السبت 9 أكتوبر 2021 07:24 ص

الساحات العامة: مطالب مستمرة ورمزية متجددة

المطالبة بالتغيير والإصلاح داخل النظام خير من المطالبة بتغييره.

قامت المساجد في بداية الإسلام بنفس دور الساحات العامة بالحضارات السابقة.

عملت المساجد كحاضنة للتفاعلات الفكرية والاجتماعية والسياسية وكان الرجال في هذه التجمعات يؤكدون ولاءهم أو يحذرون وُلاتهم من العزل.

ما علاقة الفضاءات العامة بالاعتصامات والإحتجاجات؟ ولماذا تلجأ السلطات السياسية لطمس الساحات والعبث برمزيتها سعيا للسيطرة على المجال العام؟

الأنظمة العاجزة عن احتواء التفاعلات الاجتماعية والميالة لفرض الرأي الواحد ومنع أي اعتراض يصبح كل اختلاف فيها خروجًا على النظام وخطرًا عليها.

بعد الاستقلال قيدت الحكومات دور المساجد وأفرغتها من أدوارها السياسية والفكرية لتصبح أماكن عبادة فقط حتى خطب الجمعة أصبحت مقيّدة وموحّدة بتوجيهات حكومية مُسبقة.

الأولى بالسلطة أن تتفهم حاجة الجماهير لفضاء حقيقي للتعبير عن الغضب والإستياء مما يقلقها ويؤثر على كرامة الحياة حيث التظاهر ممارسة ديمقراطية ليس مجرد حق بل ضرورة لمصلحة الدولة والمجتمع.

*     *     *

كثُر الحديث عن الميادين والساحات العامة أثناء ما عُرف بثورات الربيع العربي حيث ارتبطت تلك الحركات الاجتماعية بالساحات التي احتضنتها.

فما علاقة الفضاءات العامة بالإعتصامات والإحتجاجات؟ ولماذا تلجأ السلطات السياسية لطمس تلك الساحات والعبث برمزيتها في معرض سعيها للسيطرة على المجال العام؟

لطالما اعتُبِرت الساحات العامة منذ بدء الحضارة البشرية أماكنًا لتبادل الرؤى والأفكار، فلدى الإغريق، كانت هناك ساحات الأغورا Agora وكذلك الحال في روما التي اشتهرت بالميادين الرومانية التي كانت روح الحياة في المدينة القديمة؛ حيث كانت تشهد المحاكمات العلنية والإحتفالات الشعبية والخطابات العامة.

في المجتمعات العربية، يقول ناصر الرباط، المؤرخ المعماري وأستاذ الآغا خان للعمارة الإسلامية بمعهد تكنولوجيا ماساتشوستس MIT  في دراسة بعنوان "الثورة العربية تسترد الفضاء العام" The Arab Revolution Takes Back the Public Space أن المساجد في بداية الإسلام قامت بنفس دور الساحات العامة في الحضارات السابقة.

لكنها اقتصرت على الذكور البالغين، حيث عملت المساجد والجوامع كمؤسسات دينية وحاضنة لمجمل التفاعلات الفكرية والاجتماعية والسياسية، وكان الرجال في هذه التجمعات، يؤكدون ولاءهم أو يحذرون وُلاتهم من العزل.

لكن منذ عهد ما بعد الإستقلال، قيدت الحكومات دور المساجد وأفرغتها من أدوارها السياسية والفكرية لتصبح أماكن للعبادة فقط، حتى خطب الجمعة أصبحت مقيّدة وموحّدة بتوجيهات حكومية مُسبقة.

في العصر الحديث، بما فيه من تعقيدات ومستجدات وتحديات، تعود حاجة المجتمعات لوجود فضاء عام قادر على استيعاب كل هذه التفاعلات.

ومن هنا، عادت الساحات العامة بشكل أوسع كفضاء لتلبية حاجة الإنسان في التفاعل مع الآخر والشعور بالإنتماء للمكان. كان ذلك واضحاً ومعاشًا مع حركات الإستقلال في الخمسينات والستينات حيث كانت الميادين والساحات العامة حاضنة لها، تعبر عن المزاج العام وتمثله.

يرى البعض الساحات العامة كيانًا سياسيًا في حد ذاته، وأنها تمثل مكاناً للتعبير عن الذات بمختلف أشكالها مانحة الإنسان الفرصة لأن يَرى الآخر وأن يُرى كذلك. قد يأخذ الفضاء العام عدة أشكال ابتداءً من الشوارع المشجّرة، المساحات المجاورة للمؤسسات الرسمية، الحدائق، الميادين، طرق المُشاة وغيرها.

المثير للاهتمام أن هذه المساحات المصممة للتنفيس والترفيه قد تتحول فجأة لساحات سياسية موحدة الأهداف والرؤى والإنتماءات تضم مئات أو آلاف المتظاهرين الذين يطالبون ويرفعون شعارات سياسية تعبر عن حاجتهم الملحة للعدالة والتغيير.

يتطور الأمر لاحقًا إلى خلق علاقة خاصة بين الإنسان والمكان، بين الثوّار والميادين التي ينتفضون منها. هكذا، تكتسب الساحات والميادين مكانتها الرمزية والثورية من تلك الأحداث.

الأكثر من ذلك، تصبح الساحات مرادفةً لمظاهر الثورة ومطالبات التغيير، مشهد عايشناه في ساحة التغيير في صنعاء، ساحة الساعة في حمص وساحة التحرير في القاهرة. كانت ساحات وميادين قادرة على إنهاء حكم وتنصيب آخر.

الحكومات حول العالم، وبالأخص في محيطنا، أدركت الأخطار التي قد تشكلها الجماهير في هذه الساحات العامة. الحلول الأمنية والتعامل بالقوة ضد المحتجين في تلك الميادين كان الخيار الأقرب لأنظمة الحكم حتى وإن كانت تلك التظاهرات سلمية الطابع.

واضح للعيان، أن التظاهر والوقفات السلمية في أي ساحة من الساحات – حتى بأعداد محدودة – تبث الرعب في السلطة وتتسبب في تعريض المحتجين للإعتقال والمحاكمات.

ولأن الأنظمة الشمولية تدرك خطر الساحات والميادين العامة؛ تقوم الحكومات بمواجهة رمزية مع الساحات والميادين أملًا في أن تفقد رمزيتها. هكذا قضت الحكومة البحرينية على احتجاجات عام 2011 حين قامت بهدم نصب دوار اللؤلؤة لما له من دلالات ولتأكيد سيطرتها المطلقة  على الإحتجاجات.

بالمثل، وبعد أن اكتسب دوار الكرة الأرضية -المسمى من قبل المتظاهرين بميدان الإصلاح – في صُحار طابعاً سياسياً، قامت حكومة سلطنة عمان بإزالة الدوار بالكامل وبناء جسر في مكانه حتى يفقد رمزيته ومعناه ورسالته.

المثير للإهتمام هو أن ذلك لم يدم طويلاً، فبعد مرور أكثر من عشر سنوات، إحتضن المكان نفسه إحتجاجات أخرى وبمشاركة أكبر. في الواقع، إستعاد المواطنون الفضاء العام حتى بعد محاولة إعطائه معنى مختلف.

في ساحة الشعب الموجودة أمام مجلس الشورى في العاصمة مسقط، قامت الحكومة بنقل المجلس من قلب العاصمة إلى أطراف المدينة، ما أفقد الساحة قيمتها السياسية ورمزيتها. وفي صلالة – ثاني أكبر المدن العمانية – تحولت ساحة الصمود إلى مركز للشرطة في مشهد يعبر عن نمط المعالجات التي تبنتها الحكومة.

تنظر الحكومات الخليجية والعربية للساحات والميادين العامة بنظرة تشاؤمية بعد أن أصبحت، بالنسبة لها، رمزاً للإحتجاجات والشغب والفوضى. في الحقيقة، لا تكون الساحات العامة الممتلئة بالمتظاهرين خطراً على السلطة السياسية (أي سلطة) إن هي احتوتها وقررت التعامل مع أسباب وجودها بجدية واهتمام.

الأولى بالسلطة في كل بلد أن تتفهم حاجة الجماهير لفضاء حقيقي للتعبير عن الغضب والإستياء من ما يقلقها ويؤثر على كرامة الحياة في أوطانها، حيث التظاهر هنا ممارسة ديمقراطية، ليس مجرد حق بل هو ضرورة لمصلحة الدولة والمجتمع.

لطالما كانت المطالبة بالتغيير والإصلاح داخل النظام خير من المطالبة بتغييره. وحدها الأنظمة العاجزة عن احتواء التفاعلات الاجتماعية والميالة لفرض الرأي الواحد ومنع أي اعتراض يصبح كل اختلاف فيها خروجًا على النظام وخطرًا عليها.

تبقى الساحات مظهرًا ومنصة للفت الإنتباه لقضايا العامة خصوصًا حين تتسع الفجوة بين الحاكم والمحكوم. ورغم التجارب التي حاولت فيها الحكومات طمس الساحات ومحاربتها نجد بعض الأمل في تجارب أخرى مثل ساحة الإرادة في الكويت.

الساحات برلمان مفتوح للشعب ومؤشر تحتاجه الحكومة لمعرفة توجه الرأي العام وأولوياته، تساعدها على فهم احتياجات المجتمع واهتماماته. أخيرًا، الحلول دائمًا موجودة، يمكن الوصول إليها لتجنب المسارات المتشنجة، لمن أراد.

* ميس الفارسي كاتبة وباحثة عمانية

المصدر | البيت الخليجي