الخميس 14 أكتوبر 2021 03:39 م

إشارات تقرير الوظائف الأمريكي المتناقضة

ما الذي يمكن أن يعتبره الاحتياطي الفيدرالي إيجابياً يصب في مصلحته على المدى القصير، رغم التعقيدات المرتبطة بالسياسات طويلة الأمد؟

تساهم تأثيرات عكسية لأزمة كورونا كثيرا في تقويض النمو الاقتصادي وبات سوق العمل أكثر عرضة لموجات تضخم التي يمكن أن يصاحبها ركود اقتصادي.

نتائج التقرير مخيبة للآمال بشكل كبير فالاقتصاد الأمريكي كان يعوّل على التقرير لتحقيق قفزة في النمو الذي بدأ بالتعافي تدريجياً من الآثار السالبة لأزمة كورونا.

ارتفاع المخاطر المرتبطة بمتحور دلتا أدى لما لتهميش عمال قابلين للتوظيف أي أن الموظفين الحاليين لديهم فرص أكبر لتحصيل أجور أعلى وساعات عمل أكثر.

ما تشير إليه الأرقام الواردة مؤخراً لا يبدو مبشراً للغاية للاحتياطي الفيدرالي فلن تستغرق الأسواق وقتاً طويلاً حتى تقيّم الأمور بقيمتها الحقيقية.

أية أخطاء من جانب الاحتياطي الفيدرالي في سياساته المستقبلية، قد تؤدي لموجة تضخم تقود لركود وبالتالي الوقوع في أخطاء أكبر تخلق مزيدا من الأزمات.

*     *     *

أظهر تقرير الوظائف الأمريكي الذي صدر، يوم الجمعة الماضي، والذي يمكن وسْمه بالإيجابية، أن التأثيرات العكسية لأزمة كورونا تساهم بشكل كبير في تقويض النمو الاقتصادي، كما أن سوق العمل أصبح أكثر عرضة لموجات من التضخم التي يمكن أن يصاحبها ركود اقتصادي.

ورغم التفاصيل الواردة في التقرير، فإنه لا يوفر طريقة فاعلة للتوصل لنتيجة نهائية، ما يمكن أن يعتبره الاحتياطي الفيدرالي أمراً إيجابياً يصب في مصلحته على المدى القصير، رغم التعقيدات المرتبطة بالسياسات طويلة الأمد.

أما بالنسبة إلى الكونغرس، فإن آثار هذا التقرير تبدو أقل إيجابية، حيث سيكون مطلوباً منه التوصل إلى حلول وإجراءات عاجلة لمعالجة أوجه القصور في ما يتعلق بالاستثمارات المطروحة حالياً، وبرامج التنمية الاجتماعية الشاملة.

وقد خلق تأمين سوق العمل الأمريكي في سبتمبر/ أيلول الماضي 194 ألف وظيفة في عموم البلاد، الكثير من الإحباط في أوساط المحللين والتقارير التي كانت تتوقع أن يحوم الرقم حول نصف مليون وظيفة، لكن الجانب الأكثر إشراقاً، تمثل في أن هذا الرقم كان أعلى من المتوسط المسجل خلال الأشهر السابقة، والتي كان يحوم حول 169 ألف وظيفة.

وإجمالاً، فإن نتائج التقرير كانت مخيبة للآمال إلى حد كبير، فالاقتصاد الأمريكي كان يعوّل على التقرير لتحقيق قفزة كبيرة في النمو الذي بدأ في التعافي تدريجياً من الآثار السالبة لأزمة كورونا.

ومما زاد من خيبة الأمل الانخفاض الذي سُجّل في مشاركة القوى العاملة عند 61.6%، والذي لم يتجاوز مستويات ما قبل الجائحة. ورغم ذلك، ظهرت بعض الجوانب المشرقة، حيث سجلت معدلات الأجور الخاصة بالعاملين حالياً، ارتفاعاً من 4.3% في أغسطس/ آب الماضي إلى 4.6%، إلى جانب الزيادة الطفيفة التي طرأت على ساعات العمل.

كما انخفضت معدلات البطالة من 5.2% إلى 4.8%، خاصة معدلات البطالة المنتشرة بين العمالة من ذوي الأصول الإفريقية، والتي تراجعت حسب التقرير من 8.8 إلى 7.9% على أساس شهري.

ومن خلال ملاحظتي للتقرير، وجدت أن أحد تفسيرات التناقضات الواردة فيه تتمثل في «متحور دلتا»، ففي ظل هذا السيناريو، فإن ارتفاع المخاطر الصحية المرتبطة بهذا المتحور الأكثر عدوانية من الأنواع الأخرى، أدى إلى ما يمكن وصفه بتهميش العمال القابلين للتوظيف، الأمر الذي يعني بالضرورة أن الموظفين الحاليين لديهم فرص أكبر للحصول على أجور أعلى وساعات عمل أكثر.

أما التفسير الآخر فهو أكثر إثارة للقلق، إذ إنه يمكن أن يكون انعكاساً وإشارة إلى سوق عمل تعتريه الكثير من المشاكل، بحكم أن جانب العرض يعتمد على مزيج من المستويات القياسية للوظائف الشاغرة من المنظور الهيكلي، إلى جانب تراجع مشاركة القوى العاملة التي لا تمتلك وظائف ومستويات خلق فرص العمل التي أظهرت خيبة أمل كبيرة.

كما تشير تلك الأرقام إلى أن هنالك مشكلة حقيقية في شغل الوظائف الشاغرة بواسطة الباحثين عنها، تتمثل في عدم تطابق المهارات وتحديات التنقل وميل الكثير من المتقدمين إلى نماذج جديدة للعمل، الأمر الذي يعزز المخاوف المرتبطة بالتضخم المصحوب بالركود، خاصة أن سلاسل التوريد تشهد حالياً تراجعاً ملحوظاً، إلى جانب قطاع النقل الذي يعاني الكثير من الاضطرابات.

ورغم كل ذلك، فإن تقرير الوظائف لا يمكنه تحديد التفسير الأكثر منطقية في هذه المرحلة، فهناك الكثير من الغموض والتناقضات في العديد من الأرقام الواردة مؤخراً، ما يتطلب المزيد من البيانات الفصلية التي ستجعل من مشهد الحالة الاقتصادية أكثر وضوحاً وشفافية.

أما المسألة الأكثر وضوحاً في هذا التقرير، فهو أنه يمثل أداة يمكن أن يستفيد منها الاحتياطي الفيدرالي لتحقيق بعض أهدافه قصيرة الأمد، وهو ما انعكس في أداء مؤشرات الأسهم والسندات بعد الإعلان عن التقرير مباشرة.

كما أن التقرير يفتح الباب أمام الكثير من التكهنات المرتبطة بإمكانية مواصلة عمليات شراء السندات الشهرية بواسطة الاحتياطي الفيدرالي مع وجود دلائل قوية تشير إلى أن هذه الخطوة لا تعني بالضرورة تبنّي سياسات أكثر تشدداً في ما يختص بأسعار الفائدة مستقبلاً.

ورغم تفاؤل الاحتياطي الفيدرالي والآمال المعقودة بتحقيق بعض الانتعاش على المدى القصير، فإن ما تشير إليه الأرقام الواردة مؤخراً لا يبدو مبشراً للغاية، فلن تستغرق الأسواق وقتاً طويلاً حتى تقيّم الأمور بقيمتها الحقيقية.

وفي الوقت نفسه فإن أية أخطاء من جانب الاحتياطي الفيدرالي في سياساته المستقبلية، يمكن أن تؤدي إلى موجة من التضخم التي ستقودنا إلى مستنقع الركود، وبالتالي الوقوع في أخطاء أكبر ستخلق المزيد من الأزمات.

وخلافاً لنظرة الاحتياطي الفيدرالي للتقرير، فإن وجهة نظر الكونغرس حياله تبدو أقل تعقيداً، حيث إن مشاكل العرض التي يواجهها الاقتصاد حالياً، والتي لا يمثل سوق العمل إلا جزءاً من جميع مكوناتها الأخرى، تُبرِز الحاجة الملحة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة تُوازن بين تطوير البنى التحتية وبرامج التنمية الاجتماعية بهدف الانعتاق من آثار أزمة كورونا، وتحقيق معدلات نمو أكثر قوةً واستدامة.

* د. محمد العريان خبير اقتصادي دولي ورئيس كلية كوينز بجامعة كامبريدج.

المصدر | الخليج