الأحد 17 أكتوبر 2021 05:09 ص

قيس سعيّد يفتح المعركة ضد المجتمع الدولي

خلصت جلسة الكونغرس إلى أن الديمقراطية بتونس مهددة ويكاد اقتراض تونس من الساحة الدولية يصبح مستحيلاً في ظل الظروف الراهنة.

بعد جلسة الاستماع بالكونغرس حول تونس اتفق غالبية الأعضاء الديمقراطيين والجمهوريين حول اعتبار ما أقدم عليه سعيّد ليس سوى "انقلاب"!

رغم تأجيل القمة الفرنكفونية في تونس لم يتغير موقف قيس سعيّد فبقي مصرّاً على مواصلة السير في طريقه غير عابئ بما يدور في الساحة الدولية.

"تونس دولة حرة مستقلة ولا مجال للتدخل في شؤونها"، "نحن لسنا بستاناً أو حقلاً نحن دولة ذات سيادة... ولن نقبل أن توضع سيادتنا فوق أي مائدة أجنبية".

يبقى العامل الخارجي محدداً للصراع الداخلي فالأوراق بيد سعيّد تكاد تنفد وسيقول الاقتصاد كلمته فهل تقف بعض دول الخليج مع سعيّد كما سبق لها أن فعلت؟

*     *     *

"تونس دولة حرة مستقلة ولا مجال للتدخل في شؤونها"، "نحن لسنا بستاناً أو حقلاً نحن دولة ذات سيادة... ولن نقبل أن توضع سيادتنا فوق أي مائدة أجنبية".

بهذه الكلمات التي افتتح بها أول مجلس للوزراء في حكومته التي شكلها أخيراً (برئاسة نجلاء بودن)، أعلن الرئيس التونسي قيس سعيّد معركته ضد الحكومات المناوئة له، رافعاً في وجهها شعار "الدفاع عن السيادة الوطنية".

وذلك بعدما قرّر سحب جواز السفر الدبلوماسي من الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي الذي وصفه بـ"عدو تونس"، وفتح ضده على الفور تحقيقاً قضائياً بتهمة "التآمر على أمن تونس الداخلي".

أما على الصعيد الخارجي، فقد قام سعيّد بدعوة السفير الأميركي في تونس دونالد بلوم، وأبلغه بشكل غير مسبوق "استياء الدولة التونسية من إدراج الأوضاع في تونس في جدول أعمال الكونغرس الأميركي"، في جلسة خلصت إلى أن الديمقراطية في تونس "مهددة".

يأتي ذلك في ظرف تزداد فيه الضغوط الخارجية على الرئيس التونسي بسبب استمرار الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها (منذ 25 يوليو/ تموز الماضي) دون تحديد سقف زمني واضح، وبذلك تكون تونس قد وقعت بين وضع اقتصادي صعب وعزلة دولية مرشحة إلى أن تزداد حدة.

من جهة أخرى، قرر مكتب البرلمان الأوروبي في اجتماعه الأخير تعليق عضوية تونس، إلى جانب التشاد وغينيا، في مختلف اللجان البرلمانية الفرنكوفونية، مقابل توجيه تحذير لجمهورية أفريقيا الوسطى. وتم تبرير ذلك القرار بالتأكيد أنه "أملاه التدخل في شؤون برلمانات الدول المذكورة وتعطيل أعمالها".

جاء هذا التعليق بعد تأجيل قمة الفرنكوفونية لمدة سنة أخرى، بعدما كانت ستعقد في تونس خلال شهر نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل. وهي القمة التي بذل الرئيس التونسي جهوداً ضخمة من أجل عقدها في موعدها، نظراً لما كانت ستمثله من مناسبة دولية مهمة تعتبر الأولى من نوعها التي كان يفترض أن تلتئم في ظلّ عهدته الرئاسية.

لكن دور الرئاسة الكندية كان محدداً في تأجيلها لأسباب سياسية تتعلق بالإجراءات الاستثنائية سارية المفعول، في حين اكتفت الجهات الرسمية التونسية باختزال أسباب التأخير في عدم اكتمال الترتيبات التنظيمية. غير أن ذلك لم يقلل من أهمية هذا القرار الذي شكل ضربة موجعة للرئاسة التونسية في هذا الظرف بالذات.

رغم ذلك، لم يتغير موقف سعيّد، إذ بقي مصرّاً على مواصلة السير في طريقه، غير عابئ بما يدور في الساحة الدولية.

إذ بعد جلسة الاستماع أخيراً التي عقدت في الكونغرس حول الوضع في تونس، واتفاق غالبية الأعضاء من الحزبين الديمقراطي والجمهوري حول اعتبار ما أقدم عليه سعيّد ليس سوى "انقلاب"، قررت وكالة موديز، إحدى أكبر مؤسسات التصنيف العالمية التي هاجمها سعيّد بقوة، تخفيض ترقيم إصدار العملة الأجنبية والعملة المحلية الدينار من B2 إلى B3 مع الإبقاء على آفاق سلبية.

وهذا التشخيص الجديد للحالة المالية الصعبة لتونس من شأنه أن يزيد من حجم المتاعب التي يواجهها الاقتصاد المحلي، لأن الاقتراض من الساحة الدولية يكاد يصبح مستحيلاً في ظل الظروف الحالية.

هذا الوضع دفع بالنائب في البرلمان التونسي المجمدة أعماله هشام العجبوني، عن التيار الديمقراطي الذي كان من مساندي سعيّد ليلخص حجم المأساة بقوله إن "السيناريو اللبناني أصبح قريباً، والطريق معبدة إلى نادي باريس".

لن تتوقف الضغوط الخارجية عند هذا الحد، خصوصاً أن الأسابيع المقبلة قد تحمل مزيدا من الأخبار السيئة. لكن الحكومات الغربية التي يراهن عليها معارضو سعيّد قد لا تجازف بمصالحها وعلاقاتها من أجل عيون المعارضة التونسية، رغم أن ضغوطها الدبلوماسية لا يستهان بها، خصوصاً في ظلّ الأوضاع الاقتصادية التي تمر بها تونس.

لهذا السبب دعا القيادي المستقيل من "النهضة"، عبد اللطيف المكي، أطراف المعارضة إلى "ضرورة إيجاد حلول داخلية"، ونهى عن "انتظار الحلول من الخارج".

وهذه مسألة على غاية من الأهمية ستواجهها الأحزاب المخاصمة للرئيس التونسي الذي يحاول الآن حشرها، في زاوية، خصوصاً حركة "النهضة"، باتهامها بكونها "عدوة لوطنها وشعبها"، كما ورد في خطابه الأخير.

لكن العامل الخارجي سيبقى محدداً للصراع الداخلي، خصوصاً أن الأوراق التي في يد سعيّد تكاد تنفد، وسيقول الاقتصاد قوله. فهل ستقف بعض دول الخليج إلى جانب سعيّد كما سبق لها أن فعلت؟

* صلاح الدين الجورشي كاتب وناشط تونسي في المجتمع المدني

المصدر | العربي الجديد