتيجية ترى في الصين "مركز الخطر"، وهو أمر اقل شانا من المنظور الاستراتيجي الاوروبي.

وهو ما اتضح في العراك الأميركي الفرنسي الأخير حول صفقة الغواصات النووية الأميركية لاستراليا وانشاء حلف أوكوس (AUKUS) مع بريطانيا، وهو ما أنهى عقدا مع فرنسا قيمته تتجاوز 50 مليار دولار.

وجعل صحفا غربية تنقل عن مصادر فرنسية بداية التفكير في الانسحاب من القيادة العسكرية الأطلسية وكأن ديغول استيقظ من جديد! بل إن المفوضية الأوروبية أبدت امتعاضا شديدا من التصرف الاميركي لاسيما من زاوية عدم التشاور بصفتها شريكا استراتيجيا لواشنطن، وهو  تكرار لقرار الانسحاب الأميركي من افغانستان دون ان يكون لأوروبا أي دور في مناقشته واتخاذ القرار فيه.

في حين تسعى أميركا للتهويل من خطورة الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي والارتهان لضروراته، لا تشارك ألمانيا (المستفيد الاول من الغاز الروسي) الرؤية الامريكية، بل لا تبدو مفوضية الاتحاد مقتنعة بوجهة النظر الامريكية.

ومع الصين التي تسعى لان تكون نهاية طريقها وحزامها في البر وعلى شواطئ أوروبا،  تتوجس الولايات المتحدة من دلالات هذا العبور الصيني الواسع، وتتضح أبعاد الامر في ازاحة الصين لأميركا عن مركز الشريك التجاري الأول لاوروبا واحتلال هذا المركز.

فطبقا لبيانات مكتب الإحصاء الأوروبي بلغ حجم التبادل التجاري الصيني الأوروبي عام 2020 ما مجموعه 709 مليار دولار مقابل 691 مليار للولايات المتحدة، بل إن العجز التجاري لصالح الصين مع أوروبا ارتفع عام 2020 إلى 219 مليار دولار  من 199 مليار دولار عام 2019.

ذلك يعني أنه في حين تبذل واشنطن كل جهودها للجم التوسع الصيني في السوق العالمي ، تزداد تجارة بروكسل مع بكين على حساب المكانة الأمريكية تحديدا في التجارة الاوروبية.

ان وثيقة الرئيس الامريكي جو  بايدن التي نشرها في مارس الماضي بعنوان الدليل "الاستراتيجي المرحلي للأمن القومي" Interim National Security Strategic Guidance تشير بشكل واضح أولوية إقليم المحيط الهادئ على الاقليم الاوروبي.

ماذا يعني ذلك كله؟

انه يعني ان التشقق في جدران الكتلة الرأسمالية الغربية التقليدية بدأت بالظهور،  وهو ما يتضح في تباين الاولويات الاستراتيجية من ناحية، وتباين نظم ادارة العلاقات الدولية المتجددة والتي اصابتها تحولات جذرية من ناحية ثانية، بجانب الإنهاك الذي بدأت تلوح ملامحه في البنية الاميركية من ناحية ثالثة وناقشته عشرات البحوث الاكاديمية الاميركية المتخصصة من قبل أبرز علماء اميركا في العلاقات الدولية أو تيار ما يسمى بـ"التراجعيين"  Declinists.

كل ما سبق يعني أن حلف الأطلسي يواجه مأزقا وخلافا حول:

- أولا، حدود وظيفته جغرافيا وطبيعة الوظيفة (هناك جدل داخل حلف الأطلسي هل يقتصر على البعد العسكري؟ ام لا بد ان يشمل مهام غير عسكرية كالبيئة والمناخ وبعض جوانب التكنولوجيا.. وغيرها).

- ثانيا، توزيع مسؤوليات القيادة فيه، وهو أمر تتحسس منه فرنسا دائما منذ ديغول.

- ثالثا، الأعباء المالية لأداء وظيفته، خاصة أن قرار تخصيص نسبة 2% للإنفاق الدفاعي من اجمالي الناتج المحلي لكل دولة عضو، لن يبلغها عام 2024 الا  نصف الاعضاء.

- رابعا، خلافات حول منظومة القيم السياسية والاجتماعية للدول الأعضاء والتي توجه الانتقادات فيها لتركيا.

كل ما سبق تمثل امورا لا يبدو حلها بسيطا مما يجعل الاتجاه يستمر نحو التفكك بكيفية أو اخرى أو اعادة تعريف جديد له ولقيادته ووظيفته بشكل يجعل منه حلفا مغايرا لحلف الأطلسي القائم، لا سيما مع تزايد التوجه الاميركي نحو تكوين تحالفات اقليمية وعابرة (ad hoc coalitions) تضعف من دور  حلف الاطلسي رغم ما يشار له بخصوص المفهوم الاستراتيجي لعام 2022 للناتو والذي يبدو أن هناك مشكلات بخصوص هذا المفهوم في ظل بعض العقد المستعصية مثل الخلافات التركية اليونانية.

* د. وليد عبد الحي أستاذ علوم سياسية، باحث في الدراسات المستقبلية والاستشراف.

المصدر | facebook.com/walid.abdulhay