الاثنين 27 سبتمبر 2021 07:25 ص

تحدي اللحظة الثورية بين تونس والسودان

في تونس والسودان تفاقمت الأزمة سريعاً وتحرك الشارع فهل ينجح الشارع في تحدي اللحظة الثورية الثانية؟

الانقلاب على الثورة ليس بالسهولة التي كان عليها أواسط القرن الماضي، التغيير أصبح السمة الثابتة في عالم السياسة اليوم.

لحظتان ثوريتان يميزهما غياب الأيديولوجيا واندلاع الاضطرابات مع نهاية الآجال المتوقعة لعودة الحياة السياسية إلى طبيعتها.

في السودان لا المحتج ولا المحتج عليه يحمل غطاءً أيديولوجياً بل يعمل الطرفان لإقصاء أصحاب الخطاب الأيديولوجي سواء إسلاميين أو يساريين!.

في تونس رغم كون النهضة خصم الرئيس وإجراءاته لم تمثل المظاهرات الحركة بل شهد اليوم السابق لها استقالة أكثر من 100 قيادي احتجاجاً على تعامل قيادتها مع الأزمة.

الوضع في تونس والسودان يمثل استمرارا لمشهد ثوري وقد يتضمن اضطرابات متلاحقة أو هدوء مؤقت لكن المسير نحو الوراء أصعب بالنسبة لكل من يريد ذلك.

في السودان تنتهي المدة الانتقالية التي وعد العسكر بعدها بتسليم السلطة عبر الآليات الدستورية، وفي تونس تنتهي مدة وضعها قيس سعيد لنفسه لعودة الحياة البرلمانية.

عندما تنتكس الأنظمة الثورية تنتج أنظمة أكثر شمولية واستبداداً من سابقاتها إرهاصات ذلك عبر تجاوز المدة الانتقالية في السودان وتمديد الإجراءات الاستثنائية في تونس!

*     *     *

في كل من تونس والسودان اندلعت الاضطرابات مع نهاية الآجال المتوقعة لعودة الحياة السياسية إلى طبيعتها، في السودان تنتهي المدة الانتقالية التي وعد العسكر بعدها بتسليم السلطة عبر الآليات الدستورية، وفي تونس تنتهي المدة التي وضعها قيس سعيد لنفسه لعودة الحياة البرلمانية، في كلتا الحالتين تفاقمت الأزمة سريعاً وتحرك الشارع، فهل ينجح الشارع في تحدي اللحظة الثورية الثانية؟

تقليدياً، يتلاشى الحراك الثوري بطبيعته بعد تحقق التغيير بغض النظر عن شكله، تنتاب الثوار السابقين حالة من السلبية نتيجة الإحباط من فشل الثورات في تحقيق الأحلام الطوباوية التي قامت من أجلها.

لذلك في كثير من الأحيان تنتكس الأنظمة الثورية وتنتج أنظمة أكثر شمولية واستبداداً من سابقاتها، إرهاصات ذلك عبر تجاوز المدة الانتقالية في السودان وتمديد الإجراءات الاستثنائية في تونس لم تواجه في البداية ردة فعل قوية ولكن الأيام الأخيرة كشفت عن تجدد حراك الشارع الثوري عبر المظاهرات أمام المسرح البلدي في تونس العاصمة والاعتصامات في مقار لجنة إزالة التمكين في السودان.

مع ما ذكرناه من التشابه بين الحالتين من المهم كذلك تأكيد أنه قياس مع الفارق، تونس عاشت عشرية صعبة بعد الثورة تعاقبت فيها حكومات برلمانية ولكنها لم تحقق الاستقرار أو الازدهار كما يطالب التوانسة بل مزقتها الخلافات السياسية والتدخلات الخارجية.

أما السودان حديث العهد بالثورة فخرج من حكم عسكري لحكم عسكري آخر، وكما جرت العادة قرر العسكر النكوص عن وعودهم بمرحلة انتقالية محدودة زمنياً، وجاءت أحداث ما سمي محاولة انقلابية جديدة لتوظف تبريراً لاستمرار الهيمنة العسكرية التي كان آخر تجلياتها سحب قوات الحماية من مقرات لجنة إزالة التمكين المكلفة باسترداد المال العام المنهوب وتطهير البلاد من جيوب النظام السابق، واستجاب الشارع بالاعتصام في المقرات ورفع الهتافات المطالبة بفسخ الشراكة المدنية العسكرية.

هاتان اللحظتان الثوريتان يميزهما غياب الأيديولوجيا، في تونس على الرغم من كون النهضة الخصم الرئيسي للرئيس وإجراءاته إلا أن المظاهرات لم تمثل الحركة بل على العكس شهد اليوم السابق لها استقالة أكثر من 100 قيادي من الحزب احتجاجاً على تعامل قيادته مع الأزمة، وفي السودان لا المحتج ولا المحتج عليه يحمل غطاءً أيديولوجياً بل على العكس الطرفان يعملون على إقصاء أصحاب الخطاب الأيديولوجي سواء الإسلاميين ممثلين بالبشير وبقايا حكمه أو اليساريين ممثلين بحمدوك وحكومته.

الوضع في تونس والسودان يمثل استمراراً للمشهد الثوري وقد يتضمن موجات اضطراب متلاحقة أو حالات هدوء مؤقتة، ولكن ما لا شك فيه هو أن المسير نحو الوراء صار أصعب بالنسبة لكل من يريد ذلك، الانقلاب على الثورة ليس بالسهولة التي كان عليها في أواسط القرن الماضي، التغيير أصبح السمة الثابتة في عالمنا السياسي اليوم.

* د. ماجد محمد الأنصاري أستاذ الاجتماع السياسي

المصدر | الشرق