السبت 16 أكتوبر 2021 02:48 م

ما ينفع الناس: في علم المستقبليات والنظم المقارنة

هل الديمقراطية كوسيلة تنفع الناس؟ ولماذا استقرت كأداة أو مؤسسة سياسية بارزة في العصر الحديث على الأقل؟

لا يمكن اتباع أحسن القول من قرآن وحكمة ولا تعزيز المناعة تجاه القصور الذاتي للدول دون الشورى وحرّية القول السديد بشكل خاص.

تضمن الشورى فرصاً أفضل للاقتراب من الحقيقة والصواب فيما يخص الاجتهادات والسياسات والتشريعات الجماعية في غير المحكمات.

سمة الاستدامة طويلة الأجل إحدى خصائص هامة لأية مؤسسة أو ترتيبات بشرية فبقاء أية مؤسسة سواء أكانت رسمية أم غير رسمية أحد معايير نجاحها.

كيف نتنبأ بالاستدامة أو الأفول المؤسسي المديد من منظور موضوعي غير ذاتي؟ ما الذي يحقق غاية البقاء؟ أكان بالإمكان التنبؤ بأفول النظام الاشتراكي قبل مئة عام؟!

العمل وفقاً لمبدأ عصمة الأمة ككل وعدم عصمة الفرد اذ يرى جمهور العلماء أن الأمة معصومة من الاجتماع على الضلالة وأن العصمة هي لمجموع الأمة لا لفرد أو نخبة فيها.

*     *     *

خَلَقَ الله قوانين وسنناً كونية في الحياة البشرية تضمن بقاء الجنس البشري -حتى يوم القيامة- رغم ميل الإنسان الى الغطرسة وإفساد الأرض.

ومن هذه القوانين الحاكمة للبشرية ما يمكن تسميته بـ "قانون زوال الزبد" الذي تلخصه الآية القرآنية: "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ" (الرعد: 17).

هذه الآية تشكل مساهمة جادة وبارزة فيما يعرف بـ"علم الاقتصاد المؤسسي"، وهو العلم الذي يبحث في طبيعة المؤسسات وتطورها وأثرها في تشكيل السلوك والتطور الاقتصادي طويل الأجل.

هذا وتعتبر سمة الاستدامة طويلة الأجل إحدى الخصائص الهامة لأية مؤسسة أو ترتيبات بشرية (مثال: الديمقراطية)، ولاشك في أن بقاء أية مؤسسة، سواء أكانت رسمية أم غير رسمية، هو أحد معايير نجاحها.

لكن السؤال الأهم: كيف نتنبأ بالاستدامة أو الأفول المؤسسي طويل الأمد من منظور موضوعي غير شخصي؟ وما الذي يحقق غاية البقاء؟ وهل كان بالإمكان التنبؤ بأفول النظام الاشتراكي قبل مئة عام مثلاً؟!

حسب الآية السُّننية أعلاه، فإن العامل الحاسم في التنبؤ هو ضمان "ما ينفع الناس". وهذا النفع يقيّم حسب ما يراه الناس أنفسهم غالباً، وتحديداً في شؤون مصالحهم المرسلة الواسعة.

لقد حاول العقل الغربي الناقد والعقلاني ابتكار علوم معيارية تعرّف وتحدد "المصلحة العامة" من منظور براجماتي وتكنوقراطي، مثل: تحليل المنافع والتكاليف، وتقييم الأثر التنظيمي، واقتصاديات الرفاه، وعلم الأخلاق التطبيقية، وتحليل السياسات العامة، وعلم المستقبليات، لكن الحصيلة كانت هزيلة وتظهر التحديات أكثر من الإمكانيات.

التعبير القرآني "ما ينفع الناس" جاء عاماً ليشمل الوسائل والنظم والمؤسسات وأساليب الحوكمة البشرية. فالبقاء في الأجل الطويل هو للأنفع وليس للأقوى حسب الآية.

فهل الديمقراطية، كوسيلة، تنفع الناس؟ ولماذا استقرت الديمقراطية كأداة أو مؤسسة سياسية بارزة في العصر الحديث على الأقل؟

السبب النهائي برأيي هو أن الديمقراطية أو الشورى تميل الى كونها "تنفع الناس" في الأجل الطويل منذ عهد بلقيس، رغم ضجيج الشعبوية الجديدة ومغامراتها بعد الأزمة المالية العالمية 2008.

معرفياً ونخبوياً، أخفق الفكر الغربي المعاصر في تقديم دليل حاسم على تفوق الديمقراطية؛ بسبب نزعته النسبية والشكّية.

حدث هذا رغم التحول الواقعي الضخم المتمثل في اندثار الاشتراكية المستبدة في عام 1989، ورغم المضامين النظريّة القوية لقانون التنوع المطلوب في علم السيطرة والاتصال في دعم الديمقراطية.

وهذا الإخفاق المعرفي هو ما أطلق عليه المفكر السياسي العريق أرنولد بريخت تعبير "تراجيديا الفكر السياسي الغربي في القرن العشرين"؛ ويقصد بذلك صعوبة التوصل الى أساس عقلاني متين ومطلق لأمهات القيم والنظم السياسية الأساسية.

لكن وفي المقابل، يوفر الشرع العديد من الأدلة الداعمة لتفوق الشورى أو الديمقراطية كآلية لمكافحة الفساد والظلم وصنع السياسة الشرعية:

1. سنة التدافع المشترك في الارض. فإذا أوجد الله عز وجل في الأرض سنناً مجتمعية لمنع الفساد والظلم (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ: البقرة 251)؛ فإن الأخذ بها يعتبر فريضة. فالشورى تساهم في منع الفساد، وفي ترويض القوة والأنانية والطغيان البشري في الساحة السياسية {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى}(العلق، 6).

2. الشورى هي آلية مؤسسية ومنضبطة لتحقيق مبدأ "التواصي بالحق" الوارد في سورة العصر، والتي أقسم الله عز وجل فيها بأن من لم يأخذ بهذا المبدأ فهو في طريق الخسران المبين.

3. العمل وفقاً لمبدأ عدم عصمة الفرد عن الخطأ وعصمة "الأمة ككل" عن الضلالة. اذ يرى جمهور أهل العلم (من السُّنة تحديداً) أن الأمة معصومة من الاجتماع على الضلالة، وأن العصمة هي فقط لمجموع الأمة وليس لأي فرد أو نخبة فيها.

4. مكافحة الظاهرة الفرعونية {ما أريكم الا ما أرى} التي أسهب القرآن في ذمها في قصة موسى وغيرها.

5. المساهمة في تحقيق مقاصد عليا عديدة للشريعة، وابرزها مقاصد: إقامة العدل بين الناس، وضمان مصالح الأمة.

6. اعتماد الشريعة على السوق والتنافس كآلية عامة لتخصيص الموارد وللتصويت، والاختيار الاقتصادي مع تنظيمها بتشريعات المنافسة.

وبالقياس، فان الشورى والانتخابات الحرة والتنوع هي الأداة في السوق السياسي.

إن للشورى الملزمة وظائف استراتيجية عديدة تتجاوز ترويض القوة الطاغية والحيلولة دون انتشار الفساد، أبرزها: تصويب أخطاء السياسات والتشريعات والبرامج والاستراتيجيات الحكومية من خلال التغذية الراجعة للإجراءات المركزية:

تجميع وفلترة المعلومات المتاحة حول نتائجها وحول مسائل الشأن العام عموماً {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}(الزمر:17-18).

ولا يمكن اتباع أحسن القول، من قرآن وحكمة، ولا يمكن أيضاً تعزيز المناعة تجاه القصور الذاتي للدول، دون الشورى وحرّية القول السديد على وجه الخصوص.

وبناء عليه، تضمن الشورى فرصاً أفضل للاقتراب من الحقيقة والصواب فيما يخص الاجتهادات والسياسات والتشريعات الجماعية في غير المحكمات: سواء في ما فيه نص ظني، وفيما لا نص فيه (مسائل المصالح المرسلة)، أو حتى في تنزيل وتطبيق النصوص والمقاصد الشرعية في إطار زماني ومكاني محدد.

* د. جمال الحمصي أكاديمي باحث في الاجتماع والاقتصاد الإسلامي

المصدر | السبيل