الثلاثاء 12 أكتوبر 2021 03:49 ص

الحكومة التونسية: ولادة عسيرة أم مخاض متواصل؟

تشكيل الحكومة تحت وطأة أحكام الأمر 117 يطرح السؤال المشروع: أهذه ولادة عسيرة أم استمرار لمخاض شاق؟

ستكون رئيسة الحكومة تحت سلطة الرئيس المباشرة ولن تخضع لأية رقابة برلمانية يشترطها الدستور وليس من المستبعد استطراداً أن تفلت من الرقابة القضائية!

لن يطول الزمن حتى تظهر حدود صلاحيات الحكومة التي أقسمت على الدستور الوحيد المعتمد لكنها فعلياً ستعمل بموجب الأمر الرئاسي 117 الذي يبطل الدستور!

تدخل تونس مرحلة خطيرة من تجاذب شعبي داخلي واستقطاب ثنائي بين أنصار الرئيس ومعارضيه واحتكام متزايد إلى الشارع بما يحمله ذلك من أخطار شديدة على السلم الأهلي ووظائف مؤسسات قضاء والأمن والعسكر.

*     *     *

بعد انتظار تخللته أقاويل وإشاعات حول تعثر ولادتها إلى درجة الحديث عن اضطرار رئيسة الحكومة المكلفة نجلاء بودن إلى الاعتذار عن التكليف، أعلن قصر قرطاج ولادة الحكومة التونسية الجديدة وأدى الوزراء اليمين الدستورية أمام الرئيس قيس سعيّد، الذي حرص على وضع هذه المناسبة في إطار التشديد مجدداً على أن التدابير الاستثنائية التي اتخذها في 25 يوليو الماضي وعززها في 22 سبتمبر بالأمر الرئاسي 117 ستبقى سارية المفعول.

كذلك لم يفوت سعيّد الفرصة للتعريض بالمؤسسة المنتخبة الضامنة للمسار الديمقراطي، والتصريح بأن «مجلس النواب شكل خطراً داهماً ومازال الخطر قائماً».

ولا يخفى أن رئيسة الحكومة ستكون تحت سلطة الرئيس المباشرة، ولن تكون في المقابل خاضعة لأية رقابة برلمانية يشترطها الدستور، وليس من المستبعد استطراداً أن تفلت من الرقابة القضائية ما دامت السلطتان التنفيذية والتشريعية في قبضة الرئيس وحده بالنظر إلى تجميد عمل البرلمان حتى إشعار آخر.

ذلك لأنّ الفصول 16 و17 و18 و19 من الأمر الرئاسي 117 تنص بوضوح على أن الرئيس هو الذي يعيّن «الحكومة من رئيس ووزراء وكتّاب دولة» وهذه إنما «تسهر على تنفيذ السياسة العامّة للدولة طبق التوجيهات والاختيارات» التي يرسمها رئيس الجمهورية، وضمن مبدأ أساسي ناظم يقول إن الحكومة «مسؤولة عن تصرفها أمام رئيس الجمهورية».

وكان سعيّد قد تعمّد تأخير التكليف بتشكيل الحكومة طوال أكثر من 40 يوماً بعد لجوئه إلى التدابير الاستثنائية، ثم انحنى أخيراً أمام ضغوطات داخلية أبرزها تفكك صفوف المساندين له وفي الاتحاد العام التونسي للشغل خصوصاً، وكذلك جهات دولية فاعلة مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي وسواها.

ورغم أن خطوة تكليف السيدة بودن بتشكيل الحكومة للمرة الأولى في تاريخ تونس والحكومات العربية قوبلت بالترحيب الواسع لانطوائها على أبعاد رمزية ونسوية تخص تمكين المرأة، فإن الأبعاد الأخرى سرعان ما أخذت تتضح تدريجياً بدورها من حيث أن الخبرة الأكاديمية لا تكفي في ذاتها لإدارة دولة مثل تونس تعيش مصاعب سياسية واقتصادية واجتماعية وصحية بالغة التعقيد.

وكذلك لأن اللعب على الوتر الجندري ليس كفيلاً بتلبية احتياجات الشارع الشعبي أو امتصاص حال الترقب والغليان والسخط أو محاربة الفساد.

ولن يطول الزمن حتى تتكشف على الملأ حدود هذه الحكومة وصلاحياتها، التي أقسمت على الدستور الوحيد المعتمد في البلاد لكنها فعلياً سوف تعمل بموجب الأمر الرئاسي 117 الذي يبطل الدستور ذاته عملياً!

وليس هذا هو التناقض الوحيد الذي سوف يضع السيدة بودن وأفراد حكومتها على محك الأداء اليومي والمشكلات العويصة الكثيرة والمتكاثرة.

وإذ تدخل تونس في مرحلة خطيرة من التجاذب الشعبي الداخلي والاستقطاب الثنائي بين أنصار الرئيس ومعارضيه، فضلاً عن الاحتكام المتزايد إلى الشارع بما ينطوي عليه ذلك من أخطار شديدة على السلم الأهلي ووظائف المؤسسات القضائية والأمنية والعسكرية، فإن تشكيل الحكومة تحت وطأة أحكام الأمر 117 يطرح السؤال المشروع: أهذه ولادة عسيرة أم استمرار لمخاض شاق؟

المصدر | القدس العربي