الاثنين 27 سبتمبر 2021 05:31 ص

عندما تم توقيع اتفاقات أبراهام بين الإمارات وإسرائيل في سبتمبر/أيلول من العام الماضي، بدا وكأنها جزء من حملة "دونالد ترامب" لإعادة انتخابه، فقد توقع بالتأكيد أن تقديم نفسه كشخص يمكن أن يجلب السلام إلى الشرق الأوسط، سيعطي دفعة كبيرة لسردية نجاح سياسته الخارجية.

وصحيح أنه ما زال هناك جدل حول ما إذا كانت الاتفاقات مجرد حيلة سياسية، إلا أنه لا يوجد شك في مدى عمق الأثر الذي تركته هذه الاتفاقيات على الشرق الأوسط.

اتفاق أم حلف؟

وتتجلى أهم آثار ذلك في علاقة الإمارات بإسرائيل، والتي تتجاوز كونها مجرد "زواج مصالح"، فقد نجح البلدان لحد كبير بشكل ملحوظ في تحويل علاقاتهم الدبلوماسية الناشئة إلى علاقات عميقة واستراتيجية.

كما يتجلى الآن أن دافع الإمارات للسعي خلف تطوير العلاقات مع إسرائيل لم يكن لمنع الأخيرة من ضم الأراضي الفلسطينية (كما سبق أن ادّعت)، وإنما كان ذلك بهدف تطوير علاقات مباشرة مع أقوى بلد في المنطقة واستخدام هذه العلاقة لدفع النمو الاقتصادي، مما يزيد من نفوذها في المنطقة ويرفع مكانتها الدولية.

وبعبارة أخرى، ففي حين أن الاتفاقية قد أطلق عليها اسم "اتفاقيات أبراهام"، فإن ما تكشفت عنه هذه الاتفاقية هو تحالف ليس فقط ضد الفلسطينيين ولكن أيضا ضد إيران وتركيا وحتى السعودية، بسبب الفوائد الهائلة التي قدمها إلى أبوظبي.

علاقات اقتصادية ضخمة

كما قال وزير الاقتصاد الإماراتي "عبدالله بن طوق المري" مؤخرا، إن السنة الأولى من العلاقات الإسرائيلية الإماراتية شهدت تكثيف العلاقات المتبادلة، حيث أوضح: "تبادلنا السفراء؛ ووقعنا أكثر من 60 مذكرة تفاهم، ولدينا ما يقدر بـ 600-700 مليون من التجارة الثنائية، كما أعلننا عن تمويلات بمليارات الدولارات. نتطلع إلى إنشاء نشاط اقتصادي يقدر بأكثر من تريليون دولار خلال العقد المقبل".

ووفقا لرئيس القنصلية الإسرائيلية في دبي، "سازتولمان ستاروستا"، فإن حوالي 200 ألف إسرائيلي زاروا الإمارات خلال العام الماضي، على الرغم من وباء "كورونا"، ويقدر بأن 40 شركة إسرائيلية قد افتتحت مقرات لها في مناطق التجارة الحرة في الإمارات.

وفي حين بلغت قيمة تجارتهما بالفعل 500 مليون دولار أمريكي، فإنهما تتطلعان إلى مضاعفة حجمها العام المقبل، حيث من المتوقع أن تصل تجارتهما الثنائية إلى تريليون دولار أمريكي خلال عقد من الزمان.

سحب البساط من السعودية

لا يقتصر الأمر على التبادل التجاري وتنامي الاعتماد الاقتصادي لكل منهما على الآخر، حيث قد يصبحان أقوى حليفين عسكريين في منطقة الشرق الأوسط، وهو الاحتمال الذي تعزز في أعقاب الانسحاب الأمريكي التدريجي من الشرق الأوسط، خاصة من السعودية.

ولم يتسبب قرار الولايات المتحدة بإزالة أنظمة الدفاع الجوي من الرياض بجعل المملكة هشة عسكريًا أمام الحوثيين فقط، وإنما جعل هذا نفوذها الجيوسياسي يتراجع أيضا.

وفي حين أن المملكة تتخذ خطوات لجعل نفسها مركز التجارة في الشرق الأوسط، في رغبة في التنافس مع دبي، فما تزال بدون دول إقليمية قوية إلى جانبها، بل إن جميع البلدان الأخرى مثل البحرين والمغرب والسودان (جميعهم اعترفوا بإسرائيل) ترى العلاقات مع التحالف الإماراتي الإسرائيلي مفتاحًا لتأمين مصالحهم الوطنية الحيوية.

وقد أصبحت الصلة الإسرائيلية الإماراتية عميقة بالفعل، وهو ما تجلى من اندلاع حرب غزة هذا العام، حيث لم يترك أي تأثير على علاقاتهما الثنائية، على الرغم من أن الدول العربية، وخاصة أولئك الذين لم يوقعوا اتفاقيات مع إسرائيل، ضغطوا على الإمارات لإدانة الفظائع الإسرائيلية.

أما السبب الحاسم الذي ساهم في نجاح علاقاتهم تحت ضغط اندلاع الأزمة فهو حقيقة وجود العلاقات الاقتصادية الثنائية قبل العلاقات الدبلوماسية الرسمية بكثير، كما أن الاتفاقيات لم تكن لتوقّع من الأساس لو كانت الأزمة الفلسطينية تمثل عائقا.

وبالنسبة لحقيقة أن هذه الاتفاقات تم توقيعها بغض النظر عن استمرار الأزمة الفلسطينية، فإن هذا يظهر الاعتبارات الإستراتيجية والجيوسياسية الخفية والأوسع التي تحكم العلاقات الإسرائيلية الإماراتية.

وهذا بالضبط ما دفع الرياض مؤخرا لمعارضة العلاقات الإماراتية الإسرائيلية المتنامية، وبعد أن رأت الرياض كيف أن اتفاقيات أبراهام لصالح الإمارات، وسرعان ما أدركت أنها تصب في عكس مصلحتها، حيث قد تؤدي وتيرة علاقاتهما لزعزعة استقرار مكانة السعودية كزعيمة للعالم الإسلامي.

وعلى الرغم من أنها ستظل مركز العالم المسلم بسبب مكة، فمن غير المرجح أن يكون لها نفس درجة التأثير العالية لتشكيل المشهد الجيواقتصادي والجيوسياسي مثل الإمارات.

وتلعب الإمارات دورا في أفغانستان، على عكس السعودية، وهي لم تقدم فقط اللجوء إلى الرئيس الأفغاني المخلوع، وإنما نقلت الطائرات مساعدات إنسانية إلى كابل أيضا.

مغازلة الولايات المتحدة

وبالتالي، فقد أدى تحالف الإمارات الرسمي مع إسرائيل لتغيير قواعد اللعبة فيما يتعلق بمكانتها الإقليمية والدولية، فمن ناحية، ما تزال دبي مركز التجارة، ومن ناحية أخرى، سمحت علاقاتها مع إسرائيل أيضا بإبقاء علاقاتها مع الولايات المتحدة دافئة جدا.

وعلى عكس هجمات إدارة "بايدن" على السعودية، ما تزال علاقات الإمارات مع واشنطن أقوى، وسمحت الولايات المتحدة بالفعل بصفقة بيع طائرات "F-35" إلى أبوظبي، مما يعني أن الإمارات ستكون الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمتلك هذه الطائرات بخلاف إسرائيل.

وبالنظر إلى حقيقة أن الإمارات وإسرائيل تعهدتا بمواصلة تطوير علاقاتها بنفس الوتيرة، فإن هذا يعني أن التكتيكات السعودية من غير المرجح أن يكون لها أي تأثير سلبي على الاتفاقات، بل إن المحاولات السعودية للضغط على أبوظبي يمكن أن تتخذ منعطفا عكسيًا، إن تحولت الإمارات، إلى جانب الولايات المتحدة، لدعم المنافسين السياسيين المسجونين المناهضين لـ"محمد بن سلمان" في المملكة.

المصدر | سلمان رافي شيخ/ نيو ايسترن أوتلوك - ترجمة وتحرير الخليج الجديد