السبت 9 أكتوبر 2021 01:38 م

"يوكوزا" تلد "أوكوس"

ثمّة مشكلات كبيرة ومركّبة في العلاقات الأميركية الأوروبية!

لعبة الشطرنج العالمية تشهد مباراة تاريخية قد تكون الأهم منذ الحرب العالمية الثانية.

صراخ عواصم أوروبية لا يتوقف يشير للحظة تاريخية سيكون لها ما بعدها، ربما لسنوات مقبلة.

كانت لحظة الانفجار الكبرى الإعلان عن تحويل التحالف الاستخباراتي الكبير إلى تحالف عسكري: "أوكوس".

مطلع 2021 كانت أميركا تجدد تحالفًا يسمّى التحالف "الرباعي" (كواد)، ضد الصين، يضم أستراليا والهند واليابان.

خلال مسيرة الاتحاد الأوروبي كانت فرنسا أكثر من أي قوة أوروبية أخرى تسعى لجعل "الأوروبية" وسيلة للتباعد بين شاطئي الأطلسي.

أمام "التحالف الأنكلوسكسوني" لحظة تاريخية لمنافسة حلف الناتو عبر تحقيق هدف مزدوج: احتواء اليابان داخله، ودفع أوروبا إلى الابتعاد عن الصين.

شبكة "إيشليون" الدولية للتنصّت جزء من اتفاقية يوكوزا بين دول التحالف الأنكلوسكسوني عام 1947، للتعاون في ميدان الأمن القومي "يوكوزا".

شبكة التجسّس، التي تُعرَف باسم "العيون الخمس"، بأنها أقوى تحالف استخباراتي في العالم، وبأنها "الوحش الذي تخشاه أعتى أجهزة الاستخبارات العالمية".

جاء استفتاء بريكست التاريخي على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إنذرًا بأن الأنكلوسكسونية مرشّحة بقوة لإعادة هيكلة تحالفاتها العالمية عبر شاطئي الأطلسي.

*     *     *

أصدرت لجنة تقييم المعلومات والتقنية في الاتحاد الأوروبي، في ديسمبر/ كانون الأول 1997، تقريرًا أثار وقتها واحدةً من أكبر العواصف في تاريخ العلاقات الأميركية الأوروبية، حمل عنوان "تقييم تقنيات التحكّم السياسي".

وأهميته أنه كشف، لأول مرة، وجود شبكة "إيشليون" الدولية للتنصّت، وكانت، حتى نشر هذا التقرير، سرًا لا تعرفه إلا النخب الرسمية الأوروبية.

وشبكة "إيشليون" جزء من نظم حدّدتها اتفاقية "UKUSA" بين دول التحالف الأنكلوسكسوني، أميركا، بريطانيا، كندا، أسترليا، ونيوزلندا، عام 1947، للتعاون في ميدان الأمن القومي.

وفي الحرب الباردة، طُوِّرت لرصد المعلومات غير العسكرية، فتنصتت على أعمال حكومات وأفراد وشركات عبر العالم، واعتمد عملها على التقاط شتّى المعلومات ومعالجتها باستخدام الذكاء الصناعي. وظلت الشبكة تتوسّع حتى أصبحت تملك شبكة من القواعد التجسسية في دول أوروبية، أهمها مينوذهيل البريطانية.

وصفت "بي بي سي"، في تقرير لها في 2018، شبكة التجسّس، والتي أصبحت تُعرَف باسم "العيون الخمس"، بأنها أقوى تحالف استخباراتي في العالم، وبأنها "الوحش الذي تخشاه أعتى أجهزة الاستخبارات العالمية".

والكشف عن وجود التحالف الاستخباراتي الجبار أطلق نقاشات سياسية أكثر من النقاشات الأمنية، فالتحالف، ومظلته الثقافية/ السياسية، أكد لمن لديه شك أن "الهوية"، بوصفها تعبيرا عن القيم المشتركة، أكثر تأثيرًا في السياسة الدولية مما يبدو، رغم التكرار الكبير (وفي حالات كثيرة كان تكرارًا غير حكيم) لمقولات أن المصالح وحدها تحرّك القوى الكبرى.

وفي العام 2016، جاء الاستفتاء التاريخي على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) إنذرًا بحقيقة أن الأنكلوسكسونية مرشّحة بقوة لأن تعيد هيكلة تحالفاتها العالمية، وبخاصة عبر شاطئي الأطلسي.

ومطلع هذا العام (2021)، كانت الولايات المتحدة تجدد تحالفًا يسمّى التحالف "الرباعي" (كواد)، ضد الصين، يضم أستراليا والهند واليابان. وكانت لحظة الانفجار الكبرى الإعلان عن تحويل التحالف الاستخباراتي الكبير إلى تحالف عسكري: "أوكوس".

وخلال أيام، انطلقت من عواصم أوروبية عديدة سهام الهجوم، بل التهديد، وكانت صفقة الغواصات الفرنسية لأستراليا القضية الأعلى صوتًا، لكن ما وراءها أكبر وأخطر.

وفي العمق، ثمّة مشكلات كبيرة ومركّبة في العلاقات الأميركية الأوروبية، جانب منها لا يستهان به يقبع في عالم الأفكار والقناعات، لا المصالح، بل إن تضخّم حجم المصالح الأوروبية، وخصوصا الألمانية، مع خصمين من أخطر خصوم أميركا، الصين وروسيا، ساهم في دفع الحليفين الكبيرين في التحالف الأنكلوسكسوني إلى أن يذهبا بعيدًا في تطوير الشراكة "الهوياتية"، وهما يستطيعان توقع ما ستثيره من عواصف على الجانب الآخر من الأطلسي.

والصدع قديم، وجذوره ثقافية في المقام الأول، فعلى الرغم من أن أميركا هي التي حرّرت فرنسا من الاحتلال النازي، فضلًا عن أنها أنقذت أوروبا كلها منه، ورغم "مشروع مارشال"، وأن حلف الناتو كان مظلة الحماية الرئيسة لأوروبا من الاتحاد السوفييتي، إلا أن فرنسا انسحبت من الجناح العسكري للحلف في العام 1966، وعادت إليه في 2009. ومن الحقائق ذات الدلالة هنا أن 238 عضوًا في البرلمان الفرنسي عارضوا القرار، خوفًا من الهيمنة الأميركية!

وخلال مسيرة الاتحاد الأوروبي، كانت فرنسا، أكثر من أي قوة أوروبية أخرى، تسعى إلى أن تجعل "الأوروبية" وسيلة للتباعد بين شاطئي الأطلسي.

وقد وصل طموحها، في هذا السياق، إلى أن تقترح على ألمانيا أن تصبح تحت "المظلة النووية الفرنسية"، بأمل إبعادها عن أميركا، وهو ما رفضته ألمانيا بشدة. وفي خطوةٍ أبعد طموحًا، تحاول فرنسا منذ سنوات جعل أوروبا كلها تحت مظلتها النووية.

ولعبة الشطرنج العالمية الممتدّة من بكين وموسكو وصولًا إلى واشنطن، مرورًا بباريس وبرلين ولندن، تشهد مباراة تاريخية قد تكون الأهم منذ الحرب العالمية الثانية.

وتجربة أميركا مع فرنسا، وخصوصا في ملفات كإيران، وتجربتها مع ألمانيا في ملفٍّ كالغاز الروسي، ساهمت في دفع أميركا نحو بناء ذراع عسكري جديد، مختلفٍ من حيث النطاق الجغرافي، ومن حيث القيم التي تحكمه أيضًا.

والصراخ الذي لا يتوقف من عواصم أوروبية يشير إلى لحظة تاريخية سيكون لها ما بعدها، ربما لسنوات مقبلة، وأمام "التحالف الأنكلوسكسوني" لحظة تاريخية لمنافسة حلف الناتو عبر تحقيق هدف مزدوج: احتواء اليابان داخله، ودفع أوروبا إلى الابتعاد عن الصين.

* ممدوح الشيخ كاتب وباحث مصري

المصدر | العربي الجديد