الخميس 7 أكتوبر 2021 02:27 م

«قيادة» العرب إلى «عصر الظلام»!

فيما كان أنصار إيران يحتفلون بدخول شاحنات المازوت إلى لبنان كان العراقيون يعانون انقطاع إمدادات الغاز والكهرباء الإيرانية إلى العراق.

عبور الكهرباء والغاز عبر سوريا سيتم تحت مرأى السوريين بمناطق سيطرة النظام الذين يعانون بدورهم انقطاع التيار الكهربائي لأكثر من 20 ساعة يوميا.

تعاون الفساد المالي والسياسي لمسؤولي النظام العراقي وسيطرة الميليشيات على الوزارات «الغنية» والرعاية الإيرانية لما يحصل في وصول البلاد لما وصلت إليه.

الأمر في بلدان عربية ينحدر أكثر فأكثر إلى هاوية سوداء تدفع بالقادرين للهجرة الجماعية وتترك البلدان لسياسيين أوصلوا ها إلى حقبة الظلام الحالية.

*     *     *

تحوّل توفير عناصر الطاقة، من كهرباء وغاز وبنزين ومازوت، في بعض البلدان العربية إلى مسألة كبرى تهدد استمرار الدول والمجتمعات، وبعد أكثر من ثلاثة أرباع القرن على حقبة استقلال الدول العربية الحديثة، والوعود الكبرى التي وعدت نخب تلك البلدان شعوبها، بدأت مرحلة من انقطاع عام للخدمات ودشّنت تلك الدول العتيدة حقبة ظلام فعلي، بعد أن كانت تلك الخدمات وعناصر الطاقة متوفّرة قبل عقود، إلى كونها من بديهيات الخدمات المطلوبة من الدول، ومن أركان الاقتصاد والسياسة والاجتماع في كل بلدان العالم.

كان لافتا، مثلا، أن تتعهد حكومة لبنان الجديدة بزيادة ساعات الكهرباء إلى أربع، على أمل أن تصل يوما ما إلى ثماني ساعات، وهو ما أصبح معركة سياسية يتبارز أطرافها على تحديد هويّة البلد، عبر المازوت الإيراني، الداخل عبر الحدود السورية من دون إذن الحكومة، وغاز مصر وكهرباء الاردن، الذي احتاج موافقة أمريكية على تليين قانون قيصر ليتمكن من عبور أراضي النظام السوري. المثير للجدل، في المثال الآنف، أن عبور الكهرباء والغاز عبر الجغرافيا السورية، سيتم تحت مرأى السوريين في مناطق سيطرة النظام، والذين يعانون بدورهم انقطاع التيار الكهربائي لأكثر من 20 ساعة يوميا.

كما أن هناك مناطق لا يصلها الماء منذ شهور، وهو ما حول المدن السورية إلى بلدات مظلمة، وأصبحت الحركة في تلك المدن في حدودها الدنيا.

وفيما كان أنصار إيران يحتفلون بدخول شاحنات المازوت إلى لبنان كان العراقيون يعانون من انقطاع إمدادات الغاز والكهرباء الإيرانية إلى العراق، بدعوى تحصيل ديون، رغم أن إجمالي إنفاق الدولة العراقية على الكهرباء خلال 14 عاما بلغ نحو 63 مليار دولار.

لقد تعاون الفساد المالي والسياسي لمسؤولي النظام العراقي، وسيطرة الميليشيات على الوزارات «الغنية» والرعاية الإيرانية لكل ما يحصل، في وصول البلاد إلى ما وصلت إليه.

تترافق هذه الأزمات الهائلة مع ارتفاع أسعار الطاقة في العالم إلى أسعار قياسية، وأسباب ذلك عديدة، منها قضايا التغير المناخي، مع حصول فيضانات في أوروبا، ووصول الشتاء، وتسبب إعصار إيدا بحالة فوضى كبيرة بصناعة النفط الأمريكية، حيث دمر معظم المنصات البحرية في ساحل خليج المكسيك.

ومنها قضايا ارتفاع الاستهلاك العالمي لمواد الطاقة، حيث أصبحت الصين أكبر مستورد للغاز المسال في العالم، وازداد الطلب عليه مع تعافي الكثير من اقتصادات العالم بعد أزمة كورونا. تنضاف إلى كل ذلك، بالطبع، العوامل السياسية، فروسيا، أكبر مزودي الغاز الطبيعي والمسال لأوروبا، تحاول استغلال ارتفاع الأسعار وحاجة أوروبا للغاز لدفع الولايات المتحدة لمراجعة عقوباتها الاقتصادية ضدها، بما فيها ما يتعلق بخط الغاز «نورد ستريم 2» الذي واجه رفض وعقوبات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

تفاجأ البريطانيون، ولأول مرة منذ عقود، بأزمة وقود تجسّدت في نقص امدادات أنواع البنزين والديزل للسيارات، وربط كثيرون ذلك بقرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي، وما أدى إليه من نقص في اليد العاملة المتخصصة، كسائقي الشاحنات الكبيرة، وهو ما يشير، مجددا، إلى أن عصب الأزمات الاقتصادية هو سياسيّ دائما.

وإذا كانت الديمقراطيات الغربية، باقتصاداتها الهائلة، قادرة على استيعاب هذه الأزمات والاستفادة منها للتخطيط لعالم يستخدم عناصر الطاقة النظيفة كالطاقة الشمسية والرياح، فإن الأمر، بالنسبة لكثير من البلدان العربية، ينحدر أكثر فأكثر إلى هاوية سوداء تدفع بالقادرين للهجرة الجماعية، وتترك البلدان للسياسيين وطغمهم التي أوصلت تلك البلدان إلى حقبة الظلام الحالية.

المصدر | القدس العربي